ارشيف من :أخبار لبنانية

سلطان على رقعة الشطرنج

سلطان على رقعة الشطرنج
نبيه البرجي - صحيفة الديار

هل هو وزير خارجية ام قاطع طريق؟

حين يحذر احمد داود اوغلو، والآن بتنا ندرك كم هي بائسة وكم هي مهلهلة هذه الشخصية، بأن اسرتي الطيارين التركيين قد يقدمان على اختطاف لبنانيين رداً على اختطاف ابنيهما في بيروت. اجل، ديبلوماسي ام غانغستر حتى وان نفى الوزير عدنان منصور، بلياقته المعهودة، ان يكون التهديد قد حصل، وهو الذي لا بد ان يستهجن اللهجة التي يستخدمها، عادة، نظيره التركي، الذي يتكلم.

هو وزير خارجية دولة كبرى تدعى تركيا وليس وزير خارجية دولة ضائعة (وعلى طراز... الضيعة ضايعة) وتدعى لبنان الذي لم يستطع، ولا يستطيع، تحرير تسعة من مواطنيه الابرياء الذين احتجزهم لواء عاصفة الشمال، وبرعاية تركية لا يرقى اليها الشك، رهائن للمقايضة في مشهدية تفرض علينا هذا السؤال: هل هؤلاء الناس يثورون ضد النظام لارساء ثقافة العدالة ام لارساء ثقافة الكهوف؟

بكل بساطة، يقول لنا اوغلو الذي يبدو انه لم يتعلم شيئاً من الفضيحة تلو الفضيحة، ومن السـقوط تلو السقوط، ان بلاده ستخطف طيارين لبنانيين مقابل الطيارين التركيين، لكن مشكلة صاحب المعالي انه يريد طيارين من طائفة معينة للضغط والمبادلة،وهذا يبدو غير ممكن في الوقت الحاضر..
ديبلوماسيا هل يليق بوزير خارجية ان يتـفوه بهذا الكلام؟ هو من وصفته الصحافة التــركية، وكذلك الصحافة العالمية، بـ«كيسنجر التركي»، ولطالما كان اوغلو فخوراً بهذه المقارنة، مع ان من كتبوا عن وزير الخارجية الاسبق وصفوه بـ«المراوغ»، وبـ«المخادع»، وبـ«لاعب السيرك»، وان كنا نجد ان ما يجمع الاثنين هو الغطرسة، فحين كتب احدهم ان هنري كيسنجر هو ميترنيخ القرن العشرين، اعترض قائلاً «.... بل ان ميترنيخ هو كيسنجر التاسع عشر».
وللتوضيح فإن المستشار النمساوي كان نجم مؤتمر فيينا(1815) الذي اعاد صياغة خارطة القوى في اوروبا بعد الغروب البونابرتي، وقد وضع كيسنجر اطروحة الدكتوراه حوله...
غريب ان رجب طيـــب اردوغان لم يقــل حتى الآن لصديقه العزيز «ارحل»، وان كان سـيقولها قريباً. لعل الصدر الاعظم استساغ لعبة السقوط. سقط في سوريا، وسقط في العراق، بل انه سقط في تركيا، وها انه يستعد للتوجه الى موسكو للقاء فلاديمير بوتين بعدما ألمح معلقون مقربون منه الى انه يشعر بالاحباط الشديد بسبب «الخيانة الاميركية»، فهو اذ استضاف الدرع الصاروخية في بلاده، كان يأمل بأن تطلق واشنطن يده في الشرق الاوسط، من سوريا الى مصر مروراً بالعراق، وربما بالخليج، قبل ان يتبين ان الولايات المتحدة لا تنظر الى تركيا الا كأحد الحجارة الملقاة على رقعة الشطرنج...
السلطان ليس ملكاً على رقعة الشطرنج، وها ان الباحث الاميركي ستيفن والت يطرح اسئلة نارية حول ما اذا كانت تركيا ستبقى (والى متى؟) بمنأى عن الزلزال، وهي الدولة المركبة بقوة العصا لا بقوة المنطق، ولا بالارث الثقافي الذي خلا من الفلاسفة والمفكرين والعلماء، حتى ان يشار كما كتب عن «ثقافة الصهيل»، وحيث الخيول، لا الادمغة، هي التي تقود... التاريخ!
لاحظوا كيف يتكلم اردوغان الآن كما الثور الهــائج. احد المعلقين وصفه بـ«الثور الاحمق». لم تكن ردة فعله حيال خسارة تابعه محمد مرسي مختلفة عن ردة فعل وزير خارجيته على اختطاف الطيارين.
الاثنان من طينة واحدة، بل من البلاط العثماني إياه، فمن تراه يستطيع اقناعهما بأن السلطنة زالت من الوجود من نحو قرن تقريباً؟
وراء الضوء، تتردد معلومات تقول ان اردوغان الذي خسر مصر، وهو يعتبر انها اصبحت في قبضة المملكة العربية السعودية (امام الملأ يقول انها باتت في قبضة اسرائيل) يخطط للثأر في سوريا. واذا كانت المملكة تقود الآن معركة اسقاط النظام، بعد ازاحة قطر جانباً لانها اخفقت في مهمتها، فإن رئيس الوزراء التركي الذي طالما لطخ يديه بالدم السوري، يعتقد ان اللعب على ارض سوريا اسهل بكثير من اللعب على ارض مصر التي تحتاج الى مليارات الدولار، وهذا ما يطرح الاسئلة حول الخطوات التي ستلجأ اليها انقرة، لا سيما وان هناك من يؤكد ان وفداً من «جبهة النصرة» الذي يتبع تنظيم «القاعدة» ومن جماعات متطرفة اخرى تتواجد على الارض السورية تناصب العداء الشديد للسعودية توجه الى اسطنبول حيث كان اجتماع وصف بالهام جداً، ويتيح لـ«الجبهة» تحقيق انجازات ميدانية حساسة، مع ان كل الدفع التركي لها لم يؤد الى تفكيك الوضع الكردي في منطقة الحسكة، لا بل ان الاكراد هم من يمسكون بالمبادرة على الارض...
تركيا التي كان يمكن ان تضــطلع بدور محــوري في الحيلولة دون حـــصول الغرنيكا السورية، ضائعة مثـــــلنا، خائفة مثلنا. ومع ذلك لا يزال منظّر النيو-عثمانية، اي احمد داود اوغلو، يتكـــلم كما لو ان جثة السلطان ليست ملقاة على رقعة الشطرنج!
2013-08-26