ارشيف من :أخبار لبنانية
الضاحية لمن دغدغه تفجير الرويس: طابخ السُمّ آكله
شادي جواد - صحيفة البناء
لعلّ التشخيص الواقعي والحقيقي للوضع اللبناني الراهن أنه كمريض دخل إلى العناية المركزة وهو يعاني من مرض خبيث بدأ ينتشر في أنحاء جسده مهدداً حياته بالخطر بشكل بات يتطلب إخصائيين يعملون على القضاء على هذا الداء أو أقله الحد من انتشاره.
إن الظاهرة التكفيرية التي برزت في الآونة الأخيرة في أكثر من منطقة لبنانية ذات الطابع السياسي والمذهبي المحدد مستفيدة من الانقسام السياسي والاحتقان الطائفي باتت تشكل خطراً قوياً على لبنان خصوصاً وأنها تنطلق في عملها التخريبي من منطلقات عقائدية ومذهبية ما أنزل الله بها من سلطان وقد أظهرت سلوكيات هذه الجماعات من حيث الفن في الإجرام بأن الواجب يقضي بضرورة شن حرب لا هوادة على أوكارها بغية محاصرتها وضربها والحؤول دون تمددها لما لذلك من خطورة على النسيج اللبناني الذي باتت صيغته المميزة القائمة على العيش المشترك مهددة إلى أبعد الحدود.
لا شك أن التفجيرين اللذين ضربا الضاحية في أقل من أربعين يوماً أشارا بشكل واضح على أنهما أكثر من رسالة يريد أصحابها توجيهها إلى حزب الله بل إنهما بداية لحرب حقيقية تشن على الحزب وبيئته الحاضنة تحت حجج مختلفة البارز من بينها المشاركة في الحرب في سورية.
ولنسلم جدلاً أن بعض القوى السياسية لا سيما «تيار المستقبل» والدائرين في فلكه هم ليسوا على صلة مباشرة مع هذه الجماعات التي تعمل في مدار خاص غير أن هذا «التيار» ومن معه ومن خلال خطابهم التحريضي واستخدامهم مختلف المفردات المذهبية قد شكل مظلة واقعية لهذه الجماعات التكفيرية جعلتها تتحرك باطمئنان بعيدة عن أعين الرصد والمتابعة خصوصاً وأن معظم الرؤوس المحركة للعناصر التكفيرية هم إما رجال دين أو مطلوبين للعدالة أو مقربين من قيادات سياسية بغض النظر عن علمها بهم أم لا غير أنها تستفيد إلى أبعد الحدود من الغطاء السياسي لهذه القيادات معززاً بطلب خارجي لتسهيل عملهم وتقديم الدعم اللازم ضرورة ذلك.
إن أي مستمع لخطاب الرئيس سعد الحريري ولكيفية تعامل قوى «14 آذار» مع جريمة تفجير الرويس حيث لم يكلف أحد من هؤلاء خاطره بتفقد مكان الجريمة على جري العادة لحوادث سابقة ـ بحجة الخوف من تعرضهم لمواقف حرجة من قبل المواطنين ـ يبادر فوراً إلى توجيه تهمة تغطية القتلة لهؤلاء الذين يرون في مثل هذه الأعمال قوة دفع لهم في معركتهم السياسية مع حزب الله الذين يودون الانتقام منه بشتى الصعد باعتباره حجر العثرة الذي يحول دون عودتهم إلى الاستئثار بالحكم على غرار السنوات التي خلت وليس على خلفية مشاركته في الحرب الدائرة في سورية لأن هذه الجماعات بدأت بالظهور قبل سنوات من اندلاع الأزمة في سورية وهي قامت بأكثر من عملية تفجير في أكثر من منطقة واستهدفت الجيش اللبناني في أكثر من مكان حيث كانت المواجهة الكبرى في مخيم نهر البارد مع «فتح الإسلام» التي هي فصيل أساسي من هذه الجماعات التكفيرية.
إنه لمن المعيب أن يستخدم سعد الحريري بدعم سعودي واضح التفجيرات التي تستهدف الأبرياء مطية يحاول من خلال لعب ورقتها تعزيز موقعه السياسي ومحاولته فرض شروط محددة لتشكيل الحكومة وإعادة الروح إلى العمل التشريعي المعطل بفعل نهجه السياسي القائم على قاعدة «عليّ وعلى أعدائي يا رب» بمعنى أن تعطيل العمل المجلسي مقابل عدم تأليف حكومة على ذوقه وبما يخدم مصالحه ومشروع الجبهة الداعمة له وقد سها عن باله وبال محركيه أن مثل هذه الأعمال لن تغيّر أنملة من مواقف حزب الله السياسية ونهجه المقاوم وأن سلبيات مثل هذه الأعمال سرعان ما سترتد عليه على قاعدة «طابخ السم آكله» حيث لا حكومة ولا من يحزنون ما لم يكن الحزب مكوّن أساسي من مكوناتها وهذه المعادلة تبلغها بشكل واضح بندر بن سلطان من موفدي النائب وليد جنبلاط اللذين زارا السعودية نهاية الأسبوع الفائت وهما حتماً لمسا أن الملف الحكومي لم يعد أولوية لدى المملكة التي تتجه أنظارها إلى مصر كما إلى الهزائم المتلاحقة للعصابات المسلحة في سورية إن في ريف دمشق أو في ريف اللاذقية.
وانطلاقاً من هذه المشهدية فإن الساحة السياسية الداخلية ستعيش في هذه المرحلة نوعاً من الجمود وغياب أي حراك فعلي باتجاه تأليف الحكومة حيث أن المناخات المطلوبة لتحريك عجلة الاتصالات بهذا الشأن تكاد تكون معدومة. وأما جسور التواصل شبه مقطوعة وهو ما يعني أن فريق «14 آذار» وفي مقدمه «تيار المستقبل» سيبقى أسير الانتظار القاتل إلى أمد أفقه مفتوح المدى.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018