ارشيف من :أخبار لبنانية

«التقوى»: هكذا تحولت صلاة الجمعة الى مذبحة

«التقوى»: هكذا تحولت صلاة الجمعة الى مذبحة

عمر ابراهيم - صحيفة السفير


لحظات عصيبة عاشها محيط مسجد التقوى، حولته من شريان حيوي يضج بالحياة الى ساحة موت تبعثرت فيها اشلاء القتلى التي تطايرت على بعد عشرات الأمتار من مكان التفجير، في ما طغى لون الدم الأحمر النازف من أجساد القتلى والجرحى على نهر المياه المتدفق من الاطفائيين خلال محاولتهم إخماد النيران التي اندلعت في السيارات والمحلات التجارية، وكانت أول ما شوهت جثامين المؤمنين الذين كانوا يؤدون صلاة الجمعة، من الرجال والأطفال الذين أدموا قلوب المسعفين من الدفاع المدني والمواطنين الى حدود الانهيار والغياب عن الوعي.

زلزال قوي هز تلك المنطقة النابضة بالحياة عند المدخل الشمالي لطرابلس، وهي التي يحاول المارة من أبناء عكار والمنية والضنية وبعض أحياء طرابلس، تجنب المرور فيها أثناء صلاة ظهر الجمعة نظرا للزحمة الخانقة التي تتسبب بها سيارات ودراجات المصلين المركونة يمينا ويسارا وعند مدخل المسجد.

«الله قدر ولطف»، عبارة ترددت على ألسنة المصلين الذين تحولوا إلى مسعفين لإنقاذ الجرحى ونقل الضحايا من الباحة الخارجية للمسجد، ومن المحلات التجارية المحيطة به وعلى الطريق المواجهة له، والتي نال بعض العابرين نصيبهم من الانفجار بعد إصابة العشرات منهم داخل سياراتهم التي احترقت.

مشهد الموت في محيط المسجد لا يمكن اختصاره ببضع كلمات، فهناك اختلطت مشاعر الحزن مع الغضب المتفجر هتافات سياسية وطائفية ومذهبية، تقطعها من وقت لاخر أصوات نحيب الرجال والنساء اللواتي تجمعن بالعشرات أمام المسجد بحثا عن زوج او ولد انقطع التواصل معه بسبب الضغط الكبير على شبكة الهاتف الخليوي، وهو الأمر الذي زاد من حالة إرباك المواطنين في المدينة، ومن القلق الذي سيطر على شريحة كبيرة من العائلات التي اعتاد أفرادها اداء صلاة الجمعة في مسجد التقوى.

ولعل المشيئة الإلهية تدخلت لإنقاذ حياة المئات من المصلين الذين كانوا لحظة حصول التفجير ما زالوا داخل المسجد يستمعون الى خطبة الجمعة التي كان يلقيها الشيخ سالم الرافعي، فكان التأخير سببا في التخفيف من عدد الضحايا الذين لو خرجوا لكان في الامر كلام اخر، خصوصا وان مكان وقوع الانفجار ملاصق لاحد المداخل الرئيسية للجامع، ويقع في محيط محلات تجارية كان ساهم احد تلك المتاجر المعد لبيع اسلحة الصيد والذخيرة في امتداد النيران على بقية المحال المحيطة به، ما صعّب من مهمة الدفاع المدني في اطفاء النيران عدة ساعات.
سيارات الاسعاف والاطفاء حضرت بسرعة الى مكان التفجير الذي لا يبعد بضع مئات من الامتار عن مركز الدفاع المدني وسرية اطفاء طرابلس، وبمسافة أبعد عن مركز الصليب الاحمر القريب من مسجد «السلام»، والذين انضم اليهم مسعفو «الجمعية الطبية الاسلامية» للمساعدة في نقل الاعداد الكبيرة من الجرحى، والذين كان سبقهم الى ذلك المواطنون الذين سخّروا كل وسائل النقل المتوفرة من سيارات وفانات وباصات ودراجات نارية لنقل الجرحى والضحايا.

عبثا حاول المسعفون وشبان الأحياء المتاخمة للمسجد، الحد من تدفق المواطنين وابعادهم عن مكان الانفجار بعد دقائق من حصوله، خشية ان تكون هناك عبوة اخرى، خصوصا بعد ان ترددت أصداء تفجير مسجد «السلام» على مسامع المواطنين المذهولين من قوة التفجير، والذين رفضوا المغادرة وبدأوا بإطلاق صيحات التكبير، متجاهلين التحذيرات والنداءات التي بثت من مكبر الصوت في المسجد لحثهم على المغادرة، وغير ابهين بالاعيرة النارية التي كان يطلقها بعض المسلحين، خصوصا مع تردد شائعات كبيرة عن سلسلة تفجيرات ضربت المدينة، ومع توالي صوت التفجيرات في المكان الناتجة من السيارات المحترقة.

نار ودخان غطيا لساعات سماء ومحيط المسجد، وتسببا بحالات اختناق لبعض المواطنين، وفي نزوح عشرات العائلات المقيمة بالقرب من المسجد، والتي تضررت واجهات منازلها وتحطمت نوافذها، واصيب فيها بعض قاطنيها.
على مسافة امتار من المسجد وقف الحاج محمد رفعت عند حائط احد المباني يبكي كل المصلين، فهو كان يصلي في الباحة الخلفية للمسجد لحظة وقوع التفجير، ولم يعرف شيئا عن زملائه الذين دخلوا للصلاة في الباحة الداخلية «لانو في مكيف وما بدهم يبقوا بالشوب معي، وانا نفسي أتضايق جوا من العجقة».
بغصة يكمل كلامه والدموع تغمر عينيه، «كنا ثلاثة اشخاص اتينا مع بعضنا من الزاهرية، ودخلوا وتركوني هنا، وما بعرف اذا ماتوا او انصابوا، الله يستر».

في بركة المياه امام المسجد يصرخ احد الشبان باعلى صوته «الله اكبر على الظالم»، وهو يلوح بيده الى الشبان لمساعدته في انتشال جثة طفل محترقة، لتعلو صيحات من التكبير وتتلوها اخرى بعد وصول جثة طفل اخر متفحمة، وخلفهما امراة وقد احترق نصف جسدها، فيركض احد الجرحى وهو فلسطيني الجنسية والدماء تسيل من رأسه، ويضع يده الى جانب الشبان لنقل الجثث، مرددا على مسامعهم «انا فيني امشي، روحوا لقدام في جرحى وقتلى على الارض ما في مين يساعدهم».

حماسة ابو خالد الشبل» دفعت المترددين الى الاقتراب والمساعدة، ورفعت من منسوب مشاعر التضامن بين الحاضرين.
لا يعرف ابو خالد ماذا حصل في الخارج «انا كنت عم صلي جوا، وسمعت صوت قوي، وانقطع معه صوت الشيخ والاضاءة ودخل الدخان والحجارة وتطاير الزجاج علينا، وظننت للوهلة الاولى انو الجميع ماتوا في الجامع، فحاولت الهروب من الجامع ومش شايف قدامي، ووقعت عدة مرات على الارض، بعد ما اصطدمت بالمصلين يلي كانوا مرميين ومش قادرين يوقفوا».

ويضيف: «انتظرت عشر دقائق وما كنت شاعر اني مصاب، حتى خفّت الغبرة وصرت شوف الطريق، وطلعت وشفت مشهد مرعب في باحة الجامع الخارجية، الكل غارق بالدم، اولاد ورجال، والنار محيطة فينا، صرت اسال شو صار، بس ما كان حدا كمان عرفان متلي».

من بين السيارات المحترقة يخرج احد الجرحى وبيده اشلاء جثة امراة، ينادي المسعفين للبحث عنها بين الانقاض، خصوصا وان عشرات السيارات ومعها اكثر من مئة دراجة نارية تطايروا الى وسط الطريق، في حين استقرت سيارة فوق احد اسقف المسجد المعد للمصلين في الباحة الخارجية، وهو الامر الذي استدعى تدخل جرافات ورافعات لابعاد السيارات واخراج الجثة، والتي تردد انها تعود لامراة متسولة كانت تجلس مع طفليها على باب المسجد بانتظار خروج المصلين لاستجداء حسناتهم وصدقاتهم.. فعالجتها السيارة المفخخة.
2013-08-24