ارشيف من :أخبار لبنانية

صراع الوجود يخنق لبنان

 صراع الوجود يخنق لبنان
جوني منير-"الجمهورية"
 
"صحيح أنّ ولادة الحكومة لم تعد واردة اليوم او غداً، إلّا أنها ممكنة جداً بعد غد إذا سمحت الظروف الاقليمية بذلك"... بهذه العبارة لخَّص مسؤول لبناني معني بالملف الحكومي واقع الحال.

صحيح أنّ هذا المسؤول حرص على ضخّ بعض الأمل في رؤيته للأمور، لكنه لم يتردّد في إعطاء صورة متشائمة نابعة عن وضع اقليمي متأزم، وقد يكون "الامل" الذي اوحى به مرتبطاً بأبسط مهمات المسؤول: "إختراع الامل".

فالواضح انّ الاحداث التي عصفت بالساحة اللبنانية، والمرشحة للتصاعد اكثر، دفعت الاوضاع في اتجاهات متقدمة وجعلت العقد الحكومية تتجاوز ما كان مطروحاً لجهة الثلث المعطل والتركيبة الداخلية لتصل الى حدود حرب الوجود التي تُخاض انطلاقاً من سوريا. وقد كان ردّ الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله حول مواجهة التحدي بالتحدي واستعداده لمضاعفة قوة الحزب في سوريا واضحاً لهذه الناحية.

فمنذ جلوس قطر جانباً وانسحابها من دورها الإقليمي، ضاعفت المملكة العربية السعودية من نشاطها وحركتها حيث تولى رئيس الإستخبارات الامير بندر بن سلطان قيادة مشروع هجومي متعدد الرؤوس. في العراق إزدادت التفجيرات بجنون وارتفعت الضغوط على رئيس الحكومة العراقية المتحالف مع ايران، مع الاشارة الى انّ السعودية تلوم الادارة الاميركية كثيراً بسبب إسقاط بغداد في يد النفوذ الإيراني.

وفي سوريا سعي إلى استرجاع زمام المبادرة لصالح المعارضة على رغم الخيارات المحدودة. فلا تزويد المعارضين بالسلاح النوعي يُعتبر خياراً مقبولاً لدى عواصم الغرب المرتعبة من تعاظم قوة التيارات المتطرفة التي تضم عناصر من جنسيات اوروبية، ولا خيار التدخل العسكري وارد أميركياً تحت ايّ ظرف كان، ولا حتى خيار الخط الجوي.

لذلك ربما ذهب بندر بن سلطان الى موسكو في محاولة لتقديم اغراءات كبيرة. لكنّ حسابات القيادة الروسية مختلفة ومصالحها اكبر ويتردد أنها تشارك ايران والنظام السوري التحضير لمعركة حلب فور الانتهاء من معارك ريف دمشق ودرعا.

ولذلك إنتقل الصراع بدرجة اكبر واخطر الى الساحة اللبنانية مع إطلاق الصواريخ "الجوالة" وإدخال السيارات المفخخة الى صلب المعركة، والهدف حشر "حزب الله" والتضييق عليه لدفعه الى الانسحاب من معركة حلب.

وهناك من يهمس بأنّ تفجير الرويس ادّى غايته، حيث يشير هؤلاء الى تراجع معنويات الناس إضافة الى تذمر الاسواق التجارية ما يعني انّ الذين أرسلوا السيارتين المفخختين الى الضاحية الجنوبية يسعون لارسال المزيد.

وفي مصر لعبت السعودية "صولد" ضدّ الإخوان المسلمين الذين يقفون عند ابواب القصر الملكي في الاردن الجار الشمالي للمملكة، ما يعني تهديدا مباشراً لاستقرار السعودية.

والواضح انّ كل ذلك لن يعني اقتراب عقد قمة سعودية - ايرانية كما كان قد تردد إثر فوز الشيخ حسن روحاني. يومها تردد انّ التواصل الاستخباراتي السعودي - الايراني سيتولى تعزيز الثقة بين البلدين من خلال "تعاون" محدود بينهما، تُتوّجه لاحقاً زيارةً للرئيس الايراني الى السعودية حدد موعدها المبدئي اواخر شهر تشرين الاول المقبل، مع ذهاب روحاني لأداء مناسك العمرة. لكنّ الظروف تبدلت على رغم استمرار قطر التواصل الإستخباراتي بين البلدين.

فعلى قاعدة عدو عدوي صديقي، يجري العمل على إعادة فتح قنوات التواصل بين إيران و"الإخوان المسلمين"، وبطبيعة الحال مع حركة "حماس" القلقة والخائفة مما يدور حولها، إن في مصر او على مستوى المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية.

ومع توحّد الإسلاميين في وجه الجيش وإظهارهم العزم على المواجهة، بدا للغرب انّ الخطة التي وضعتها السعودية لمصر لم تكن ناجحة لا بل قد تكون نقلت مصر الى الساحات المضطربة.

والأخطر ما تشهده سيناء، حيث تعتقد واشنطن انّ ايّ طموح بإمكان السيطرة على المنطقة انما هو طموح غير واقعي. صحيح انّ الجيش المصري كان قد نقل قيادة استخباراته الى سيناء وبعض قياداته العسكرية خلال حكم الرئيس محمد مرسي، الّا انّ ذلك لا يعني ابداً السيطرة الكاملة على سيناء حيث قبائل البدو منتشرة ومتغلغلة في مناطق صعبة، وهذه القبائل التي تعتاش من التهريب كانت قد شكلت "ممرات آمنة" لإيران للتواصل العسكري مع "حماس"، وفي بعض الفترات مع الداخل المصري.

ولا شك انّ طهران ساهمت في إعادة تنشيط قنواتها لاستعادة "حماس" والتشويش على إسرائيل والجيش المصري، لكنّ الاهم انّ سيناء التي تتشارك حدوداً طويلة وصعبة مع السعودية تشكل إحدى نقاط الضغف او الخاصرة الرخوة.

ولم يقف رد طهران هنا، بل عادت الحدود السعودية- اليمنية وتحركت بقوة، وبرزت داخل اليمن ازمات كبيرة واختراقات واسعة لإيران على مستوى القبائل الجنوبية.

وفي الخلاصة، ساحات مشتعلة في حرب عضّ الاصابع بين طهران والرياض، ولبنان هو احدى هذه الساحات، حروب لا تعرف الرحمة ولا الأخلاق. فمنذ مدة قصيرة قيل إنّ مئات من عناصر القاعدة "نجحت" في الفرار من سجونها في افغانستان والعراق. والواضح انّ هذه العناصر هربت لاستخدامها وقوداً في الحرب الدائرة، تماماً كما حصل في لبنان مع "الهروب" المنظَم لبضع عشرات من هؤلاء في بداية الحرب في سوريا.

وهو ما يعني انّ سلاح الارهاب سيكون حاضراً بقوة ليس فقط على الساحة السورية انما ايضاً على الساحات الأخرى بما فيها الساحة اللبنانية.
من أجل كل ذلك جاءت زيارة الوفد الجنبلاطي للأمير بندر بن سلطان من دون نتيجة، الّا الاستمرار في "علك الوقت".

فجنبلاط الذي اخذ قراره الإستراتيجي بالانضمام الى السعودية نهائياً يتمنى تأجيل المعركة الحكومية الآن في انتظار إسقاط الرئيس السوري (وهو مقتنع بذلك)، عندها تصبح المعركة مع "حزب الله" في لبنان أسهل بكثير.

والأمير بندر يركّز على المعركة في سوريا واستعادة التوازن في حلب والتخطيط لضربة في دمشق على أن يترافق ذلك مع ضغط أمني على الحزب في لبنان ما قد يجبره على الإنسحاب من سوريا.

أما "حزب الله" فيضع كلّ ثقله في التحضير لمعركة حلب "الحاسمة"، على أن يعود لقطف ثمار ذلك على الساحة اللبنانية، والحكومة في انتظار كل ذلك. أما رئيس الجمهورية فيعمل لإنجاز ولادة حكومية تضمّ الحزب من خلال معادلة سحرية، وذلك مطلع ايلول المقبل.
 
2013-08-22