ارشيف من :أخبار لبنانية
أردوغان يخوض «معركته الأخيرة» في دمشق
طارق ترشيشي-"الجمهورية"
عاد موضوع الأسلحة الكيماوية ليتصدّر المشهد السوري بعد اتّهام معارضة الخارج النظام باستخدامها في الغوطة الشرقية لدمشق، وهو اتّهام سارع الجيش السوري، وكذلك وزارتا الخارجية والإعلام، إلى نفيه، فيما شكّكت موسكو في صحّة هذا الاتّهام وحذّرت من استخدامه ذريعة لشنّ حرب خارجية على سوريا.
ويرى قادمون من دمشق أنّ لتوجيه هذا الاتهام أهدافاً عدة، أوّلها التغطية على خسائر كبرى مُنيت بها المعارضة المسلحة في ريف دمشق إثر عملية عسكرية كبرى بدأتها قوّات النظام في اليومين الماضيين، وهي عملية استباقية لتجمّعات مسلّحة كانت تسعى مجدّداً لنقل المعركة إلى العاصمة السورية.
الخصام والوئام
ويضيف هؤلاء، "أنّ من غير المعقول لدمشق أن تقدم على استخدام سلاح كيماوي، فيما هي تستقبل بعثة أممية خاصة للتحقيق في استخدام القوّات السورية مثل هذه الأسلحة". ورأوا "أنّ اللجوء إلى مثل هذه الاتهامات مردّه إلى تفكّك متزايد في تنظيمات المعارضة المسلحة، وكذلك الى تبدّل في التحالفات الإقليمية التي تشهد هذه الايام توتّرات على خلفية الأحداث المصريّة، حيث حلّ الخصام مكان الوئام".
مأزق أردوغان وخساراته
وفي رأي القادمين من دمشق إيّاهم "أنّ الأبرز في كلّ هذه التطورات التي تستدعي مثل هذا التصعيد الإعلامي ضد دمشق يكمن في المأزق المتفاقم الذي تجد تركيا نفسها موجودة في قلبه، فرئيس وزرائها رجب طيب اردوغان وجد نفسه فجأة معزولاً عن كلّ دول المنطقة، القريبة منها والبعيدة. فقد خسر صداقته المتينة مع دمشق، فيما اهتزّت علاقاته ببغداد، وبدأت علاقته بطهران وموسكو تمرّ في مراحل صعبة، خصوصاً في ظلّ تورّطه في الأزمة السورية.
وإلى لائحة خصوم أنقرة انضمّت مصر التي كانت تركيا تعوّل كثيراً على حكمها السابق (الإخوان المسلمين) وتسعى الى أن تُشكّل معه ومع دول عربية أُخرى محوراً لمواجهة محور طهران ـ بغداد ـ دمشق. كذلك خسرت أنقرة، بسبب موقفها المصري، دولاً ذات وزن سياسي واقتصادي وتجاري واستثماري مهم بالنسبة اليها، وفي طليعتها المملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي، ما عدا قطر، والذي تمثل بإعلان دولة الامارات العربية المتحدة عن تجميد استثماراتها في تركيا والتي تبلغ 12 مليار دولار، وباتت استراتيجية "صفر مشكلات" التي انتهجتها مجالاً للتندّر في المنابر التركية والاقليمية والدولية.
ولم يجد صاحب هذه الاستراتيجية وزير الخارجية الدكتور أحمد داود اوغلو امامه سوى الامين العام لمنظمة التعاون الاسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو ليصبّ عليه جام غضبه متّهماً إيّاه بالتقصير في تحريك هذه المنظمة الإسلامية في وجه الحكم المصري الجديد.
وقد جاء ردّ إحسان اوغلو بارداً على الهجمات التي شنّتها عليه أوساط حزب "العدالة والتنمية" التركي الحاكم. ولكن الصحافة التركية لم تكن باردة في الردّ على داود اوغلو، إذ ذكّرته بأنّه كان في إمكانه، كوزير خارجية، ان يدعو المنظمة الاسلامية الى اجتماع طارئ، على رغم إدراكه انّ هذا الاجتماع يحتاج الى موافقة غالبية الدول الأعضاء، وهو أمر غير متوافر في ظلّ موقف عربيّ شبه إجماعي تقوده الرياض لدعم القيادة المصرية الجديدة.
قتامة المشهد
ويقول خبراء في الأوضاع التركية أنّ مأزق انقرة لو اقتصر على العلاقات الخارجية لتركيا لهان الأمر، ولكن تداعياته بدأت تتسلل الى الداخل التركي نفسه.
فأكراد سوريا في شمال شرق البلاد يخوضون حرباً شرسة ضد مسلّحين متطرّفين تدعمهم حكومة اردوغان، وهي حرب أدت الى نزوح عشرات الألوف منهم الى شمال العراق، ما اضطر رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، وهو المعروف بعلاقته الوثيقة بتركيا، الى إعلان تضامنه مع الأكراد السوريين ورفضه اي مساس بهم.
وما زاد من قتامة هذا المشهد إعلان أردوغان نفسه قبل أيام أنه غير متفائل بإنجاز إتفاق سلام مع حزب العمال الكردستاني متهماً إيّاه بعدم تنفيذ المرحلة الاولى من الاتفاق والقاضية بسحب مسلّحيه من الأراضي التركية. فالأكراد المنسحبون، حسب اردوغان، كانوا أطفالاً ونساء وشيوخاً، ولم يكن بينهم مقاتلون.
وقد تلا هذا الموقف الاردوغاني تصعيد عسكري ضد بلدة رأس العين السورية الواقعة تحت سيطرة لجان الحماية الكردية، والتي تعرّضت في اليومين الماضيين لقصف كان مصدره الاراضي التركية، كذلك دخلت مجموعات كبيرة من المقاتلين الى سوريا عبر الحدود التركية في محاولة للسيطرة على تلك البلدة الاستراتيجية والتي كان الإعلام المعادي للنظام السوري ينقل وقائع تظاهرات أبنائها المعارضين في بداية الأزمة السورية، ويعتبر أن هذه التظاهرات فيها وفي بلدة الدرباسية من اكثر التظاهرات حشداً، ولا تضطر معها الكاميرات، حسب قول انصار دمشق، إلى التحايل لتضخيم التظاهرات هنا أو هناك.
ويدرك اردوغان قبل غيره انّ الأكراد الذين امتنعوا عن المشاركة في تظاهرات ساحة "تقسيم" في اسطنبول التزاماً منهم بالحوار مع حكومة انقرة، قد يتحولون، الى جانب العلمانيين والعلويين وضباط الجيش الناقمين واحزاب المعارضة المعروفة، كتلة واسعة قد تؤدي الى اطاحته على غرار ما حصل في عواصم عربية عدة.
معركة أردوغان الأخيرة
ولذلك يعتقد الخبراء في الشأن التركي ان اردوغان يحاول خوض معركته الاخيرة في دمشق بهدف تحويل الأنظار عن مأزقه، وكذلك بهدف تحريك القوى والدول المعارضة للنظام السوري في اتجاه التكاتف مجدداً لمواجهة "الخطر الكيماوي القادم من دمشق".
وهنا، يقول القادمون من دمشق، انّ القيادة السورية "تدرك جيداً انّ من اهداف اتهامها باستخدام الأسلحة الكيماوية هو تكرار السيناريو العراقي في سوريا، أي استخدام هذه الاتهامات لتبرير تدخل عسكري اطلسي يحاكي ذلك الذي عرفه العراق عام 2003.
لكن اصحاب هذا المخطط لا يدركون أنّ العالم في سنة 2013 الجارية هو غيره في عام 2003، وانّ السنوات العشر التي انقضت على العالم قد شهدت تغيّراً كبيراً في موازين القوى الدولية والاقليمية، وأنه إذا كان بين السياسيين الاميركيين مَن يسعى الى استدراج بلاده الى حرب جديدة فإنه سيواجه مقاومة عنيفة لدى اركان "البنتاغون"، إذ إنّ جنرالات هذه الأيام في واشنطن وغيرها يبدون أكثر حكمة من السياسيين لأنهم الأكثر معرفة بما يدور على الأرض، والأكثر تحسّساً بالتكاليف البشرية والمادية الباهظة التي يمكن ان تتكبّدها بلادهم بسبب "مغامرات غير محسوبة" لسياسيين لا يهتمون إلاّ بكسب الأصوات ومخاصمة الحزب المنافس".
على انّ هذا المشهد العام يشجّع التحليلات التي ترى انّ بصيصاً من النور يلوح في نهاية النفق المظلم، وانّ واشنطن التي تدرك انّ زمن الاحادية القطبية وتحقيق المكاسب الكبرى قد انتهى، وانّ همّها بات محصوراً بتخفيف الخسائر.
فهل يعاود اجتماع نائبي وزيري الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، والأميركي وليم بيرنز في لاهاي الاسبوع المقبل ربط خيوط التسوية مجدداً، ويعيد الاعتبار الى مؤتمر "جنيف ـ 2" الذي بدا انه اصبح حطاماً بسبب انتصار مصالح قوى الحرب على أماني أهل السلام؟
عاد موضوع الأسلحة الكيماوية ليتصدّر المشهد السوري بعد اتّهام معارضة الخارج النظام باستخدامها في الغوطة الشرقية لدمشق، وهو اتّهام سارع الجيش السوري، وكذلك وزارتا الخارجية والإعلام، إلى نفيه، فيما شكّكت موسكو في صحّة هذا الاتّهام وحذّرت من استخدامه ذريعة لشنّ حرب خارجية على سوريا.
ويرى قادمون من دمشق أنّ لتوجيه هذا الاتهام أهدافاً عدة، أوّلها التغطية على خسائر كبرى مُنيت بها المعارضة المسلحة في ريف دمشق إثر عملية عسكرية كبرى بدأتها قوّات النظام في اليومين الماضيين، وهي عملية استباقية لتجمّعات مسلّحة كانت تسعى مجدّداً لنقل المعركة إلى العاصمة السورية.
الخصام والوئام
ويضيف هؤلاء، "أنّ من غير المعقول لدمشق أن تقدم على استخدام سلاح كيماوي، فيما هي تستقبل بعثة أممية خاصة للتحقيق في استخدام القوّات السورية مثل هذه الأسلحة". ورأوا "أنّ اللجوء إلى مثل هذه الاتهامات مردّه إلى تفكّك متزايد في تنظيمات المعارضة المسلحة، وكذلك الى تبدّل في التحالفات الإقليمية التي تشهد هذه الايام توتّرات على خلفية الأحداث المصريّة، حيث حلّ الخصام مكان الوئام".
مأزق أردوغان وخساراته
وفي رأي القادمين من دمشق إيّاهم "أنّ الأبرز في كلّ هذه التطورات التي تستدعي مثل هذا التصعيد الإعلامي ضد دمشق يكمن في المأزق المتفاقم الذي تجد تركيا نفسها موجودة في قلبه، فرئيس وزرائها رجب طيب اردوغان وجد نفسه فجأة معزولاً عن كلّ دول المنطقة، القريبة منها والبعيدة. فقد خسر صداقته المتينة مع دمشق، فيما اهتزّت علاقاته ببغداد، وبدأت علاقته بطهران وموسكو تمرّ في مراحل صعبة، خصوصاً في ظلّ تورّطه في الأزمة السورية.
وإلى لائحة خصوم أنقرة انضمّت مصر التي كانت تركيا تعوّل كثيراً على حكمها السابق (الإخوان المسلمين) وتسعى الى أن تُشكّل معه ومع دول عربية أُخرى محوراً لمواجهة محور طهران ـ بغداد ـ دمشق. كذلك خسرت أنقرة، بسبب موقفها المصري، دولاً ذات وزن سياسي واقتصادي وتجاري واستثماري مهم بالنسبة اليها، وفي طليعتها المملكة العربية السعودية ومعها دول مجلس التعاون الخليجي، ما عدا قطر، والذي تمثل بإعلان دولة الامارات العربية المتحدة عن تجميد استثماراتها في تركيا والتي تبلغ 12 مليار دولار، وباتت استراتيجية "صفر مشكلات" التي انتهجتها مجالاً للتندّر في المنابر التركية والاقليمية والدولية.
ولم يجد صاحب هذه الاستراتيجية وزير الخارجية الدكتور أحمد داود اوغلو امامه سوى الامين العام لمنظمة التعاون الاسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو ليصبّ عليه جام غضبه متّهماً إيّاه بالتقصير في تحريك هذه المنظمة الإسلامية في وجه الحكم المصري الجديد.
وقد جاء ردّ إحسان اوغلو بارداً على الهجمات التي شنّتها عليه أوساط حزب "العدالة والتنمية" التركي الحاكم. ولكن الصحافة التركية لم تكن باردة في الردّ على داود اوغلو، إذ ذكّرته بأنّه كان في إمكانه، كوزير خارجية، ان يدعو المنظمة الاسلامية الى اجتماع طارئ، على رغم إدراكه انّ هذا الاجتماع يحتاج الى موافقة غالبية الدول الأعضاء، وهو أمر غير متوافر في ظلّ موقف عربيّ شبه إجماعي تقوده الرياض لدعم القيادة المصرية الجديدة.
قتامة المشهد
ويقول خبراء في الأوضاع التركية أنّ مأزق انقرة لو اقتصر على العلاقات الخارجية لتركيا لهان الأمر، ولكن تداعياته بدأت تتسلل الى الداخل التركي نفسه.
فأكراد سوريا في شمال شرق البلاد يخوضون حرباً شرسة ضد مسلّحين متطرّفين تدعمهم حكومة اردوغان، وهي حرب أدت الى نزوح عشرات الألوف منهم الى شمال العراق، ما اضطر رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، وهو المعروف بعلاقته الوثيقة بتركيا، الى إعلان تضامنه مع الأكراد السوريين ورفضه اي مساس بهم.
وما زاد من قتامة هذا المشهد إعلان أردوغان نفسه قبل أيام أنه غير متفائل بإنجاز إتفاق سلام مع حزب العمال الكردستاني متهماً إيّاه بعدم تنفيذ المرحلة الاولى من الاتفاق والقاضية بسحب مسلّحيه من الأراضي التركية. فالأكراد المنسحبون، حسب اردوغان، كانوا أطفالاً ونساء وشيوخاً، ولم يكن بينهم مقاتلون.
وقد تلا هذا الموقف الاردوغاني تصعيد عسكري ضد بلدة رأس العين السورية الواقعة تحت سيطرة لجان الحماية الكردية، والتي تعرّضت في اليومين الماضيين لقصف كان مصدره الاراضي التركية، كذلك دخلت مجموعات كبيرة من المقاتلين الى سوريا عبر الحدود التركية في محاولة للسيطرة على تلك البلدة الاستراتيجية والتي كان الإعلام المعادي للنظام السوري ينقل وقائع تظاهرات أبنائها المعارضين في بداية الأزمة السورية، ويعتبر أن هذه التظاهرات فيها وفي بلدة الدرباسية من اكثر التظاهرات حشداً، ولا تضطر معها الكاميرات، حسب قول انصار دمشق، إلى التحايل لتضخيم التظاهرات هنا أو هناك.
ويدرك اردوغان قبل غيره انّ الأكراد الذين امتنعوا عن المشاركة في تظاهرات ساحة "تقسيم" في اسطنبول التزاماً منهم بالحوار مع حكومة انقرة، قد يتحولون، الى جانب العلمانيين والعلويين وضباط الجيش الناقمين واحزاب المعارضة المعروفة، كتلة واسعة قد تؤدي الى اطاحته على غرار ما حصل في عواصم عربية عدة.
معركة أردوغان الأخيرة
ولذلك يعتقد الخبراء في الشأن التركي ان اردوغان يحاول خوض معركته الاخيرة في دمشق بهدف تحويل الأنظار عن مأزقه، وكذلك بهدف تحريك القوى والدول المعارضة للنظام السوري في اتجاه التكاتف مجدداً لمواجهة "الخطر الكيماوي القادم من دمشق".
وهنا، يقول القادمون من دمشق، انّ القيادة السورية "تدرك جيداً انّ من اهداف اتهامها باستخدام الأسلحة الكيماوية هو تكرار السيناريو العراقي في سوريا، أي استخدام هذه الاتهامات لتبرير تدخل عسكري اطلسي يحاكي ذلك الذي عرفه العراق عام 2003.
لكن اصحاب هذا المخطط لا يدركون أنّ العالم في سنة 2013 الجارية هو غيره في عام 2003، وانّ السنوات العشر التي انقضت على العالم قد شهدت تغيّراً كبيراً في موازين القوى الدولية والاقليمية، وأنه إذا كان بين السياسيين الاميركيين مَن يسعى الى استدراج بلاده الى حرب جديدة فإنه سيواجه مقاومة عنيفة لدى اركان "البنتاغون"، إذ إنّ جنرالات هذه الأيام في واشنطن وغيرها يبدون أكثر حكمة من السياسيين لأنهم الأكثر معرفة بما يدور على الأرض، والأكثر تحسّساً بالتكاليف البشرية والمادية الباهظة التي يمكن ان تتكبّدها بلادهم بسبب "مغامرات غير محسوبة" لسياسيين لا يهتمون إلاّ بكسب الأصوات ومخاصمة الحزب المنافس".
على انّ هذا المشهد العام يشجّع التحليلات التي ترى انّ بصيصاً من النور يلوح في نهاية النفق المظلم، وانّ واشنطن التي تدرك انّ زمن الاحادية القطبية وتحقيق المكاسب الكبرى قد انتهى، وانّ همّها بات محصوراً بتخفيف الخسائر.
فهل يعاود اجتماع نائبي وزيري الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف، والأميركي وليم بيرنز في لاهاي الاسبوع المقبل ربط خيوط التسوية مجدداً، ويعيد الاعتبار الى مؤتمر "جنيف ـ 2" الذي بدا انه اصبح حطاماً بسبب انتصار مصالح قوى الحرب على أماني أهل السلام؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018