ارشيف من :أخبار لبنانية
جريمة طرابلس: الفوضى الخلّاقة
غسان جواد - صحيفة الجمهورية
لا تحتاج تفجيرات طرابلس الإرهابية إلى عقل استثنائي ليفكّك تعقيداتها، ولا إلى «شارلوك هولمز» لكي يستنتج بأنّ لبنان صار مكشوفاً على الفتنة، ومسرحاً لعبث كلّ ما في المنطقة من أجهزة ولاعبين.
ثمّة من اتّخذ قراراً جنونياً، بـ"عرقنة" لبنان ونقل هذا النموذج واستنساخه فيه، والدفع به نحو الفوضى والعبث ولعبة الدماء المجانية.
لم تعد كلمات الإدانة والدعوات الى الحكمة وتغليب العقل كافية لمواجهة مخطّط تخريب لبنان وإحباطه، وكذلك تحريف الوقائع وتجهيل الفاعل وإخفاء الحقائق. الموت يتجوّل في الطرق وعلى الأرصفة وأمام المساجد، وربّما غداً أمام الكنائس. ولم يعد "التذاكي اللبناني" فعّالاً الآن، ولا المواقف والتحليلات ذات الصلة بالاستثمار والاستغلال.
الجميع مجمعون على الحديث عن "الفتنة"، ويقفزون فوراً إلى رفضها وتفويت الفرصة على أصحابها، لكنّهم على رغم هذا "الإجماع" والتوصيف الدقيق لمآرب القاتل ومشاريعه، ينظرون الى البلاد وهي تغرق وبعضهم يساهم، عن قصد أو غير قصد، في مزيد من هذا الانزلاق نحو الجحيم.
تفجير في منطقة "شيعية"، يعقبه انفجاران في منطقة "سنّية". وغداً لا أحد يعرف من هو المستهدف.
هذا ما كان يجري في العراق، وعليه تمّ شحذ الغرائز ودفع الناس إلى قتل بعضهم بعضاً في المساجد ودور العبادة وعلى الطرق وفي المطاعم والمقاهي. أكثر من مليون عراقي سقطوا خلال سنوات الفوضى والسيارات المفخّخة والإرهاب، ولم ينتهِ الأمر بعد.
هناك ملايين الجرحى والمشرّدين والمهجّرين واللاجئين في العراق وخارجه بفعل الجهاد والجهاديين والتكفير والتكفيريين من كلّ الجهات، والدولة في أضعف حال، والبلاد شبه مقسّمة والوضع الاقتصادي سيّئ جداً في بلد نفطيّ كبير شاسع وواسع، فهل يتحمّل لبنان هذا النموذج وتلك النتائج؟
ليس الوقت لتبادل الاتّهامات وتحميل المسؤوليات، لكنّ اليد التي تقتل هنا وهناك، باتت معروفة لدى الدولة وأجهزتها الأمنية. تحدّث قائد الجيش العماد جان قهوجي عن خلايا إرهابية تهدف إلى إحداث فتنة طائفية. وقبله وزير الداخلية مروان شربل أدلى بمعلوماته حول جهات تريد العبث بلبنان، ولدى الأجهزة الأمنية اعترافات ومتّهمين ومشتبه بهم في العمل على إشعال لبنان.
سيّارة "الناعمة" التي اكتشفها الأمن العام واحدة من سيارات كثيرة مُعدّة للتفجير بحسب الأجهزة أيضاً، والجهد الأمني المشترك الذي حصل في هذا السياق يمكن أن ينسحب على جريمة طرابلس وغيرها، شرط أن يتوقف البعض عن حماية المتهمين والتغطية عليهم. البعض يحرّف الوقائع لأسباب سياسية متعلّقة بالانقسام الحاصل في البلاد، ويخلق بيئة حاضنة للتكفير ويسارع إلى الضغط على الدولة وأجهزتها لإطلاق المشتبه بهم.
الاستمرار في سياسات غضّ الطرف عن الجناة سيفضي إلى مزيد من الفوضى. التمادي في تأمين الحمايات السياسية للجماعات الإرهابية سيصيب الجميع. وليس أوضح ممّا جرى في طرابلس لتأكيد أنّ المجرم لا يميّز بين منطقة وأخرى، ولا بين مذهب وآخر. أمّا بناء ردود الفعل على طبيعة الانقسام السياسي الحاصل على خلفية "الأزمة السورية"، فإنّه يزيد الأمر تعقيداً.
لم يكن في التعليقات التي صدرت عقب الانفجار "أسمج" من تلك التي دعت حزب الله إلى الخروج من سوريا. ما علاقة وجود حزب الله في سوريا بتفجير استهدف منطقة لبنانية متعاطفة مع "الثورة السورية"؟؟ هل هذه شروط القاتل لكي يتوقف القتل؟ ولماذا يتبرّع اللبنانيون فوراً بتلاوة رسائل القتلة وشروطهم من دون الالتفات إلى حجم الكارثة ودماء الناس؟ لماذا الهروب إلى الأمام؟ والإصرار على العبث؟
الحقد لن يترك ولن يذر في هذه البلاد، والدم يستسقي الدم. والكلمة في مثل هذه اللحظات أقوى من الرصاصة. التجارة بدماء الناس ومصائبهم لا توقف القتل بل تشيّعه وتجد له دوافع ومبرّرات، وتعمّمه على الأبرياء من كلّ الجهات والمناطق.
نعم ينبغي تغليب لغة العقل، وليس لغة الغريزة. ولغة العقل واضحة ليس من مفرداتها تحريض واستثمار وتحريف وتزوير. إلّا إذا كان البعض مؤمناً فعلاً بالفوضى الخلّاقة، و"جماليات البشاعة".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018