ارشيف من :أخبار لبنانية

تفجير الرويس يفضح التآمر على المقاومة

تفجير الرويس يفضح التآمر على المقاومة

أيام معدودة، نفضت فيها الضاحية الجنوبية لبيروت عنها غبار التفجير الغادر الذي استهدفها، لينقشع الضباب بعدها حول حقيقة المواقف "الآذارية" التي لازمت الساعات الأولى للتفجير الإرهابي، والتي أظهر بعضها تعنتاً ولا مبالاة بدماء المدنيين، فيما نأى بعضها الآخر لساعات معدودة عن خطابه التحريضي المعهود معلناً تضامنه مع الضحية تحسباً لزيادة الاحتقان في البلاد، ليعودا ويصبّا مجدداً في خدمة هدف واحد.. تأمين الحماية والغطاء للجماعات التكفيرية في لحظة تقاطع للمصالح..
كلام جميل ومنمّق اختاره أفرقاء 14 آذار بعناية للتعامل مع انفجار الرويس، لكن وعلى قاعدة "ما أخفى امرؤ شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه" بانت نواياهم.. تجيير حاقد لنتائج التفجير في خدمة مشروع حليفهم الإقليمي في المنطقة، وبعض من تصريحاتهم توضح بيت القصيد:


تفجير الرويس يفضح التآمر على المقاومة

نحو ٤٠ مرة  سجل لقائد "أوركسترا" 14 آذار، سعد الحريري ذكره اسم حزب الله وسلاح المقاومة خلال ردّه المقتضب على خطاب سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، ردّ وإن أطلقه رئيس كتلة "المستقبل" النيابية من مكان إقامته في جدّة بما يحمله ذلك من دلالات لم تعد خافية على أحد، إلا أن مضمونه يبقى أكثر صراحة، فقد اعتبر أن "ما حصل في الرويس هو بالتأكيد جريمة بشعة لكن حرب حزب الله في سورية هو جريمة أيضاً"، وزاد أنه "إذا كان حزب الله يريد محاربة التكفيريين، عليه أن يتشاور مع سائر اللبنانيين وأن لا يفتح على حسابه حرباً لمصلحة الرئيس السوري بشار الأسد".

أحد أبرز جهابذته أيضاً، النائب فؤاد السنيورة دعا إثر تقديمه التعازي بشهداء الرويس "جميع القيادات اللبنانية إلى اتباع السياسات التي تحمي لبنان واللبنانيين وتحمي حاضرهم ومستقبلهم ومصالحهم وعيشهم الواحد المشترك في محيطهم العربي"، مشدداً على ضرورة "التحلي بالصبر والحكمة والروية والتعقل والالتزام الحقيقي والثابت بتطبيق سياسة النأي بالنفس والتمسك بمندرجات إعلان بعبدا وبنوده لا سيما في هذه اللحظات بما يحمي لبنان من الشرور المحيطة والمتعاظمة في المنطقة من حولنا".

عضو كتلة "المستقبل" النيابية أحمد فتفت أيضاً لفت إلى أن "لبنان يدخل في فترة عصيبة"، مشيراً إلى "أننا كنا نتأمل من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله وبعد الموقف الوطني العارم الذي تجلى بعد تفجير الرويس، أن يلاقينا ويقوم بقراءة جديدة متعقلة بالملف الإقليمي، لكن ذلك لم يحصل، ويبدو أن ثمة إصراراً على الانغماس بشكل أكبر في الملف الإقليمي، والسوري بالذات، وبالتالي فإن البلاد تنجر بقرار متفرد من السيد حسن وحزب الله، وبرغم إرادة الشعب اللبناني، نحو الخراب، وهذا أمر مؤسف جداً".

النائب عن الكتلة نفسها أيضاً وأيضاً، جمال الجراح، اعتبر في حديث متلفز أن "انغماس حزب الله في الصراع السوري يجر البلد إلى الفتنة"، ورأى أن "مقولة الأمن الذاتي في الضاحية سقطت، والجميع يعرف أن أي شخص يذهب إلى هناك يتم عدّ أنفاسه".

"القوات اللبنانية" بدورها لم تكن بعيدة عن التوجّه نفسه لكن بأسلوب أكثر وقاحة، غلّفت استنكارها بمزيد من التحريض على المقاومة، و"بمزيد من الأسى واللوعة نعت أمن الضاحية ولبنان في ظلّ وجود السلاح بيد حزب الله".

فلا همّ إن كان المستهدفون مواطنين أبرياء أو رضّعاً أو موظفين أو مدنيين في الشارع، لا يمكن للقوات أن تتعاطف مع أهالي الضاحية وتكتفي بذلك، لأن حزب الله هو الضاحية والضاحية هي حزب الله، فهنا يقف حدود التفكير القواتي، على حدّ قول أحد العارفين. ومن هنا كان لا بدّ من الإدانة أولاً ثم الانقضاض على سلاح الحزب، والفرصة كانت مؤاتية لإعادة المعزوفة ذاتها للمرة الألف ربما: "نستنكر التفجير الذي استهدف منطقة الرويس، إنما لا استقرار ولا أمن فعليين من دون قيام دولة فعلية في لبنان تمارس وحدها بأجهزتها العسكرية والأمنية الشرعية سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية"، الكلام هنا لرئيس حزب "القوات" سمير جعجع.

أما نائب "حواجز القتل والخوات" أنطوان زهرا فلم يتكبد أصلاً عناء تقديم التعازي لأهالي الضاحية أو حتى استنكار ما حصل كما فعل جعجع، بل بادر بهجومه مباشرة وتحليل أسباب استهداف تلك المنطقة بالذات في حديث تلفزيوني تعليقاً على تفجير الرويس للقول إن "حزب الله المحصن أمنياً بدأ يستهدف، وهذا ما حول الصراع في سوريا الى شبه صراع في لبنان (…) ومهما كان الهدف، فإن العلاج يكون بعودة الجميع الى كنف الدولة، لأن التجربة أظهرت أن الامن الذاتي لم يكن يوماً بديلاً من كنف الدولة اللبنانية". وأيضاً، "حزب الله ليس هو الضحية بل الشعب اللبناني، لأن ما يحصل اليوم هو انكشاف كامل للبنان، فالعنف يجر العنف والسلاح يجر السلاح والخطف يجر الخطف، ولم يسبق لفريق لبناني أن أعلن الدخول في حرب خارج لبنان دون موافقة أغلبية الشعب اللبناني مثلما فعل حزب الله (...) وعلى حزب الله إعادة النظر والتسليم بأننا نريد لبنان دولة بكيانه القائم".

وعلى خط النار القواتي عينه، تغريدة لخريج المدرسة عينها النائب فادي كرم رأى فيها أن "حزب الله أدخل لبنان كله في المحظور"، متسائلاً "هل يتخلى عن عنجهيته ويستمع للآخرين؟".

لعلّ حزب "القوات" يريد قيام دولة فعلية في لبنان تمارس سيادتها على كامل أراضيها، ولكنه يستنكر قيام تلك الدولة بمهماتها في عبرا. ويريد دولة فعلية ولكنه يبيح لنفسه المطالبة بمحاسبة الجيش اللبناني. والدولة "الفعلية" التي يريدها هي تلك تشرّع حمل السلاح في طرابلس وعرسال فقط... وربما في معراب أيضاً. يريد جعجع دولة بعقلية فدرالية ترفض التعاطف مع مأساة لبنانيين عزل في الضاحية الجنوبية، وربما تعتبر التعزية فيهم جريمة... ثم يأتي الحديث عن التعايش والوحدة وطنية.

تمايز "الكتائب اللبنانية" عن حليفتها اللدودة "القوات اللبنانية" كان في الشكل لا في المضمون، الرئيس السابق أمين الجميّل أكدّ مشكوراً "وقوفه الى جانب أهالي الضحايا الأبرياء"، وأشار الى أن "الوقت ليس للسياسة بل لبلمسة الجراح"، داعياً "مختلف القوى السياسية الى وعي دقة المرحلة التي يعيشها لبنان والمنطقة والى تقديم المصلحة الوطنية العليا على ما عداها والتزام اعلان بعبدا والاسراع في تأليف الحكومة العتيدة تأميناً للمظلة السياسية الواقية في مواجهة مسلسل الحرائق المتنقل من منطقة الى أخرى"، مذيّلاً تصريحه هذا بالإعلان عن تأييده بقوة "لما أكده الرئيس سعد الحريري في خطابه، من دعمه الدولة وكل مؤسساتها، لأن لا وطن من دون دولة متماسكة، ودعمه للجيش الوطني، فلا يمكن أن يكون جيشان على أرض واحدة، لأن ذلك يتناقض مع مستلزمات السيادة الوطنية، وفعالية القوات المسلحة اللبنانية"، والكلام لأمين الجميل.

هكذا إذاً، يريد الفريق الآذاري أن يقنعنا أن فعالية قواتنا المسلّحة اللبنانية يشوبها سلاح المقاومة وينتقص منها، وأن تفجيرات الضاحية تتوقف "بدفع ذاتي" متى ما قامت الدولة وتأمّنت المظلة السياسية الواقية عبر الإسراع بتشكيل الحكومة، وأن العلاج لظاهرة التفجيرات ومواجهة التكفيريين الساعين للسيطرة على سوريا لا يكون إلا على الأراضي اللبنانية وبعد استشارة رعاتهم الرسميين من صيدا وصولاً إلى عرسال وطرابلس، وأن إجراءات الأمن التي تتخذها القوى الشعبية والأهلية في الضاحية لحماية شوارعها وأزقتها لن تكون كافية ولا بديلة عن عودة حزب الله إلى "كنف الدولة اللبنانية" وإجرائه انعطافة على صعيد مواقفه الإقليمية.

تعقيبات وتساؤلات كثيرة تطرح على هامش تصريحات فريق الرابع عشر من آذار.. من معرفة المقصود بدعوة الحريري السيد نصر الله "للتفاهم قبل إعلان الحرب على التكفيريين حول توصيف معنى الإرهاب وسبل مواجهته" والجهة المطلوب التفاوض معها بهذا الشأن (هل هي فريق الحريري السياسي أم رعاته في السعودية مباشرة).. وعن أسباب ربط مستقبل التفجيرات بقرار حزب الله الإستراتيجي القاضي بمواجهة التكفيريين الإرهابيين في سوريا (علماً بأن هؤلاء هددوا مراراً وفي أكثر من مناسبة بالقضاء على حزب الله قبل أن يكون للحزب أي تعاطٍ في الشأن السوري).. ولماذا تأمين بيئة حاضنة شعبياً وسياسياً وأمنياً لمجموعات تسعى لاستهداف أمن لبنان بالدرجة الأولى وأمن مناطق محسوبة على أطياف معيّنة، وهل هذا الغطاء جزء من مشروع إقليمي بموافقة دولية لاستهداف المقاومة مجدداً وزعزعة مواقفها وتحجيم دورها لدفعها نحو الانكفاء سعياً للاستفراد بسوريا... وفي ظلّ هذه المعمعة يبقى الثابت الوحيد في مشاريع "خلط الأوراق" أن الحرب على مشروع المقاومة ودورها مستمرة، فيما يختلف توقيتها ومسرحها وأدواتها مع كل فشل جديد للمؤامرات.

2013-08-19