ارشيف من :أخبار لبنانية

واشنطن تضغط لترتيب «المسرح»

واشنطن تضغط لترتيب «المسرح»

جوني منير - صحيفة الجمهورية

من المفترض أن يصل السفير الأميركي الجديد دايفيد هيل الى لبنان أواخر الشهر الجاري على أن تغادر بعدها السفيرة مورا كونيللي الى بلادها.

صحيح أنّ كونيللي لم تطبع الحياة السياسية اللبنانية على غرار بعض من سبقوها، وفي طليعتهم جيفري فيلتمان، وصحيح أنها لم تستطع مجاراة زواريب السياسة اللبنانية وتعابيرها الغامضة والملتوية في بعض الأحيان، إلّا أنّ الذين واكبوها يشهدون لها بقدرتها الكبيرة على استيعاب الملفات المعقدة وعلى تنفيذ سياسة بلادها بدقة ولو أنها فشلت في ترجمة المواقف المعلنة لإدارتها لجهة ضرورة إجراء الانتخابات النيابية.

لكنّ كونيللي التي "أغرمت" بالمطبخ اللبناني، تنهي خدمتها في لبنان بكلام جديد أكثر وضوحاً وهجومية ضد "حزب الله"، ما عكس سياسة جديدة ستنتهجها واشنطن تجاه لبنان خلال المرحلة المقبلة وسيسهر على تطبيقها، هيل.

فهو خدم في سفارة بلاده في لبنان مرّتين، ولن يحتاج بالتالي الى فترة الأشهر الستة التي يطلبها عادة السفراء الجدد للتعرّف الى البلد واستيعاب محاوره السياسية بكل أبعادها.

فقد عاصر هيل أحداثاً دقيقة مثل اعتقال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وسوقه الى وزارة الدفاع تحت أنظار السفارة الأميركية وبضوء أخضر منها. وهو أنجز مسؤولياته في السفارة كقائم للأعمال، خلال الوجود السوري في لبنان وما تخلَّله من إحباط لدى الشارع المسيحي.

كما أنّ هيل، الذي خدم في الأردن سفيراً لبلاده، اكتسب خبرة غنية في شأن السياسة الإقليمية وخيوطها المتشابكة، والأهم خفايا التعاون الأردني - الإسرائيلي الذي يحمل في طيّاته دقة العلاقة مع الفلسطينيين.

لذلك استعان السفير جورج ميتشل بهيل لدى ترتيبه الفريق الذي ساعده في إدارة الملف الفلسطيني - الإسرائيلي. ذلك أنّ خبرة هيل في بيروت ومن ثم في عمان، أكسبته خبرة واسعة في الصراع المحوري في المنطقة. وربما من أجل ذلك، اختير هيل لترجمة سياسة بلده في لبنان طوال السنوات الثلاث المقبلة.

صحيح أنّ الأحداث الكبرى التي تعصف بالشرق الأوسط تحجب رؤية واشنطن عن الساحات الصغيرة، ولبنان إحداها، إلّا أنّ الصحيح أيضاً أنه لا يمكن بناء سياسة صحيحة من دون الأخذ في الاعتبار مكامن قوة الدور الإيراني في المنطقة وقدرته، حيث يبقى "حزب الله" في طليعة اللائحة.

فبالقرب من لبنان، دخلت الحكومة الإسرائيلية في مفاوضات مع السلطة الفلسطينية بترتيب من العاصمة الأميركية، مفاوضات محاطة بكثير من التكتم والحرص، ويشرف عليها أحد أكثر الديبلوماسيين الأميركيين جدية وخبرة، وهو مارتن أنديك، ما يعطي هذا الحدث جدية فائقة يعوّل عليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري لتحقيق نجاح يسمح له بالانطلاق بعدها للتفاوض مع طهران حول الملفات المعقدة والملتهبة.

لكنّ المشروع الأميركي الذي يحوي إغراءات كثيرة سمحت للحكومة الإسرائيلية بالدخول في المفاوضات، إنما يثير حساسية إيران التي استبعدت عن قاعة المفاوضات.

ومن هذه الإغراءات، تحقيق حلم "تهويد" الدولة الإسرائيلية من خلال إخراج كل شخص غير يهودي من كنف الدولة، ولو من خلال ترتيب إداري ما في المرحلة الأولى. كذلك، حملت هذه الإغراءات توطين فلسطينيّي الشتات في أماكن وجودهم والاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

تكفي هذه العناوين لدفع إيران ومعها "حزب الله" الى عرقلة الوصول الى الاتفاق. إذ على المستوى اللبناني، سينعكس توطين الفلسطينيين إضافة إلى إبقاء قسم من النازحين السوريين، خللاً كبيراً في التركيبة اللبنانية لصالح السنّة ما يدفع "حزب الله" الى الاستماتة لإجهاض هذه التسوية وهو قادر على ذلك نظراً إلى الإمكانات التي يملكها.

لذلك، اختير السفير الأميركي الجديد بعناية فائقة ووفق مهمة واضحة هي تطويق "حزب الله" وإلهاؤه والعمل على شلّ حرية حركته، ومن هذه الزاوية يمكن إدراج التغيير في كلام السفارة الأميركية في لبنان، حيث بات التصويب في اتجاه الحزب أكثر وضوحاً وأعلى درجة من السابق.

وقد أشار الذين عادوا من واشنطن، الى لقاء غير رسمي جمَع هيل مع شخصيات عدة، بعضها لبناني، وأظهر خلاله سقفاً مرتفعاً ضدّ "حزب الله". فشدّد على وجوب العمل لمنع وقوع لبنان في قبضة إيران، وبالتالي ضرورة التعامل مع "حزب الله" من هذا المنطلق. وحين سأله أحد الحضور عن الفلسطينيين في لبنان، جاء جواب هيل مبهماً، فلفت الى وضع حلول لهذا الملف.

لذلك، يتوقع الكثيرون مرحلة صعبة في لبنان، حافلة بالضغوط على "حزب الله"، أكانت ضغوطاً سياسية (الملف الحكومي)، أو أمنية (التفجيرات)، أو عسكرية (الساحة السورية) أو ديبلوماسية، وذلك طوال مرحلة المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية المحددة بتسعة أشهر.

لكنّ المفاجئ أنّ الضغوط التي تستعدّ واشنطن لبدئها، ستترافق مع فتح قنوات جديّة تؤدي الى تواصل غير مباشر مع "حزب الله" تمهيداً لمرحلة لاحقة، حيث تبدو واشنطن مقتنعة بأن لا مجال لبناء سياسة ثابتة في المنطقة بلا التفاوض لاحقاً مع إيران، وبلا الإقرار بالقدرات التي يتمتّع بها الحزب.
2013-08-19