ارشيف من :ترجمات ودراسات

المخدرات وآلة الحرب الأميركية

المخدرات وآلة الحرب الأميركية
مقابلة أجراها ماكسيم شيكس مع بيتر دال سكوت
عن موقع  Raiseau Voltaire
18  تموز / يوليو 2013


بيتر دال سكوت هو شاعر وأستاذ في العلوم السياسية واللغة الانكليزية في جامعة كاليفورنيا (باركلي) وديبلوماسي كندي سابق. من مؤلفاته كتاب بعنوان "الطريق نحو الفوضى العالمية الجديدة" (مترجم إلى الفرنسية). كتابه الأخير يحمل عنوان "آلة الحرب الأميركية" (مترجم أيضاً إلى الفرنسية). وهو متقاعد حالياً ويعكف على وضع دراسة تفصيلية للنظام القائم في الولايات المتحدة.

ـ  في كتابكم الأخير "آلة الحرب الأميركية"، أجريتم دراسة معمقة لما أسميتموه بـ "شبكة المخدرات العالمية". هل يمكنكم أن تضيئوا لنا على هذا الموضوع ؟

* قبل كل شيء، اسمحوا لي بأن أعرف ما أقصده بـ "شبكة المخدرات". فالمخدرات لا تدخل إلى الولايات المتحدة بطرق سحرية. ففي بعض الأحيان يتم إدخال شحنات كبيرة من المخدرات إلى الولايات المتحدة بموافقة أو / وبتواطؤ مباشر من قبل وكالة الاستخبارات المركزية. يمكنني إيضاح ذلك بمثال من كتابي "آلة الحرب الأميركية". أتحدث في هذا الكتاب عن الجنرال رامون جوليان دافيلا، مدير إحدى وحدات مكافحة المخدرات التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي) في فنزويلا، والذي اتهم في ميامي بإدخال طن من الكوكايين إلى الولايات المتحدة بطريقة سرية. بحسب نيويورك تايمز، وافقت سي آي إي، رغم اعتراضات إدارة مكافحة المخدرات، على إدخال طن على الأقل من الكوكايين الصافي عبر مطار ميامي الدولي، وذلك كوسيلة للحصول على معلومات عن مجمعات المخدرات في كولومبيا. وتقول صحيفة وول ستريت جورنال بأن الجنرال دافيلا قد أدخل إلى الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية ما مجموعه 22 طناً من المخدرات. ومع هذا، لم تطلب السلطات الأميركية إلى فنزويلا تسليمه لمحاكمته. فوق ذلك، وعندما أوقف دافيلا في فنزويلا، عام 2007، بتهمة التخطيط لاغتيال هيغو شافيز، كان ملف التهمة الموجهة إليه ما يزال محفوظاً في ميامي. ولا عجب في ذلك، فالرجل كان يتعاون مع سي آي إي.  

غير أن شبكة المخدرات التي تديرها سي آي إي لا تقتصر على الولايات المتحدة وفنزويلا. فهذه الشبكة توسعت باستمرار خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فالحقيقة أن الولايات المتحدة سعت إلى ممارسة نفوذها في عدد من مناطق العالم، ولكن لم يكن بإمكانها، بوصفها دولة ديموقراطية، أن ترسل الجيش الأميركي إلى تلك المناطق. وعلى هذا قامت بإنشاء "جيوش إسناد" بتمويل من مهربي المخدرات المحليين. وشيئاً فشيئاً، أصبح هذا النمط العملاني قاعدة عامة. وهذه المسألة هي من الموضوعات الرئيسية التي أعالجها في كتابي "آلة الحرب الأميركية". فقد درست فيه تحديداً "عملية بابر" التي أطلقت عام 1950 من قبل جيش تشكل من أنصار شانغ كاي شيك الفارين من الثورة الصينية إلى برمانيا حيث قاموا بتنظيم عمليات تهريب المخدرات في المنطقة. وعندما تبين أن هذا الجيش لم يكن فاعلاً بالمرة، عمدت سي آي إي إلى تشكيل قواتها الخاصة في تايلند. وقد اعترف الضابط المسؤول عن هذه القوات بأنها كانت تمول عملياتها من خلال ضبط كميات كبيرة من المخدرات.

المخدرات وآلة الحرب الأميركية
شبكة المخدرات تديرها السي آي إي


ومن خلال عملهم على التوسع في تهريب المخدرات في جنوب شرق آسيا، شكل أنصار شانغ كاي شيك، بوصفهم جيشاً للإسناد، شكلوا سابقة لما سيصبح عادة معتمدة من قبل سي آي إي : التعاون السري  ـ من أجل شن الحروب في الهند الصينية وبحر الصين الجنوبي خلال فترة الخمسينات والستينات والسبعينات ـ مع جماعات تحصل على التمويل بفضل المخدرات، ثم في أفغانستان وأميركا الوسطى في فترة الثمانينات، وبعدها في كولومبيا خلال فترة التسعينات، قبل العودة مجدداً إلى أفغانستان في العام 2001. ومن يقف وراء ذلك هي الدوائر التابعة لـ سي آي إي، أي الفرق المكلفة بإدارة العمليات السرية. ويمكننا أن نلاحظ منذ نهاية الحرب كيف أن عملاء هذه الدوائر الذين يحصلون على التمويل بفضل ما تحققه عمليات تهريب المخدرات من أرباح، ينتقلون من قارة إلى قارة لتنفيذ المهام وفق الترسيمة نفسها. وهذا ما يسمح لنا بالحديث عن وجود شبكة عالمية للمخدرات.

ـ  فوق ذلك، تلاحظ في كتابك "آلة الحرب الأميركية" أن إنتاج المخدرات غالباً ما يزدهر في المناطق التي يتم فيها تدخل الجيش الأميركي و/أو أجهزة الاستخبارات الأميركية، وأنه يتراجع مع نهاية مثل هذه التدخلات. هل تعتقد، في ظل الانسحاب التدريجي لقوات الناتو، أن إنتاج المخدرات في أفغانستان سينخفض مع الانسحاب الكامل ؟  


* من المهم أن نلاحظ في الحالة الأفغانية أن المنطقة الحدودية الأفغانية ـ الباكستانية قد أصبحت مركزية في تهريب الأفيون على المستوى الدولي خلال فترة السبعينات، وذلك بالتوازي مع انحسار التهريب في جنوب شرق آسيا. وخلال فترة الثمانينات، تعززت أنشطة سي آي إي بشكل واسع ولكن غير مباشر ضد الاتحاد السوفياتي في الحرب الأفغانية. وقد تباهى زبيغنيو بريجنسكي أمام الرئيس كارتر بكونه قد جعل للسوفيات "فييتنام خاصة بهم" في أفغانستان. ولكنه، نشر في الوقت نفسه وباء الهيرويين في الولايات المتحدة. فالواقع أن كميات ضئيلة من الأفيون كانت تنتقل من الهلال الذهبي إلى الولايات المتحدة قبل العام 1979. غير أن إحصاءات رسمية بينت أن 60 بالمئة من الهيرويين الذي دخل إلى الولايات المتحدة في عام واحد كان مصدره تلك المنطقة.
المخدرات وآلة الحرب الأميركية
المخدرات ممول رئيس للحروب الاميركية
وكما ذكرت في كتابي "آلة الحرب الأميركية"، فإن التكلفة الاجتماعية لتلك الحرب التي تتغذى على المخدرات ما تزال ماثلة بتداعياتها حتى اليوم. على سبيل المثال، هنالك اليوم خمسة ملايين مدمن على الهيرويين في باكستان وحدها. مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد كثفت في العام 2001، وبالتعاون مع جماعات التهريب، من المحاولات الهادفة إلى فرض عملية بناء قومي في معظم أرجاء ذلك البلد الذي يضم ما لا يقل عن اثنتي عشرة مجموعة إتنية كبرى تتكلم لغات مختلفة. ففي تلك الفترة، لم يكن هنالك أي غموض في نية الولايات المتحدة باستخدام مهربي المخدرات في مشروعها للتمركز في أفغانستان.  فقد أنشأت سي أي إي تحالفاً خاصاً بها عام 2001 من أجل مواجهة طالبان من خلال تجنيد  ـ وحتى استيراد ـ مهربي مخدرات سبق وتعاملوا معها في فترة الثمانينات. وكما في لاوس عام 1959، وأفغانستان عام 1980، شكل التدخل الأميركي نعمة لشركات المخدرات العالمية. فمع توسع الفوضى في المناطق الريفية الأفغانية وتسارع حركة النقل الجوي، ارتفع إنتاج الأفيون بمستوى يزيد على الضعفين، وذلك من 3276 طناً عام 2000 إلى 8200 طن عام 2007، بعد أن مقتصراً على 185 طناً عام 2001، أي عندما منع من قبل طالبان.

وقد بات من غير الممكن اليوم تحديد مسار تطور إنتاج المخدرات في أفغانستان. وإذا ما اكتفت الولايات المتحدة والناتو بالانسحاب وإخلاء المجال للفوضى، فإن الجميع سيتضررون من ذلك باستثناء المهربين الذين سيستفيدون من تلك الفوضى في أنشطتهم غير الشرعية. لذا، فإن التعاون ضروري بين أفغانستان وجميع البلدان المجاورة بما فيها روسيا والصين المجاورتين لبلدان آسيا الوسطى. وقد اقترح "المجلس الدولي للأمن والتنمية" شراء الأفيون الأفغاني واستخدامه للأغراض الطبية في بلدان العالم الثالث حيث الحاجة إلى ذلك ماسة جداً. لكن واشنطن تعارض هذا الإجراء الذي يصعب تنفيذه بسبب غياب نظام متين وفعال للمحافظة على الأمن. وأياً يكن الأمر، لا بد من إيجاد حل متعدد الأطراف تشارك فيه إيران التي تعاني بشكل كبير من تهريب المخدرات القادمة من أفغانستان. خصوصاً وأن إيران هي البلد الأكثر نشاطاً في مكافحة تصدير المخدرات الأفغانية والذي يتعرض لأكبر الخسائر البشرية بفعل أنشطة التهريب. وعلى هذا الأساس، لا بد من الاعتراف بإيران كحليف مركز في مكافحة هذا الوباء. ولكن المشكلة أن أسباباً أخرى تجعل الغرب يتعامل مع إيران كعدو.

ـ كتابك "آلة الحرب الأميركية" يبين تحديداً كيف أن قسماً مهماً من عائدات المخدرات يغذي النظام المصرفي العالمي، ومنه مصارف الولايات المتحدة، ليشكل بذلك "اقتصاد مخدرات" حقيقي. كيف تنظرون من هذا المنظور إلى قضية "اتحاد مصارف هونغ-شنغهاي" البريطاني (إتش إس بي سي) ؟


* قبل كل شيء، تقودنا فضيحة تبيض الأموال من قبل شبيسي إلى الاعتقاد بأن استخدام أرباح المخدرات من قبل هذا المصرف يمكنه أن يكون قد أسهم في تمويل الإرهاب، على ما كشفته إحدى لجان مجلس الشيوخ الأميركي في تموز / يوليو 2012. فوق ذلك، ذكر تقرير جديد صادر عن مجلس الشيوخ أن "ما بين 300 مليار دولار و1000 مليار دولار تأتي من مصادر إجرامية يتم تبييضها سنوياً من قبل مختلف مصارف العالم، وأن نصف هذه الأموال تمر عبر مصارف في الولايات المتحدة". وفي هذا السياق، تشرح لنا المصادر الحكومية أن "إتش إس بي سي" لن يصار إلى تفكيكه لأنه أكثر من مهم في الهندسة المالية الغربية. وهنا، لا بد من أن نتذكر أن آنطونيو ماريا كوستا، مدير "مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والجريمة" قد أكد "أن المليارات التي تتحصل من المخدرات حالت في العام 2008، لحظة وصول الأزمة المالية العالمية إلى ذروتها، دون انهيار النظام المالي العالمي".
لقد اتفق "إتش إس بي سي" مع وزارة العدل الأميركية على أن يدفع غرامة بمقدار 1،92 مليار دولار لتجنب ملاحقته قضائياً. وهكذا، نفهم من حكومة الولايات المتحدة أن أحداً لن تتم ملاحقته بسبب هذا النوع من الجرائم، لأن هذا المصرف يشكل، كما ذكرت آنفاً، جزأً لا يتجزأ من النظام المالي. إنه اعتراف حاسم. ففي الواقع، أن جميع المصارف الكبرى ذات الأهمية بما هي متكاملة مع النظام، وليس "إتش إس بي سي" وحده، قد أقرت بأنها أقامت فروعاً خاصة جرى تصميمها لتبييض المال الوسخ (المصارف الخاصة). بعضها دفع غرامات باهظة لكنها تظل في العادة أقل بكثير مما تحققه من أرباح عن طريق تبييض الأموال. ومهما بقيت هذه المخالفات بمنأى عن المحاسبة، فإن النظام سيستمر بالعمل على هذا المنوال. إنها فضيحة حقيقية. تصوروا شخصاً عادياً يتم إيقافه وبحوزته بضعة غرامات من الكوكايين. من الأرجح أنه سيسجن، لكن "إتش إس بي سي" يمكنها أن تقوم بتبييض حوالي 7 مليارات دولار من عائدات المخدرات عن طريق فرعها المكسيكي دون أن يسجن أحد. ففي الواقع، تشكل المخدرات أحد العناصر الرئيسية الداعمة للدولار. ومن هنا جاءت عبارة "ناركونومي" (اقتصاد المخدرات).

إن السلع الثلاث الأولى التي يجري تبادلها في التجارة العالمية هي البترول ثم الأسلحة والمخدرات، وهذه العناصر متصلة ببعضها البعض، وهي ما يغذي المصارف بالطريقة ذاتها، وهذا ما يفسر استيعاب النظام المصرفي العالمي لمعظم أموال تجارة المخدرات. ولهذا السبب بينت في كتابي "آلة الحرب الأميركية" كيف أن قسماً من عائدات المخدرات يستخدم في تمويل بعض العمليات العسكرية السرية التي تنفذها الولايات المتحدة، كما قمت بتحليل تداعيات ذلك.

ـ منذ عشر سنوات، شنت إدارة بوش حربها على العراق دون المرور بمجلس الأمن الدولي. ما هي النتائج التي استخلصتموها من هذه الحرب، تحديداً من زاوية تكلفتها البشرية والمالية ؟

* بنظري، هنالك كارثتان كبيرتان في السياسة الخارجية التي اعتمدها الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة. هاتان الكارثتان هما حرب فييتنام التي لم تكن ضرورية، وحرب العراق التي كانت أقل من ضرورية. كان الهدف المعلن لحرب العراق هو إقامة الديموقراطية في هذا البلد، الأمر الذي لم يكن غير وهم حقيقي. فالشعب العراقي هو وحده من يقرر إذا ما كان يعيش حالياً في ظروف أفضل مما كانت عليه قبل الحرب. وأنا أشك في أنه سيجيب بـ "نعم" فيما لو تمت مشاورته حول هذا الموضوع.
كانت هذه الحرب كارثة من زاوية تكلفتها البشرية والمالية، وذلك بالنسبة لكل من العراق والولايات المتحدة. غير أن نائب الرئيس السابق، ديك تشيني، صرح مؤخراً بأنه كان سيعود إلى فعل الشيء نفسه "في هذه الدقيقة". والواقع أن الفاينانشال تايمز قد ذكرت مؤخراً أن عقوداً وقعت من قبل متعاقدين مع حكومة الولايات المتحدة بأكثر من 138 مليار دولار في إطار إعادة إعمار العراق.  
المخدرات وآلة الحرب الأميركية
الحرب على العراق .. مشروع القرن الأميركي الجديد
وحدها شركة "كيلوغ براون وروت"، وهي أحد فروع هاليبورتن التي كان يرئسها ديك تشيني قبل أن يصبح نائباً للرئيس، وقعت عقوداً فيدرالية بما لا يقل عن 39،5 مليار دولار منذ العام 2003. ولا بد من أن نتذكر أيضاً أن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد قد وقعا نهاية العام 2000، أي قبل عام من 11/9، على دراسة هامة تم إعدادها من قبل جماعة الضغط التابعة للمحافظين الجدد والتي تحمل اسم "مشروع القرن الأميركي الجديد". والدراسة المذكورة تحمل عنوان "إعادة بناء الدفاعات الأميركية" وتطالب تحديداً بإضافة زيادة كبيرة على موازنة الدفاع، وبقلب نظام الحكم في العراق، وبإبقاء الجيوش الأميركية في منطقة الخليج الفارسي حتى بعد سقوط الدكتاتور العراقي.
وبالرغم من التكلفة البشرية والمالية للحرب على العراق، فإن بعض الشركات الخاصة قد حققت فوائد ضخمة من هذه الحرب، كما شرحت في كتابي "آلة الحرب الأميركية". وأخيراً عندما نلاحظ التوترات الحادة في الشرق الأدنى، بين الشيعة المدعومين من إيران والسنة المدعومين من المملكة العربية السعودية وقطر، لا يجب أن ننسى أن الحرب على العراق لعبت دوراً كبيراً في زعزعة هذه المنطقة. 

ـ بالمناسبة، ما هي وجهة نظرك حول الوضع في سوريا والحلول الممكنة لهذا الصراع ؟

* بالنظر إلى الوضع المعقد في هذا البلد، ليست هنالك إجابة بسيطة حول ما ينبغي فعله في سوريا، أقله على المستوى المحلي. مع هذا، أنا مقتنع بما أنا ديبلوماسي سابق، أننا بحاجة إلى توافق بين القوى الكبرى. فروسيا تصر على ضرورة التمسك باتفاق جنيف. لكن هذا ليس موقف الولايات المتحدة التي سبق لها أن تجاوزت قرار مجلس الأمن بخصوص ليبيا، والتي تحاول الآن كسر إمكانية التفاهم بخصوص سوريا. ذلك ما لا ينبغي فعله بنظري لأن التوافق الدولي ضروري، وإلا فإنه من الممكن للحرب بالوكالة بين الشيعة والسنة في الشرق الأدنى أن تجر السعودية وإيران إلى المواجهة. وهذا قد يجر إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا. فقد نشبت الحرب العالمية الأولى بهذه الصورة حيث أن شرارتها كانت حدثاً محلياً في البوسنة. والحرب العالمية الثانية بدأت بحرب بالوكالة في إسبانيا. يمكننا ويتوجب علينا أن نتجنب تكرار مثل هذه المآسي.  
         
ـ  ولكن ألا تعتقدون بأن الولايات المتحدة تسعى اليوم، على العكس من ذلك، إلى التفاهم مع روسيا، بشكل أساسي من خلال ديبلوماسية جون كيري ؟

* لكي أجيبك، اسمح لي بأن ألفت إلى التشابه بين ما جرى في أفغانستان وآسيا الوسطى، خلال فترة التسعينات، بعد الانسحاب السوفياتي. المشكلة التي تتردد كثيرا في الولايات المتحدة تتعلق بصعوبة التوصل إلى توافق داخل الحكومة، بسبب وجود الكثير من الوكالات التي تسعى إلى تحقيق أغراض متعارضة. ينجم عن هذا عدم وجود إمكانية للتوصل إلى سياسة متماسكة وموحدة، وهذا تحديداً ما لاحظناه على مستوى أفغانستان في العام 1990.
كانت وزارة الخارجية الأميركية تريد التوصل بأي ثمن إلى اتفاق مع روسيا، لكن سي آي إي كانت تواصل العمل مع حلفائها تجار المخدرات و/أو الجهاديين في أفغانستان الذين لم يكن في نيتهم إنهاء هذا التعاون. وبالتالي، كان هنالك، إلى حد ما، نوع من التنافس في أفغانستان بين وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات. وفي تلك الفترة، أصاب ستروبي تالبوت، وهو صديق مقرب للرئيس كلينتون، وكان يمثله في وزارة الخارجية، عندما صرح بأن على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى اتفاق مع روسيا في آسيا الوسطى، لا أن تنظر إلى تلك المنطقة على أنها "رقعة شطرنج كبيرة" نستطيع فيها، وفق مفهوم زبيغنيو بريجنسكي، أن نحرك الأحداث بالشكل الملائم لنا. إلا أن سي آي إي والبنتاغون كانا يعقدان في الوقت نفسه اتفاقات سرية مع أوزبكستان، وهذه الاتفاقات نسفت كل ما كان يسعى ستروبي إلى تحقيقه. وأنا لا أعتقد اليوم بأن مثل هذه الانقسامات الداخلية بين الأجهزة الديبلوماسية والأمنية في الولايات المتحدة قد تلاشت.
على أي حال، فإن عقيدة وولفوويتز التي اعتمدت اعتباراً من العام 2001، كانت تدعو منذ العام 1992 إلى إحكام السيطرة الأميركية الكاملة على العالم. بموازاة ذلك، سعت عناصر أكثر اعتدالاً في وزارة الخارجية إلى إيجاد حلول سلمية وتفاوضية عن طريق الأمم المتحدة. إلا أنه من غير الممكن التفاوض من أجل السلام في وقت ندعو فيه إلى السيطرة على العالم بالقوة العسكرية. ولسوء الحظ، كانت الغلبة في معظم الأحيان للصقور المتشددين، وذلك لسبب وجيه وبسيط هو استئثارهم بالميزانيات الأكبر، الأمر الذي أسهم في تعزيز آلة الحرب الأميركية. فالواقع أن التوصل إلى تسويات ديبلوماسية يفضي فوراً إلى تضاؤل ميزانيات الصقور، وهذا ما يفسر كون أسوأ الحلول هي ما تتجه نحو الهيمنة على السياسة الخارجية الأميركية. وهذا ما قد يمنع التوصل، تحديداً، إلى توافق ديبلوماسي بين الولايات المتحدة وروسيا حول الصراع السوري.      
2013-08-16