ارشيف من :أخبار لبنانية
الكيماوي مجدّداً: قراصنة وأباطرة
غسان جواد-"الجمهورية"
أوّلها نشر قبل الحرب: "حرب الخليج سوف لن تقع"، وثانيها أثناء الحرب: "هل حرب الخليج تجري الآن فعلاً؟"، وثالثها بعد الحرب: "حرب الخليج لم تقع!" وتتركّز تلك المقالات على نقد أسلوب العرض الإعلامي "الإفتراضي" للحرب وتسويقها، كذلك تسوّق الحروب الخيالية الأميركية، حيث ينتصر فيها الطيّب على الشرير، فيما الحقيقة المعروضة للحرب ليست حقيقة وأنّما هي صورة مزوّقة ومزيّفة صنعتها الإدارة الأميركية، حسب تعبير بودريارد.
على هذا الجانب "الثوري" الذي يصادم إرهاب الدول العظمى، بنى بودريارد معظم نقده للصورة التي كانت تصل من هذه الحرب. الحرب التي حُسمت قبل أن تبدأ، والصورة النمطية عن الجندي الاميركي الخارق، والآخر العربي الشرير والجبان. ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، وفي ظلّ "الحرب الإعلامية" التي تُخاض ضد سوريا والمقاومة، تبدو استعادة فكر بودريارد التشكيكي بكلّ منظومة الإعلام العالمي والغربي والعربي حاجة مُلحّة الآن.
وما جرى في العراق منذ ذلك الحين حتى احتلال القوات الاميركية بغداد، خير برهان على أنّ الصورة جزء وافر من "المؤامرة" على المنطقة.
قبل مناقشة الجريمة التي حدثت في "الغوطة الشرقية" أمس والمزاعم عن استخدام الجيش السوري السلاح الكيماوي وغاز الأعصاب.
وقبل الغوص، على الطريقة اللبنانية، في "العواطف المرتجلة" غبّ الطلب من شعب سبّاق إلى العنف منذ نهايات القرن الماضي على مستوى المنطقة، لا بدّ من تذكُّر السياق العراقي كاملاً، والذي يبدو أنّ استنساخه قد آن أوانه في دمشق. بعد الاحتلال، وبعد كلّ مزاعم امتلاك العراق سلاحاً نوويّاً، وتقارير "المفتشين الدوليّين"، ظهرت الحقائق أيضاً في إعلام الغرب لتؤكّد أنّ كلّ ما سُوِّق لتبرير احتلال العراق كان عبارة عن كذب وخداع وتضليل.
قبل القفز إلى نقاش البديهيات. وطرح أسئلة حقيقية عن مصلحة النظام السوري في ارتكاب "مجزرة كيماوية" بعد يوم واحد من وصول بعثة التحقيق الدولية إلى سوريا! لا بدّ من العودة إلى سياق الأحداث السياسية والعسكرية، والتي تُظهر تقدّماً للجيش السوري في ريف دمشق وحمص واللاذقية وغيرها. وفي حين كان الجيش يحقّق انتصارات ميدانية ويتقدّم ويستعيد المبادرة، كان الحلّ السياسي ومساعي إيجاد مخرج وتسوية تصطدم بتعقيدات دولية وإقليمية جعلتها تتراجع إلى المكان الأخير.
هنا يُطرح سؤال كبير: مَن الذي أراد إعادة تحريك العجلة السياسية وإعادة الملف السوري الى مجلس الأمن؟ وهل تكفي صورٌ بثّتها المعارضة السورية، وتبنّاها الإعلام العربي والعالمي كما العادة للمسارعة إلى اتّهام النظام؟ ثمّ لماذا لم تُسمع إدانات دولية وعربية للمجازر "الحقيقية" التي وقعت في ريف اللاذقية قبل أيام وراح ضحيتها المئات من المدنيين بعناوين مذهبية؟
القتل المُدان، من أيّ طرف أتى، أصبح جزءاً من العملية السياسية في سوريا. ويخضع لموازين القوى الإعلامية والسياسية أيضاً. ومجلس الأمن والمجتمع الدولي وكلّ العالم ليس أمامهم كثيرٌ ليفعلوه. القاتل إرتكب جريمته بمواكبة إعلامية ومسارعة دولية للاستثمار. وأكثر من هذا الاستثمار ما الذي يمكن أن يحدث؟؟
غالب الظن أنّ أمام محور الحرب على سوريا خيارات محدّدة. ليس من بينها إعلان الحرب على دمشق، أو إعلان منطقة حظر جوّي، أو إرسال جيوش لاحتلال البلد.
لم يتغيّر شيء في موازين القوى في المعركة السورية، لا قبل "المجزرة" ولا بعدها. جُلّ ما يمكن فعله "تعويم" مؤتمر جنيف وارتفاع مزيد من الأصوات المطالبة بإيجاد حلّ سياسي، أو الاندفاع نحو حرب إقليمية كبرى لا تبقي ولا تذر. وهنا أيضاً سؤال أخلاقيّ: هل يحتاج تحريك الموقف السياسي إلى هذا الكم الهائل من الضحايا؟ المعارضة السورية اعتادت على هذه التجارة الرائجة دوليّاً.
و"المجتمع الدولي" جاهز لمواكبة هذا الجنون بعقل أكثر من بارد، واللبنانيّون اختبروا هذه العروض، فكلّما كان مجلس الأمن يهمّ بالانعقاد، أو كلّما كانت تتراجع أوضاع "قوى السيادة والاستقلال"، يحصل اغتيال ويُتّهم الخصوم وينشغل العالم في الصراخ والعويل.
أسوأ ما في الصورة، مشاهد الأطفال الموتى كالنائمين، حيث توزَّع صورهم ممهورة بتوقيع الفاعل، ويجري إزهاق طفولتهم على مذبح المصالح و"لعبة الأمم"... في عالم الأباطرة والقراصنة، على حدّ ما كتب نعوم تشومسكي يوماً.
أوّلها نشر قبل الحرب: "حرب الخليج سوف لن تقع"، وثانيها أثناء الحرب: "هل حرب الخليج تجري الآن فعلاً؟"، وثالثها بعد الحرب: "حرب الخليج لم تقع!" وتتركّز تلك المقالات على نقد أسلوب العرض الإعلامي "الإفتراضي" للحرب وتسويقها، كذلك تسوّق الحروب الخيالية الأميركية، حيث ينتصر فيها الطيّب على الشرير، فيما الحقيقة المعروضة للحرب ليست حقيقة وأنّما هي صورة مزوّقة ومزيّفة صنعتها الإدارة الأميركية، حسب تعبير بودريارد.
على هذا الجانب "الثوري" الذي يصادم إرهاب الدول العظمى، بنى بودريارد معظم نقده للصورة التي كانت تصل من هذه الحرب. الحرب التي حُسمت قبل أن تبدأ، والصورة النمطية عن الجندي الاميركي الخارق، والآخر العربي الشرير والجبان. ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، وفي ظلّ "الحرب الإعلامية" التي تُخاض ضد سوريا والمقاومة، تبدو استعادة فكر بودريارد التشكيكي بكلّ منظومة الإعلام العالمي والغربي والعربي حاجة مُلحّة الآن.
وما جرى في العراق منذ ذلك الحين حتى احتلال القوات الاميركية بغداد، خير برهان على أنّ الصورة جزء وافر من "المؤامرة" على المنطقة.
قبل مناقشة الجريمة التي حدثت في "الغوطة الشرقية" أمس والمزاعم عن استخدام الجيش السوري السلاح الكيماوي وغاز الأعصاب.
وقبل الغوص، على الطريقة اللبنانية، في "العواطف المرتجلة" غبّ الطلب من شعب سبّاق إلى العنف منذ نهايات القرن الماضي على مستوى المنطقة، لا بدّ من تذكُّر السياق العراقي كاملاً، والذي يبدو أنّ استنساخه قد آن أوانه في دمشق. بعد الاحتلال، وبعد كلّ مزاعم امتلاك العراق سلاحاً نوويّاً، وتقارير "المفتشين الدوليّين"، ظهرت الحقائق أيضاً في إعلام الغرب لتؤكّد أنّ كلّ ما سُوِّق لتبرير احتلال العراق كان عبارة عن كذب وخداع وتضليل.
قبل القفز إلى نقاش البديهيات. وطرح أسئلة حقيقية عن مصلحة النظام السوري في ارتكاب "مجزرة كيماوية" بعد يوم واحد من وصول بعثة التحقيق الدولية إلى سوريا! لا بدّ من العودة إلى سياق الأحداث السياسية والعسكرية، والتي تُظهر تقدّماً للجيش السوري في ريف دمشق وحمص واللاذقية وغيرها. وفي حين كان الجيش يحقّق انتصارات ميدانية ويتقدّم ويستعيد المبادرة، كان الحلّ السياسي ومساعي إيجاد مخرج وتسوية تصطدم بتعقيدات دولية وإقليمية جعلتها تتراجع إلى المكان الأخير.
هنا يُطرح سؤال كبير: مَن الذي أراد إعادة تحريك العجلة السياسية وإعادة الملف السوري الى مجلس الأمن؟ وهل تكفي صورٌ بثّتها المعارضة السورية، وتبنّاها الإعلام العربي والعالمي كما العادة للمسارعة إلى اتّهام النظام؟ ثمّ لماذا لم تُسمع إدانات دولية وعربية للمجازر "الحقيقية" التي وقعت في ريف اللاذقية قبل أيام وراح ضحيتها المئات من المدنيين بعناوين مذهبية؟
القتل المُدان، من أيّ طرف أتى، أصبح جزءاً من العملية السياسية في سوريا. ويخضع لموازين القوى الإعلامية والسياسية أيضاً. ومجلس الأمن والمجتمع الدولي وكلّ العالم ليس أمامهم كثيرٌ ليفعلوه. القاتل إرتكب جريمته بمواكبة إعلامية ومسارعة دولية للاستثمار. وأكثر من هذا الاستثمار ما الذي يمكن أن يحدث؟؟
غالب الظن أنّ أمام محور الحرب على سوريا خيارات محدّدة. ليس من بينها إعلان الحرب على دمشق، أو إعلان منطقة حظر جوّي، أو إرسال جيوش لاحتلال البلد.
لم يتغيّر شيء في موازين القوى في المعركة السورية، لا قبل "المجزرة" ولا بعدها. جُلّ ما يمكن فعله "تعويم" مؤتمر جنيف وارتفاع مزيد من الأصوات المطالبة بإيجاد حلّ سياسي، أو الاندفاع نحو حرب إقليمية كبرى لا تبقي ولا تذر. وهنا أيضاً سؤال أخلاقيّ: هل يحتاج تحريك الموقف السياسي إلى هذا الكم الهائل من الضحايا؟ المعارضة السورية اعتادت على هذه التجارة الرائجة دوليّاً.
و"المجتمع الدولي" جاهز لمواكبة هذا الجنون بعقل أكثر من بارد، واللبنانيّون اختبروا هذه العروض، فكلّما كان مجلس الأمن يهمّ بالانعقاد، أو كلّما كانت تتراجع أوضاع "قوى السيادة والاستقلال"، يحصل اغتيال ويُتّهم الخصوم وينشغل العالم في الصراخ والعويل.
أسوأ ما في الصورة، مشاهد الأطفال الموتى كالنائمين، حيث توزَّع صورهم ممهورة بتوقيع الفاعل، ويجري إزهاق طفولتهم على مذبح المصالح و"لعبة الأمم"... في عالم الأباطرة والقراصنة، على حدّ ما كتب نعوم تشومسكي يوماً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018