ارشيف من :أخبار لبنانية

بندر غاضب بعد النصيحة الجنبلاطيّة

بندر غاضب بعد النصيحة الجنبلاطيّة

ابراهيم ناصرالدين - صحيفة الديار


 اطلقت عيارات نارية من قبل بعض الشبان في منطقة كليمنصو، احتفاء بأنتهاء خطاب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في ذكرى انتصار تموز، استنفرت حراسة النائب وليد جنبلاط قبل ان يتبين لها الاسباب الكامنة من وراء زخات الرصاص، «البيك» كان متوترا لكن مستوى القلق ظل على درجات مقبولة، خرج من منزله مع احد مرافقيه لعدة مرات وعاد ادراجه، في المرة الاخيرة ترجل من السيارة وصب جام غضبه على فريق الحماية الذي اعتاد مع كل خروج ودخول لزعيم المختارة ان يضع الحواجز الحديدية في الطريق، صاح جنبلاط بأعلى صوته معترضا على هذا الاجراء، وضع يده على الحاجز الحديدي المتحرك وقال لمن حوله «يا شباب هيدي «العارضة» اللي شاغلين حالكم فيها ما هي اللي بتحميني، خلصوني من هالقصة حاجي علفوتي وعالضهرة هالكين الدنيي فيها». انتهى كلام جنبلاط فيما فريق الحماية وقف مذهولا لا يعرف اسباب «هالبهدلي» غير المفهومة.

هذه الجزئية من حياة جنبلاط اليومية تشرح حقيقة المرحلة «البرزخية» التي يمر بها «زعيم المختارة» ويسعى جاهدا للبقاء فيها الى اطول مدة ممكنة، صحيح انها لا تخفض من حدة توتره، ولا تجعله ينعم بالهدوء والسكينة، ولكنها على الاقل تجعل قلقه مضبوطا على ايقاع مقبول، باعتبار انه مايزال خارج دائرة المخاطر المرتفعة، وهذا يسمح له بالبقاء في منزله في كليمونصو،متنقلا مع سائقه في حدود مسافات معقولة ومقبولة في ظل هذا «الجنون» الامني الذي يضرب المنطقة والساحة اللبنانية، والذي اجبره في الفترة الماضية الى الانزواء في المختارة.
والعارفون بعقلية جنبلاط يدركون انه يسعى لاقناع الحلفاء المحليين والاقليميين وكذلك «الخصوم» بعدم المبالغة في الرهان على دوره، ويعمل جاهدا على تغيير القناعة القائمة لديهم بأنه «بيضة القبان» في الحياة السياسية اللبنانية، وهو يؤمن في هذه المرحلة ان العودة الى «الحجم الطبيعي» والتواضع قد تكون «مفتاح الفرج» في ظل صراع «الحياة والموت» الذي تخوضه القوى الاقليمية والدولية على مساحة جغرافيا الوطن العربي والاسلامي، وهو يسعى جاهدا الى تثبيت نفسه في منطقة «محايدة»، عبر اقناع طرفي الصراع بأن اي «حركة» من قبله ستكون دون «بركة» ولن تؤدي الى اي تغييرات استراتيجة من النوع الذي يعدل موازين القوى داخل لبنان وخارجه.

ولعل اكثر ما يقلق جنبلاط في هذه المرحلة «العصيبة» بحسب مقربين منه هو عمليات التصفية الجسدية التي قد تكون مقدمة لادخال «الجبل» عنوة في اتون فتنة تحرق «الاخضر واليابس»، فقبل مدة غير بعيدة عندما لمحّت بعض الاوساط السياسية والاعلامية بان مسؤولية ما تقع على عاتق الحزب التقدمي الاشتراكي في مسألة اطلاق الصواريخ على الضاحية الجنوبية سارع الى فتح كافة الخطوط مع حزب الله مقدما كافة المعلومات «المقنعة»، مبديا حد اقصى من التعاون الذي ينفي اي صلة للاشتراكيين عن الحادثة. لكن ماذا لو غاب هو عن الساحة؟ وماذا لو تعرض احدهم لنجله تيمور؟ كيف يمكن ضبط الاوضاع ووقف الانزلاق الى الهاوية؟

 اسئلة يضعها جنبلاط في حسبانه، وتشكل هاجسا يوميا لديه قبل خلوده الى النوم، ولذلك يحسب خطواته بـ«ميزان الذهب»، فهو لا يريد ان يذهب برجليه الى «المصيدة»، ولا يريد ان يكون «مطلوبا لكل الجهات»، ينظر الى الماضي البعيد، فلا تغيب عن ناظريه جثة والده المقتول في لحظة تاريخية شديدة التعقيد لم تسعفه يومها حتى في طلب الثأر من «القتلة»، يتطلع الى الماضي القريب، فيرى جثة الرئيس رفيق الحريري على قارعة الطريق، وقد تمزقت مع بداية «لعبة أمم» لم تتوقف برهة عند هالة وحجم تلك الشخصية، واختارتها جسرا للعبور نحو «قلب الطاولة» في المنطقة. وقبل ان يغمض عينه يمر شريط تفجير الاشرفية بسرعة ويرى جثة اللواء الحسن المتناثرة في «الهواء» وقد تبخرت نتائج التحقيقات وقيد الملف ضد مجهول.

هذه الصور تمنع «البيك» من النوم العميق على حد قول المقربين، وهو يدرك بخبرته السياسية ان الكثير من الضحايا يسقطون في زمن التحولات الكبرى، لذلك ذهب قبل مدة يبحث عن «مظلة» سعودية تحميه بعد خروجه الارادي من «المظلة» السورية، وكان يراهن على «العقلانية» السعودية المعتادة، المشهود لها بالحكمة والهدوء والابتعاد عن الاستراتيجيات «المتهورة»، لكن ما فات «البيك» هذه المرة ان المملكة قد «غيّرت جلدها»، ومع استلام رئيس الاستخبارات بندر بن سلطان «دفة القيادة»، اصبحت الرياض اكثر تطلبا من حلفائها، ولم تعد تكفيها الاقوال، «وصدر» قيادتها لم يعد رحبا كما في الماضي، فاضطر جنبلاط الى اقصاء رفيق دربه الوزير غازي العريضي عن مهمته في «امانة سر»العلاقة مع المملكة لمجرد ملاحظات على ادائه من قبل بعض المتنفذين هناك، وفي فترة لاحقة «باعهم» عملية اسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لكن من «كيس» رئيس الحكومة الذي اختار تحمل الوزر عن «زعيم المختارة» الذي ظل لاعبا حاسما في الكواليس. لكن ماذا سيفعل جنبلاط مع اقتراب «ساعة الحقيقة»؟

 سؤال يرغب «البيك» في تأجيل الاجابة عنه، فهو يرى امام ناظريه ان طرفي النزاع يخوضان حربا دون هوادة بعد سقوط «الخطوط الحمراء» الواحد تلو الاخر. فالرياض فتحت جبهة جديدة في مصر، وهنا لا مشكلة لديه ومواقفه المنتقدة «للأخوان المسلمين» كافية لارضاء الامراء هناك. وفي الملف السوري لا مشكلة لديه ايضا بعد ان تسلمت المملكة زمام القيادة ودخلت في صراع دون اي «محظورات» مع النظام وحلفائه، فمواقفه المتقدمة وصلت الى حدها الاقصى عندما «حلل» دماء الدروز المؤيدين للنظام، وهو يشعر بالارتياح لرضى السعودية و«لتفهم» حزب الله مواقفه السورية. لكن انتقال «المواجهة» الى الساحة اللبنانية زادت من تدفق «الادرنالين» في عروق جنبلاط الواقف على مفترق طرق تؤدي جميعها الى الهاوية.

فاستفزاز حزب الله وحشره في الزاوية بعد تفجير الرويس يعني اعلانا صريح لطلاق «بيني» مع الحزب لا رجعة فيه هذه المرة، ورفض الرغبات السعودية يعني العودة الى زمن الانكشاف الامني والسياسي، في ظل غياب «المظلة» الاميركية التي لم تعد تظلل اي من الحلفاء، سعد الحريري ليس رفيق، وهو لا «يمون» في المملكة بل يتلقى الاوامر، بندر يشعر بالحنق الشديد بسبب فشل زيارته الى موسكو، بعد ان نصحه جنبلاط بضرورة زيارتها لاحداث اختراق ما على الجبهة السورية، «البيك» يأمن جانب حزب الله ويعرف ان وجوده مصلحة «صافية» للحزب باعتباره ضمانة تمنع انزلاق البلاد الى فوضى تربك المقاومة وتغرقها في «وحول» الفتنة، لكن ما هي الضمانات على الضفة الاخرى ؟ لا شيء. فاللاعبون كثر، واذا ما كان هناك قرار بتدمير لبنان فان «البيك» واحد من اهم جسور العبور الى تحقيق هذا الهدف. اذا ما العمل؟ لا شيء غير الدعاء الى الله كي يهدي القيادة السعودية سبيلا اخر غير المختارة لاستكمال صراعها مع حزب الله، والا فان احدا لن يتمنى ان يكون في موقع جنبلاط الذي يبذل مجهودا مضاعفا كي لا تفهم مواقفه «غلط» عند طرفي النزاع.
2013-08-21