ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا يريد رئيس الحكومة؟
جان عزيز-"الأخبار"
للمرة الرابعة على التوالي سُجّل أول من أمس تعطيل المجلس النيابي، وبالتالي فرض شلل السلطة التشريعية، بحجة كون الحكومة معتبرة مستقيلة. وللمرة الرابعة رفع المعطّلون كلاماً تبريرياً من النوع المتراوح بين الأسباب الدستورية التشغيلية، والدستورية الميثاقية. هذا بمعزل عن موقف المقاطعين لأسباب تقنية سياسية، محددة بالاعتراض على مضمون بعض بنود جدول الأعمال.
صحيح أن تطورات كثيرة، في السياسة والأمن، قد أعقبت الدعوة الأولى إلى تلك الجلسة التشريعية، بعد تقديم نجيب ميقاتي استقالة حكومته، حتى إن البعض بات يعتبر المسألة برمتها واقعة في غير مكانها ولا زمانها ولا تستأهل الطرح والبحث في هذا الوقت بالذات، أو كأن الأحداث الداخلية والخارجية قد تخطت الموضوع وجعلته بلا موضوع، غير أن تكرار الخطوة بهذا الشكل المتعنّت يفرض التوقف عندها وعند خلفياتها المعلنة، أياً كانت الظروف.
الذين قرروا تعطيل السلطة التشريعية، لأسباب دستورية تشغيلية، حصروا تبريراتهم بمسألة يتيمة، وهي أن الدستور يقوم على فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، وأن هذا المبدأ أعطى السلطة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء مجتمعاً بضعة حقوق تشاركية في سياق قيام السلطة التشريعية بعملها، من باب تعاونها معها. ومن بين تلك الحقوق، حق الحكومة في استرداد أي مشروع قانون يكون قد أحيل على جلسة نيابية عامة، قبل إقراره. كذلك حق الحكومة في رد أي قانون يقرّه المجلس في جلسة تشريعية. ويتذرع أصحاب هذا الرأي بأن انعقاد المجلس للتشريع في ظل حكومة مستقيلة يحرم السلطة التنفيذية هذين الحقين بالذات، بحيث لا يمكنها وهي مستقيلة أن تطلب استرداد مشروع مطروح، ولا أن تردّ قانوناً أقر.
غير أن الرد الدستوري على هذه النقطة واضح محدد. فرئيس الحكومة، الذي يظل محتفظاً بصلاحيته الدستورية في توقيع القوانين المقرّة حتى وهو مستقيل، يظل بموجب المنطق نفسه محتفظاً بصلاحيته الدستورية في الطعن أمام المجلس الدستوري في أي قانون يقرّه المجلس فيما الحكومة مستقيلة. وهو ما يكفي، بالمنطق الدستوري، لضمان استقامة العمل المؤسساتي ضمن نظام برلماني. أما الحجج الأخرى المقدمة فلا تقوم دستورياً. لا حضور الحكومة في الجلسة، ولا طلب الوزراء في أن يستمع إليهم، ولا سوى ذلك من تفاصيل تظل ممكنة في ظل حكومة مستحيلة، علماً بأنها ليست ملزمة دستورياً، كما توضح النصوص بنحو لا لبس فيه.
تبقى المشكلة الكبرى في تقديم المعطلين مبررات تقع ضمن الشق الدستوري الميثاقي، مثل قولهم إن النظام اللبناني قائم على هذه التعددية الطائفية في المجتمع والسلطة، وإن هذا النظام يفرض عدم تغييب أي جماعة عن أي عملية دستورية أساسية. أي بلغة أكثر وضوحاً، يرى هؤلاء أن الطائفة السنية ممثلة في هذه التركيبة الهجينة عبر رئيس الحكومة. كذلك فإن العملية التشريعية بالمطلق شأن جوهري في تركيبة الدولة. وبالتالي فإن اللجوء إلى التشريع فيما رئيس الحكومة مستقيل، يعني إمرار نشاط دولتي أساسي في غياب ممثل الطائفة السنية. فكيف إذا كان راعي عملية التشريع في نظامنا نفسه هو ممثل الطائفة الشيعية فيه، أي رئيس المجلس النيابي. عندها قد يصير تفسير تلك الفقرة من المادة 69 من الدستور مرتبطاً، لا بتاريخ دستور 1926 أو تعديلات 1990، بل جزء من تاريخ 1400 سنة، ومن جغرافيا صراع يمتد راهناً من أفغانستان إلى لبنان، فيما المنطق الميثاقي المطروح في هذا السياق يفترض إجراء قراءة مقارنة ومتوازية لمواقع الطوائف الأساسية كلها، ولصلاحيات كل منها ودورها في النظام:
رئيس الجمهورية، كممثل للمسيحيين، لا يمثّل حضوره شرطاً لانعقاد أي سلطة دستورية، ولا يحدث غيابه تعطيلاً لأي منها كذلك. لا بل أكثر، حتى شغور موقعه كلياً، معبأ دستورياً ومملوء نصاً، بحيث تنتقل «صلاحياته» إلى مجلس الوزراء.
في المقابل، رئيس مجلس النواب، كممثل للشيعة، حضوره شرط لقيام السلطة التشريعية، وغيابه تعطيل جزئي لها، فيما شغوره مملوء دستورياً أيضاً، بحكم وجود نائب دستوري له.
أما رئيس الحكومة، كممثل للسنّة، فشأن آخر مختلف كلياً. فحضوره شرط لا بد منه لقيام السلطة التنفيذية، إذ لا يُدعى مجلس الوزراء إلى أي اجتماع لا يحضره. حتى الاستثناء الطفيف المتروك لرئيس الجمهورية، مشروط بموافقة رئيس الحكومة، فيما غيابه يؤدي إلى تعطيل السلطة التنفيذية تعطيلاً كاملاً لا حل له، بينما شغوره غير مملوء دستورياً ولا بأي شكل من الأشكال، حيث نائب رئيس الحكومة موقع شكلي غير دستوري ولا حتى قانوني، ولا صلاحيات له ولا حتى مكتب.
ماذا يريد رئيس الحكومة وفريقه اليوم؟ يريد استكمال سلطته، أو حتى جعلها شاملة، «توتالية»: أن يكون حضوره شرطاً، لا لقيام السلطة التنفيذية وحدها، بل أيضاً لقيام السلطة التشريعية. والأهم أن يكون غيابه تعطيلاً، لا لمجلس الوزراء وحده، بل لمجلس النواب أيضاً، ليصير فوق رئيس المجلس وفوق رئيس الجمهورية. فعلياً، يريد رئيس الحكومة أن يكون «ثلاثة بواحد»، لكن باسم الميثاق. فليبلعها أهل الطائف العظيم، أو فليحلّوها، إن كانوا قادرين.
للمرة الرابعة على التوالي سُجّل أول من أمس تعطيل المجلس النيابي، وبالتالي فرض شلل السلطة التشريعية، بحجة كون الحكومة معتبرة مستقيلة. وللمرة الرابعة رفع المعطّلون كلاماً تبريرياً من النوع المتراوح بين الأسباب الدستورية التشغيلية، والدستورية الميثاقية. هذا بمعزل عن موقف المقاطعين لأسباب تقنية سياسية، محددة بالاعتراض على مضمون بعض بنود جدول الأعمال.
صحيح أن تطورات كثيرة، في السياسة والأمن، قد أعقبت الدعوة الأولى إلى تلك الجلسة التشريعية، بعد تقديم نجيب ميقاتي استقالة حكومته، حتى إن البعض بات يعتبر المسألة برمتها واقعة في غير مكانها ولا زمانها ولا تستأهل الطرح والبحث في هذا الوقت بالذات، أو كأن الأحداث الداخلية والخارجية قد تخطت الموضوع وجعلته بلا موضوع، غير أن تكرار الخطوة بهذا الشكل المتعنّت يفرض التوقف عندها وعند خلفياتها المعلنة، أياً كانت الظروف.
الذين قرروا تعطيل السلطة التشريعية، لأسباب دستورية تشغيلية، حصروا تبريراتهم بمسألة يتيمة، وهي أن الدستور يقوم على فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، وأن هذا المبدأ أعطى السلطة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء مجتمعاً بضعة حقوق تشاركية في سياق قيام السلطة التشريعية بعملها، من باب تعاونها معها. ومن بين تلك الحقوق، حق الحكومة في استرداد أي مشروع قانون يكون قد أحيل على جلسة نيابية عامة، قبل إقراره. كذلك حق الحكومة في رد أي قانون يقرّه المجلس في جلسة تشريعية. ويتذرع أصحاب هذا الرأي بأن انعقاد المجلس للتشريع في ظل حكومة مستقيلة يحرم السلطة التنفيذية هذين الحقين بالذات، بحيث لا يمكنها وهي مستقيلة أن تطلب استرداد مشروع مطروح، ولا أن تردّ قانوناً أقر.
غير أن الرد الدستوري على هذه النقطة واضح محدد. فرئيس الحكومة، الذي يظل محتفظاً بصلاحيته الدستورية في توقيع القوانين المقرّة حتى وهو مستقيل، يظل بموجب المنطق نفسه محتفظاً بصلاحيته الدستورية في الطعن أمام المجلس الدستوري في أي قانون يقرّه المجلس فيما الحكومة مستقيلة. وهو ما يكفي، بالمنطق الدستوري، لضمان استقامة العمل المؤسساتي ضمن نظام برلماني. أما الحجج الأخرى المقدمة فلا تقوم دستورياً. لا حضور الحكومة في الجلسة، ولا طلب الوزراء في أن يستمع إليهم، ولا سوى ذلك من تفاصيل تظل ممكنة في ظل حكومة مستحيلة، علماً بأنها ليست ملزمة دستورياً، كما توضح النصوص بنحو لا لبس فيه.
تبقى المشكلة الكبرى في تقديم المعطلين مبررات تقع ضمن الشق الدستوري الميثاقي، مثل قولهم إن النظام اللبناني قائم على هذه التعددية الطائفية في المجتمع والسلطة، وإن هذا النظام يفرض عدم تغييب أي جماعة عن أي عملية دستورية أساسية. أي بلغة أكثر وضوحاً، يرى هؤلاء أن الطائفة السنية ممثلة في هذه التركيبة الهجينة عبر رئيس الحكومة. كذلك فإن العملية التشريعية بالمطلق شأن جوهري في تركيبة الدولة. وبالتالي فإن اللجوء إلى التشريع فيما رئيس الحكومة مستقيل، يعني إمرار نشاط دولتي أساسي في غياب ممثل الطائفة السنية. فكيف إذا كان راعي عملية التشريع في نظامنا نفسه هو ممثل الطائفة الشيعية فيه، أي رئيس المجلس النيابي. عندها قد يصير تفسير تلك الفقرة من المادة 69 من الدستور مرتبطاً، لا بتاريخ دستور 1926 أو تعديلات 1990، بل جزء من تاريخ 1400 سنة، ومن جغرافيا صراع يمتد راهناً من أفغانستان إلى لبنان، فيما المنطق الميثاقي المطروح في هذا السياق يفترض إجراء قراءة مقارنة ومتوازية لمواقع الطوائف الأساسية كلها، ولصلاحيات كل منها ودورها في النظام:
رئيس الجمهورية، كممثل للمسيحيين، لا يمثّل حضوره شرطاً لانعقاد أي سلطة دستورية، ولا يحدث غيابه تعطيلاً لأي منها كذلك. لا بل أكثر، حتى شغور موقعه كلياً، معبأ دستورياً ومملوء نصاً، بحيث تنتقل «صلاحياته» إلى مجلس الوزراء.
في المقابل، رئيس مجلس النواب، كممثل للشيعة، حضوره شرط لقيام السلطة التشريعية، وغيابه تعطيل جزئي لها، فيما شغوره مملوء دستورياً أيضاً، بحكم وجود نائب دستوري له.
أما رئيس الحكومة، كممثل للسنّة، فشأن آخر مختلف كلياً. فحضوره شرط لا بد منه لقيام السلطة التنفيذية، إذ لا يُدعى مجلس الوزراء إلى أي اجتماع لا يحضره. حتى الاستثناء الطفيف المتروك لرئيس الجمهورية، مشروط بموافقة رئيس الحكومة، فيما غيابه يؤدي إلى تعطيل السلطة التنفيذية تعطيلاً كاملاً لا حل له، بينما شغوره غير مملوء دستورياً ولا بأي شكل من الأشكال، حيث نائب رئيس الحكومة موقع شكلي غير دستوري ولا حتى قانوني، ولا صلاحيات له ولا حتى مكتب.
ماذا يريد رئيس الحكومة وفريقه اليوم؟ يريد استكمال سلطته، أو حتى جعلها شاملة، «توتالية»: أن يكون حضوره شرطاً، لا لقيام السلطة التنفيذية وحدها، بل أيضاً لقيام السلطة التشريعية. والأهم أن يكون غيابه تعطيلاً، لا لمجلس الوزراء وحده، بل لمجلس النواب أيضاً، ليصير فوق رئيس المجلس وفوق رئيس الجمهورية. فعلياً، يريد رئيس الحكومة أن يكون «ثلاثة بواحد»، لكن باسم الميثاق. فليبلعها أهل الطائف العظيم، أو فليحلّوها، إن كانوا قادرين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018