ارشيف من :أخبار لبنانية

جمهوريّة الضجيج

جمهوريّة الضجيج
نبيه البرجي - صحيفة الديار

الجمهورية اللبنانية ذاهبة. الجمهوريات الاخرى، بما فيها جمهوريات الشيشان وداغستان وحتى بلوشستان قادمة...

لا يحتاج المرء سوى الى قراءة خاطفة للمشهد كي يتبين فعلا ان الرئيس ميشال سليمان هو آخر رئيس جمهورية في لبنان. نسأل مرشحا بارزاً، ومحترفا، فيقول لنا «ان افكر بأن اصبح رئيس جمهورية كمبوديا فهذا اكثر واقعية من ان اصبح رئيس جمهورية لبنان».

اما ما هو مصير قصر بعبدا ان خلا المنصب والى الابد، فإن المرشح إياه يعلق بالقول «قد يكون مستحيلا تحويله الى فندق او الى متحف لان اللبنانيين المختلفين على الحاضر مختلفون حتما على التاريخ».هذه جمهورية من دون تاريخ وتعاقب على الحكم فيها اناس طالما كانوا ضيوف شرف على ما قبل التاريخ...

اللبنانيون يدركون ان السياق الحالي للاحداث لا يمكن ان يتيح انتخاب الرئيس الثالث عشر( حتى الرقم يدعو الى التشاؤم)، والمسألة لا تتعلق بالخلاف على الشخص ولا على النهج، وانما لان الاسس التي قامت عليها الدولة في لبنان قد تخلخلت كلها او انها اندثرت، والدليل هو في استحالة تشكيل الحكومة بعدما اصبحت هذه العملية جزءا من الصراع الاستراتيجي والايديولوجي في المنطقة، وكذلك في استحالة انعقاد جلسات المجلس النيابي، وهو الامر الذي يتعدى ذلك التبرير الكاريكاتوري حول فصل السلطات، كما لو انه لا تزال هناك سلطات لكي يتم الفصل بينها...

تريدون دليلا آخر؟ اذا كنتم تعلمون كم كانت مضحكة ومبكية» المفاوضات» الخاصة بالقبض على احمد طه، المتهم بالقاء الصواريخ على الضاحية، الضاحية إياها التي دمرتها القاذفات الاسرائيلية منذ سبع سنوات. طبعا من اجل فلسطين والفلسطينيين. الآن، لا قضية اخرى سوى قضية المذهبية، وهي فضيحتنا المقدسة والى آخر الزمان...

احمد طه فلسطيني. الفصائل الجهادية في مخيم برج البراجنة، والتي تضم «حماس» بطبيعة الحال، واجهت بشدة كل محاولة للبحث عنه في المخيم، باعتبار ان القبض عليه هو كما القبض على صلاح الدين الايوبي، فما بالك بالآخرين، لبنانيين وفلسطينيين و سوريين، والذين ينظر الى القبض عليهم كما لو انه القبض على...الانبياء.

التفاصيل فضائحية وبما تعنيه الكلمة. لكن الذين يعترضون على «دولة حزب الله»، وقد نكون معهم، لماذا لا يرفعون الصوت، ولو مرة واحدة ( نصف مرة...يا صاحبي) ضد جمهورية جند الشام، وجمهورية «فتح الاسلام» و«جمهورية عصبة الانصار»، وصولا الى «جمهورية فتح» و«جمهورية حماس» والتي يحظر على اي دركي وحتى على اي شرطي بلدي الدخول الى اي منها...

انتبهوا ممنوع القبض على احمد طه الذي لا نتصور البتة انه مجهول الاقامة، وهو الذي يعرف كيف احتضنه، واحتضن اباه، اهل الضاحية وعلى مدى سنوات. ممنوع لان الابواق جاهزة، فما يفعله هذا الرجل هو رد فعل طبيعي على تدخل «حزب الله» في سوريا. الرجل منسجم كلياً مع نفسه، ومع الامة، ومع اولياء الامة. كل من يقاتل اسرائيل هو خائن للقضية الفلسطينية، بل هو خائن للعروبة ( تلك العروبة التي قلنا اكثر من مرة انها لم تعد تصلح علفاً للدجاج) وخائن للاسلام الذي بات، وبفعل الفتاوى إياها، وبفعل الغرائز إياها، العدو الاكبر للاسلام...

لسنا مع اي دولة داخل الدولة، وان كانت «دولة حزب الله». ولكن الم يتحدث الصحافي الاميركي البارز تيد كوبل عن «دولة داخل اللادولة»، وكان يفترض ان يتحدث عن «دول داخل اللادولة» اذا ما اخذنا بالاعتبار منطق الدوقيات الذي ساد في اوروبا في القرن الثامن عشر، ومنطق ملوك الطوائف في الاندلس الذي قد لا يختلف عن منطق ملوك الطوائف في لبنان، فيما لم يكن اتفاق الطائف وسط حالة انعدام الوزن التي تعيشها المنطقة سوى تسوية بين افرقاء هم في حالة انعدام الوزن...

الخارطة باتت واضحة. المنطقة كلها تتدحرج الى المجهول، حتى وان لوّح البعض، وبلهجة حاسمة، بأن الوضع في سوريا سيحسم في مهلة اقصاها مائة يوم ليقوم نظام بديل يكون جزءا من السياق الاستراتيجي للمنطقة، ودون ان يكون امام لبنان سوى ان ينضوي كونفديراليا في التركيبة الجديدة التي لا ندري كيف لها ان تتحقق في ظل الخلاف السعودي-التركي حول مصر...

لبنانياً كيف نفكر؟ لقد تحولنا الى كمية من الضجيج. اجل، كمية من الضجيج لا اكثر ولا اقل، فعندما لا تستطيع الدولة ان تلقي القبض على احمد طه لانها بذلك كمن يهدم المسجد الاقصى حجراً حجراً بالنظر لقداسة الرجل ولقداسة الغاية التي يقاتل من اجلها، وعندما لا نرى الدولة الاخرى التي قامت داخل الدولة او فوق الدولة، ولا قضية لها سوى العودة بمجتمعات المنطقة الى الجاهلية الكبرى، هل يمكن ان نبقى ضحايا تلك المواقف، وتلك التصريحات، البائسة التي تعني شيئاً واحداً وهو اننا قطعان من الماعز ونساق الى منتصف الطريق بين الجاهلية والمجهول...

قلنا كمية من الضجيج في...جمهورية الضجيج!
2013-08-23