ارشيف من :أخبار لبنانية

عقلية الحرب الباردة

عقلية الحرب الباردة
ياسين العطواني - صحيفة الصباح العراقية

ألغى الرئيس الأميركي باراك أوباما قمة كانت مقررة ان تجمعه مع نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهر المقبل، وجاء هذا الأجراء ردا على منح موسكو حق اللجوء لإدوارد سنودن الموظف السابق بوكالة الأمن القومى الأميركية. بدورها رفضت موسكو الطلب الذي تقدمت به الولايات المتحدة لجلب سنودن لمواجهة التهم الموجهة اليه ومنها التجسس.

   وقد اعتبر الكثير من المراقبين قضية سنودن بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للعلاقات بين واشنطن وموسكو. ومن الجدير بالذكر، أن إلغاء أوباما للقمة الأميركية الروسية هو الأول من قبل رئيس أميركي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي دفع بعض المراقبين للقول بأن الإلغاء أعاد إلى الأذهان ذكريات الحرب الباردة وما تعنيه من تبعات.

وعلى الرغم من محاولة البعض ربط هذا التوتر والبرود الذي يسود العلاقات الأميريكية الروسية بهذه الحادثة، إلا ان النظر بتمعن لمجمل العلاقات بين البلدين، سيجعلنا نجد ان هذا الأمر أكبر بكثير من تلك الحادثة، وهذا ما أكدته تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني، والتي قال فيها (بعد مراجعة دقيقة للعلاقات بين واشنطن وموسكو، توصلنا لنتيجة مفادها، عدم وجود ما يكفي من تطور العلاقات الثنائية لعقد قمة أميركية روسية أوائل الشهر المقبل). وأشار كارني في تلك التصريحات الى ضعف التقدم على صعيد ملفات الدفاع الصاروخي، والحد من التسلح، وكذا العلاقات التجارية، وقضايا الأمن الدولي وحقوق الإنسان، وهذا يعني وجود الكثير من التوترات التي سادت وتسود العلاقات بين البلدين، الى الدرجة التي اعتبرها البعض بالأسوأ منذ الحرب الباردة. والشيء المهم في طبيعة العلاقات الأميركية الروسية أن الأثر السلبي أو الايجابي لهذه العلاقات لا ينحصر بين البلدين، بل ستكون له تبعات في مناطق أخرى من العالم، وهو ما يمكن تلمس أثره  في الكثير من الملفات الساخنة التي تشغل العالم اليوم، وفي مقدمتها الملف السوري، وهذا التجاذب الحاصل بين أكثر من طرف يدور في فلك القطبين المتنافسين، والذي أخذ ينعكس سلبا على أمن واستقرار هذه المنطقة الملتهبة من العالم.

وكان لأهمية هذا الحدث وخطورته، وما تنجم عنه من تداعيات، هو الذي دعا النخب السياسية والفكرية الى دراسة الأثر المحتمل لهذا النزاع على العديد من أزمات العالم وقضاياه المشتعلة، وقد طرحت العديد من الأسئلة حول ما إذا كانت العودة للحرب الباردة أمراً ممكنا، أو ما إذا ‏كان نظام القطب الواحد المهيمن الذي ساد المسرح الدولي وطبع العلاقات الدولية بطابعه الخاص منذ سقوط الاتحاد ‏السوفيتي وحتى يومنا هذا قد انتهى أو وصل طريقا مسدودا؟.‏ إلا ان معظم الاجابات على هذه التساؤلات تذهب الى نفي العودة للحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، ‏وذلك لانتفاء المصلحة بعودتها عند طرفي النزاع من جهة، ولانعدام التكافؤ بين الطرفين، وكذلك زوال البعد الايديولوجي الذي كان قد سبغ الحرب الباردة بطابعه الخاص.‏

ان أهم ما يميز العلاقات الأميركية الروسية هو تقاطع المصالح الستراتيجية في بعض المجالات، واختلافهما في مجالات أخرى، لكن المشترك بينهما، هو أن الدولتين حريصتان على أن يكون لهما نفوذ قوي في هذه الدولة أو تلك، ذات الموقع المميز والستراتيجي، بهدف تمكين مراكزهما الإقليمية، وتحويل موازين القوى لصالح كل منهما.
2013-08-22