ارشيف من :أخبار لبنانية
القضاء والسياسة يلاقيان تركيا ويتناسيان مخطوفي أعزاز
بسرعة مذهلة، تحرّك القضاء اللبناني لتوقيف ثلاثة أشخاص من ضمن مجموعة أهالي المخطوفين اللبنانيين لدى العصابات المسلّحة السورية التي تمون عليها السلطات التركية، وذلك في قضيّة خطف الطيارين التركيين Murat Akpinar، وMurat Agga ، على يد مسلّحين مجهولين تمكّنوا من اعتراض طريقهما، وذلك بُعيد لحظات من خروجهما من مطار بيروت في 9 آب/أغسطس 2013.
وعلى الرغم من أنّ هناك ملفّات أخرى أكثر أهمّية وتمسّ أمن البلاد والعباد على طول خريطة الجمهورية اللبنانية، وتتعلّق بالإرهاب القادم على متن الدعم المالي العربي من دول اعتادت على الاستثمار على ظهر دماء الأبرياء، إلاّ أنّ القضاء اللبناني بمختلف أماكنه الجغرافية ودرجاته، لم يتعاط معها بالشكل اللازم والسرعة المطلوبة، مع أنّها أكثر فتكاً بالمواطنين، وأشدّ خطورة على السلامة العامة وهيبة الدولة برمّتها، من عملية خطف كانت برأي المراقبين آخر الدواء المرّ، لدى من ينتظر ذويه منذ شهر أيّار/مايو من العام 2012، إنْ كان لأهالي هؤلاء المخطوفين دور ما في اقتناص الطيّارين للضغط على تركيا لعلّها تتحرّك بشكل عقلاني وسريع على طريق حلّ أزمة طالت أكثر من المتوقّع، وخصوصاً أنّ الأيّام برهنت على أنّ تركيا قادرة على القيام بأكثر من المفاوضات الجارية ببطء مميت، أيّ أنّه بإمكانها معالجة الموضوع، والعمل على إلزام الخاطفين المعروفين بالأسماء والوجوه والتابعين لها، للإفراج عن المخطوفين التسعة المتبقّين في غياهب الخارجين على القانون.
ولم يأت التحرّك القضائي تلقائياً وبهذه السرعة القياسية، إلاّ بسبب التدخّل السياسي من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ونزولاً عن الطلب التركي، بعد مجيء نائب مدير الاستخبارات التركية إلى بيروت، من دون أن تقوم الدولة بأيّ مبادرة مقابلة بحثّ السلطات التركية على منع إطالة أمد الاحتجاز التعسفي للمخطوفين اللبنانيين، وعلى حلّ قضيّتهم الإنسانية المحقّة بالعودة إلى حرّيتهم وعائلاتهم، علماً أنّ القانون الدولي وكلّ القوانين والتشريعات المحلّية تعاقب كلّ فرد أو مجموعة، يتجرّأ أو تتجرّأ، على حجز حرّية شخص آخر، فكيف بأحد عشر شخصاً؟.
وترجم الضغط السياسي الرسمي على القضاء باستدعاء مدعي عام التمييز بالإنابة القاضي سمير حمود، المدعي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي كلود كرم، على عجل إلى مكتبه في الطبقة الرابعة من قصر عدل بيروت، ونقل الرسالة السياسية له بذريعة الحفاظ على "مصلحة الدولة العليا" وضرورة تنفيذها على وجه السرعة.
وانتهى هذا اللقاء الثنائي بملاقاة ما أنجزه "فرع المعلومات" في قوى الأمن الداخلي بتوقيف محمّد صالح، ومن ثمّ تتويج هذا التوقيف الذي شمل نديم زغيب وحسن صالح، بالادعاء عليهم في اليوم نفسه من حصول الاجتماع يوم الجمعة في 16 آب 2013، بجرم خطف الطيّارين التركيين، لينهي قاضي التحقيق في جبل لبنان المناوب زياد مكنّا استجواب هؤلاء الثلاثة معاً في يوم واحد، أيّ يوم الاثنين في 19 آب، وذلك بهدف التأكيد بأنّ التوقيف الاحتياطي المُعْترض عليه من قبل الأهالي، قانوني وسليم، وأنّ مساهمة الموقوفين بطريقة ما، في عملية الخطف، واقعة وحاصلة، وتستدعي الادعاء والتوقيف، وكلّ ذلك في سبيل ممارسة نوع من الضغط على الأهالي للإقرار بمكان وجود الطيّارين وإطلاق سراحهم، من دون أن تتوقّف الملاحقة بحقّ بقيّة الأهالي، وخصوصاً أنّ التدبير القضائي قضى بتسطير بلاغات بحث وتحرّ بحقّ ثلاثة عشر شخصاً منهم في سبيل إخافتهم وترهيبهم ودفعهم إلى الاعتراف بما لا يمكن أن يكونوا هم قد قاموا به، أو كانوا على علم به، وبالتالي عدم وجود علاقة ما لهم في ملفّ الخطف المضاد.
كان القضاء حريصاً جدّاً ومهتماً كثيراً، بتغطية مترتّبات الاتهام الذي وجّهه أهالي "مخطوفي إعزاز" إلى "فرع المعلومات" على خلفية توقيف محمّد صالح في بادئ الأمر، وتعريضه للضرب والأذى، وما شاع عن رفض المسؤولين في سجن رومية المركزي، استلام أيّ موقوف انتهكت حقوقه واعتدي عليه بالضرب والتعذيب الشديدين، وهو ما دفع بالعنصر النسائي من الأهالي، إلى تنفيذ اعتصام أمام مقرّ المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، اعتراضاً على هذه الممارسات غير القانونية، والتي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان.
وذهب بعض القانونيين إلى تفسير خطوة القاضي مكنا بسؤال الموقوفين الثلاثة خلال استجوابه لهم بحضور وكلائهم القانونيين، عمّا إذا كانوا قد تعرّضوا للضرب خلال مرحلة التحقيق الأولي، فنفوا ذلك، بأنّ الغاية هي دحض الجوّ الإعلامي الذي ألقاه الأهالي على التوقيفات، علماً أنّ هناك أسبقيات كثيرة وفي ملفّات أخرى كان الموقوفون فيها يضربون حتّى الرمق الأخير، ويعرف القضاء بهذه الممارسات المخالفة للقانون، ويغضّ الطرف عنها تحت حجّة "ضرورات التحقيق" التي تبيح هذه الخروقات.
وكان لافتاً للنظر ما سرّب عن مضمون التحقيق الاستنطاقي من أنّ استمرار توقيف الثلاثة محمّد وحسن صالح وزغيب، اقتضته ظروف التحقيق بغضّ النظر عن مدى مساهمتهم أو علاقتهم بالخطف، وهذا ما يؤكّد أنّ التوقيف فرضه المناخ السياسي للقضيّة وليست أوراق التحقيق، بمعنى أنّ التوقيف جاء نزولاً عند رغبة سياسية للقول للأتراك بأنّ الدولة اللبنانية من خلال قضائها، قامت بواجبها تجاههم.
وتوقّف المتابعون لحيثيات التحقيق والقضيّة برمّتها، عند تسريب خبر الادعاء على اللبنانيين عبر وكالة الأناضول التركية، وبعد مرور خمسة أيّام على حدوثه بموجب ورقة طلب، فيما كان القضاء اللبناني متكتّماً على الادعاء السريع الذي وصف بأنّه " ادعاء غبّ الطلب السياسي"، فيما في ملفّات أخرى أقلّ أهمّية، كان القضاء من خلال القاضي المعني، سواء أكان في القضاء العدلي، أو القضاء العسكري، يعمد إلى الاتصال بالصحافيين، لتمرير الخبر لهم بغيّة نشره سواء في "الوكالة الوطنية للإعلام"، أو الصحف ووسائل الإعلام اللبنانية الأخرى، علماً أنّ هناك قضاة درجوا ومنذ فترة زمنية لا بأس بها، على المبادرة إلى تسريب خبر الادعاء أو التحقيق إلى محطّات تلفزيونية لبنانية، ومن دون تحفّظ، ومن دون إعارة أيّ أهمّية لمسألة سرّية التحقيق، والتي لا يجوز التفريط بها ومهما كانت المسوّغات والدوافع التي يمكن التذرّع بها.
ويبقى السؤال الأبرز هل تقابل السلطات التركية الخطوة اللبنانية بإطلاق سراح عدد من المخطوفين، ما لم يكن كلّهم كما يستلزم الواجب الإنساني، أم تواظب على إقامة شعائر المناورة كما هو حاصل في المفاوضات بين الطرفين لقطف ثمار الخطف في مكان سياسي آخر، لتراوح قضيّة الخطف والخطف المضاد، بين مدّ وجزر سياسي، لا يمكن التكهن بتوقيته النهائي، ما دامت الأحداث في سوريا مفتوحة على المزيد من الجراح وإراقة الدماء؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018