ارشيف من :أخبار عالمية
اوباما يخاطب المسلمين من القاهرة: المصلحة الاميركية أولاً.. وأخيراً
يزور المنطقة وهو يبحث عن سبل للحفاظ على ما تبقى من قدرة لبلاده التي لم تعد قادرة على خوض الحروب

كتب عبد الحسين شبيب
التوصيف الحقيقي لما يمكن أن يطبق على زيارة الرئيس الاميركي باراك اوباما إلى الرياض ثم القاهرة وخطابه في جامعة القاهرة والموجه حصريا إلى المسلمين، هو التالي: هناك من يتقن تحويل هزائمه إلى انتصارات بقدر ما يوجد أشخاص مقابلون يتقنون تحويل الانتصارات إلى هزائم. فالتضخيم الإعلامي لزيارة اوباما الشرق أوسطية يتجاوز حدود المعقول والممكن، ويعطيها حجما أكثر مما هي في الحقيقة، بحيث تحمل عبئا كبيرا لا يستطيع معه أن يستقيم أي تحليل لخلفياتها ونتائجها وإمكانياتها طبعاً. هذا لا يعني أن الزيارة ليست مهمة ولا يترتب عليها شيء، بل المقصود هو البحث في المسار الحقيقي والواقعي الذي أملى على هذا الرئيس الجديد أن يبدأ سلسلة مواقف تصريحية حتى الآن تقول انه سيعتمد مقاربة جديدة لازمات الشرق الأوسط وللعلاقة بين بلاده وهذه المنطقة وقضاياها.
الإشكالية تكمن في أن هناك من يقع تحت تأثير هذا الضجيج الإعلامي فيستعين بالخيال ليقرأ المستقبل بصفة منجم وليس بصفة خبير أو محلل واقعي للأحداث. فالتغطية الممنوحة للزيارة والرهان الذي عقد على الخطاب يبتعدان عن المقاربة الحقيقية لما يجري في أروقة البيت الأبيض ولما جرى ويجري في ساحات الأزمات التي تغرق فيها الولايات المتحدة.
المنطلق الأول الذي يفترض أن يكون حاضرا في أي مقاربة لأي تحول أو تغيير اميركي في السياسات الخارجية هو معيار المصلحة الاميركية، وهو يقع في صلب النظريات التي تدير هذه السياسات منذ قرر هذا البلد الانخراط في الشؤون العالمية واحتلال مركز الصدارة والتأثير الأول فيها. وأولوية المصلحة على كل شيء، وخصوصا الأخلاق، وهذا ما يمكن أن يفسر كيف يمكن أن يذهب اوباما إلى السعودية وبصفتها مهد الإسلام بعدما كانت بلد منفذي هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، وان يطلب المشورة من الملك السعودي عبد الله في التعامل مع قضايا مشتركة وقضايا خاصة بواشنطن لا غير، في حين أن المملكة لم تكن يوما في الأدبيات الاميركية لا الرسمية ولا الأكاديمية سوى بلد لا يتصل بأي تقليد أو سلوك من سلوك الديمقراطية والأنظمة التي تحترم فيها الشعوب وتمارس فيها حرياتها وقناعاتها، وهو الشعار الذي داعبت فيه إدارة جورج بوش الأخيرة مخيلة العديد من الشرق أوسطيين وقدمت نفسها بصفتها مخلصهم قبل أن يتخلص الاميركيون أنفسهم من هذه الإدارة.
التوصيف نفسه ينطبق على مصر الذي لا يخلو تقرير سنوي اميركي لأي مؤسسة رسمية أو بحثية عن إدانتها بالمطلق في مجال الحريات وحقوق الإنسان والفساد والتعسف في استخدام السلطة، قبل أن تصبح بين ليلة وضحايا المنبر الذي يصلح لمخاطبة مسلمي العالم ومد يد أميركا _ إعلاميا _ إليهم، فاستدعت لذلك ممثلين عن أطياف المجتمع السياسي المصري اغلبهم ممن يتنقلون يوميا بين السجون والاعتقالات السياسية من قبل الحزب الحاكم، مع إشارة فيها من الرمزية ما يكفي لإظهار العجب العجاب من هذا الود الاميركي مع هذه الدولة التي حجزت في المنازل ثمانية عشر مليون مصري حفاظا على امن الزائر، وفي هذا من الديمقراطية ما يكفي لتبشير المسلمين بما بعد خطاب اوباما.
هذه التفاصيل البسيطة تظهر كيف يمكن أن يتحول نظام من استبدادي إلى غير استبدادي حتى لا نقول ديمقراطي بين ليلة وضحاياها في عيون واشنطن، وهو ما يستدعيه دائما وأبدا البحث عن المصلحة الاميركية التي تطوع التوصيف حسب متطلباتها.
المثير للاستغراب أن الرئيس اوباما يجري نقاشا مستفيضا في الدوائر المعنية حول السبل الكفيلة بإخراج بلاده من الشرنقة التي وضعها فيها جورج بوش وفريقه بعد سلسلة من الهزائم المتنقلة، بدأت بأفغانستان ومرت بالعراق ثم لبنان في صيف 2006 وصولا إلى غزة، قبل أن تعود إلى نقطة الانطلاق الأولى في الحرب على ما تسميه الإرهاب لتطلق نداء استغاثة الى أعدائها وفي مقدمهم إيران لمساعدتها على الخروج من المستنقع الأفغاني، بعد أن تمظهرت الانتكاسة الاميركية انعدام خيارات ضد إيران وبرنامجها النووي، وضد سوريا ومروقها على السياسة الاميركية، لتنتهي الأمور مدا اميركيا لليد بحثا عن خشبة خلاص للمصالح الاميركية وليس السورية، تماما كما هو الخطاب المعلن حتى الآن تجاه طهران، بعدما أظهرت الأخيرة من قوة وقدرة على المواجهة وضعت واشنطن في دائرة من الأزمات جردتها حتى من هيبتها كقوة عظمى.
إذن باراك اوباما يزور المنطقة وهو يبحث عن سبل للحفاظ على ما تبقى من قدرة لبلاده التي لم تعد قادرة على خوض الحروب: أولا بسبب الفشل المتتالي لحروبها الأخيرة في أفغانستان والعراق ولبنان وغزة، وثانيا بسبب الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الاميركي ومعظم الاقتصاديات العالمية، وهو لذلك لم يتوان في تكرار الطلب من السعودية أداء دور لصالح الاقتصاد الاميركي عبر وضع حد لارتفاع أسعار النفط والوقوف بوجه الثنائي الإيراني الفنزولي في منظمة أوبك يتلاعب بمصير المعتمدين على النفط، فكان كلام سعودي أن سعر خمسة وسبعين دولارا للبرميل هو مقبول، أي هذا أقصى ما يكن أن تقدمه له الرياض. خلاصة ما تقدم أن أي خطوة تصنف ايجابية في خطاب وخطوات اوباما ليست بصفتها تعبيرا عن حسن نية أو رغبة أو العمل الخيري السياسي لصالح الذين تضرروا من السياسات الاميركية طوال العقود الماضية، ودفعوا ملايين الأرواح ثمنا للغطرسة الاميركية التي مشت جنبا إلى جنب مع الإرهاب الصهيوني، وآخر تجلياتها في غزة، فيما يعتبر زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ـ الذي اطل عشية الزيارة في تسجيل صوتي ـ أن ما يجري في وادي سوات هو مظهر آخر من مظاهر العدوانية الاميركية، وبالتالي فان رمي الكرة في ملعب المسلمين وإنهم هم المعنيين بالاستجابة لليد الاميركية الممدودة ليس سوى ذرا للرماد في العيون، ومحاولة لتحميل الضحية مرة أخرى نتائج خسائر الجلاد وإرهابه، بعدما وصل إلى طريق مسدود ويريد البحث عن شبكة خلاص لمصالحه وليس حرصا على مصالح الآخرين.
على أي حال فان بضعة كلمات لا تغير سياسات يتوزع صناعتها على أكثر من دائرة تفكير وبحث ومركز قرار في الولايات المتحدة، وان كانت دراسة روسية حديثة أشارت إلى قوة مجموعة صنفتها بالبراغماتيين أو جماعة العسكر والأمن التي يقودها وزير الحرب الاميركي روبرت غيتس والتي تدعو إلى تغيير في السلوك الاميركي يميل إلى الحوار واللين بدل الحروب لأنها خاسرة بالمجمل، وهي مجموعة تبحث عن الطرق الكفيلة بتحقيق ما يمكن أن تحققه الحروب لكن ليس بالقوة إنما بالحوار تجنيبا لمزيد من الخسائر الاميركية التي لم تعد تحتملها هذه الإمبراطورية.
من هنا فان البحث الجدي يكمن في تحديد المحطات الحقيقية التي يمكن أن تضعها الإدارة الاميركية كركائز جديدة لسياستها الخارجية في حال كان التأثير الأقوى لجماعة البراغماتيين هذه. وهنا يمكن ادارج زيارة اوباما إلى الرياض والقاهرة ليس في سياق التعويل على هذه العواصم في إحداث تحولات نوعية بقدر ما هي عملية طمأنة على خلفية الصراخ المصري الذي عبر عن انزعاجه من ظهور تركيا كمركز إقليمي حقيقي عبر عنه اوباما بتخصيصه الزيارة الأولى إلى هذا البلد الإسلامي العلماني الذي يقع على تقاطع الأزمات الاميركية ولديه مؤهلات لأداء دور أكثر فاعلية من مصر وغيرها، وهو ما توجته أنقرة في حرب غزة عندما أخذت موقفا ايجابيا من حماس مقابل الموقف السلبي لمصر منها، بموازاة حفاظها على ما يسمى العلاقة الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل، فضلا عن العلاقة الجيدة بين تركيا وإيران وتركيا وسوريا، إضافة إلى التأثير التركي في مجال عراقي معين فضلا عن المجال الأفغاني، كل ذلك جعلها محط أنظار إدارة اوباما الساعية إلى فتح قنوات اتصال مختلفة مع إيران بعدما فتحتها مع سوريا وبلغت حدود القطيعة مع ممارسات إدارة بوش، بحيث تحولت الأمور من تغيير السلوك السوري إلى تغيير السلوك الاميركي تجاه دمشق.
وقد كان لافتا أن إدارة اوباما أصدرت تعليمات لسفاراتها في الخارج بدعوة الدبلوماسيين الإيرانيين إلى حضور احتفالات عيد الاستقلال الاميركي بعدما كان ذلك محظوراً منذ ثلاثين عاماً، وذلك بالتزامن مع زيارة اوباما، علما أن محور البحث في زيارة اوباما إلى السعودية هو هواجس الأخيرة من سلوك واشنطن سبل الحوار والتواصل مع طهران لان هناك دول خليجية تعتبر أنها تدفع دائما الثمن، سواء تصالحت واشنطن مع طهران و تحاربت معها.
وبالتالي فان سؤالا يطرح عما إذا كان اوباما بصدد تهدئة روع مصر من تفعيل الدور التركي على حساب موقعها الإقليمي المنتهي الصلاحية، أو تهدئة مخاوف السعودية وغيرها من مآلات العلاقات الإيرانية الاميركية، أكثر من سعيه إلى مخاطبة المسلمين وهو يعرف أنهم مشرذمين في مجموعات ودول تشتغل إسرائيل والدوائر الاميركية على إشعال الفتن المذهبية بينهم بحيث بلغت الأمور حدا أن هناك دولا عربية باتت تعتبر إيران أنها تشكل خطرا عليهم أكثر من التهديد الإسرائيلي لكنهم لا يستطيعون البوح بذلك، وربما من مهام زيارة اوباما إظهار هذا الخوف ودفعهم إلى قوله في العلن بدل الاكتفاء بقوله في السر، وهو ما يمكن واشنطن من استثمار هذه المخاوف في سياستها سواء مع إيران خلال التحاور معها، أو مع هذه الأطراف العربية لإبقائها تحت الحماية الاميركية وابتزازها ماليا وسياسيا واقتصاديا وهو مسلك لا يمكن أن يغادر أي صانع قرار اميركي.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018