ارشيف من :أخبار لبنانية

هل ما زالت الظروف تسمح لبرّي بإطلاق مبادرة جديدة تَلقَى الصدى المطلوب؟

هل ما زالت الظروف تسمح لبرّي بإطلاق مبادرة جديدة تَلقَى الصدى المطلوب؟
ابراهيم بيرم-"النهار"

في الشكل بدا رئيس مجلس النواب نبيه بري في الآونة الاخيرة وكأنه يحيد نفسه عن التطورات المتسارعة أو على الاقل يأخذ اجازة عن بث الافكار والرؤى والخطوط العريضة للحلول على جاري عادته حتى في اصعب الاوقات واشد المراحل تعقيداً، لذا كان السؤال المطروح في اوساط سياسية معنية: هل بات الرجل المخضرم يقيم على اقتناع ضمني بأن "الأوضاع" صارت أكبر منه، مما دفع هذا السياسي المحنك الى مرحلة أشبه ما تكون باليأس وهو ما انطوى عليه تصريحه الشهير قبل اسابيع انه قد قرر "صياماً" عن المبادرات وانتبذ لنفسه مكاناً نائياً بعض الشيء أقرب ما يكون فيه الى موقع المراقب للحدث منه الى موقع الفعل؟

الثابت ان زعيم حركة "أمل" ما توقف عن اطلاق التصريحات واصدار المواقف عند كل كبيرة وصغيرة، ولكن المتمعن في خفاياها وابعادها يخلص الى نتيجة فحواها ان الرجل يؤدي دور "الناصح" أو الرجل "الحكيم" الذي يقول كلمته ويمشي.

كثر ممن هم في مناخات رئيس المجلس قالوا ان بري سيعود الى حيويته السياسية المألوفة عنه في 31 آب أي في ذكرى اختفاء الامام موسى الصدر في النبطية، وسيطلق مبادرة من شأنها أن تعيد بث الحيوية في بحيرة السياسة اللبنانية الراكدة والثقيلة الوطأة.

وعليه فإن السؤال المطروح: هل سيقدم على عرض هذه "المبادرة" في الخطبة المتلفزة التي ستبث في موعد المهرجان المؤجل؟

الجواب غير حاسم من جانب المداومين في عين التينة، لكن ما يجزمون به ان بري يدرس بتمعن كل التطورات والتحولات لكي تكون كلمته المتوقعة مميزة الوقع والمضمون، وان لا تكون مجرد اطلالة اعلامية عابرة، خصوصاً ان بري اعتاد في هذه الذكرى السنوية أن يقدم اطروحة "نوعية" في الشكل والمضمون. لكن الثابت لدى راصدي خط الحراك السياسي لبري في الأشهر الثلاثة الماضية، يشعرون بأن بري ليس لديه من المعطيات والاوراق ما يسمح له بتقديم "مبادرة حل" متكاملة تلقى صدى ويكون لها وقع مدوٍ لاعتبارات عدة أبرزها:

- ان الظروف الداخلية والاقليمية غير مؤاتية اطلاقاً، فرهانات الجميع صارت معقودة بالكامل على مآل التطورات في سوريا، في ضوء الحديث عن ضربة غربية وشيكة الوقوع.

- إن بري نفسه اقتنع بأن الحل لم يعد ممكناً بالمفرق، وصار يتحدث عما يسميه "سلة متكاملة" أو تسوية كبيرة على غرار تسوية الطائف أو الدوحة.

وقد سبق لبري أن تحدث غداة انتخاب الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني، عن أن الرهان بات معقوداً على امكان انفراج العلاقة بين طهران والرياض ما أوحى بأن مربط الحل والعقد صار لدى هاتين العاصمتين الفاعلتين، وبالتالي رفع المسؤولية عن نفسه وعن النخبة السياسية اللبنانية، أو على الاقل أوحى بأن أعضاء النادي السياسي اللبناني قد اقروا بعجزهم عن الفعل.
- في السياسة الآن ليس هناك من مبادرة الا "المبادرة" التي اطلقها رئيس الجمهورية ميشال سليمان أخيراً، علماً ان ثمة من لا يرى انها تحمل صفات المبادرة اطلاقاً فهي من قبيل لزوم ما لا يلزم، لكن الثابت أنها صارت محوراً ومفصلاً في السياسة، فالجميع مضطر الى أن يتعامل معها ولا يمكنه الهروب من موجباتها حتى اولئك الذين هم ليسوا من المتحمسين لحكومة "عادلة وجامعة" وللعودة الى طاولة الحوار الوطني وهما اقنوما مبادرة سليمان.
وعليه فان الرئيس بري مضطر بشكل او بآخر ان لا يتجاهل في خطابه المقبل هذه المبادرة فيأتي بما يستكملها او بما يؤيدها.

- ان بري، وفق مراقبين، بات يشعر في الآونة الاخيرة بأن "اوراق اللعبة" التي تتيح له المناورة وابرام الصفقات والتفاهمات من تحت الطاولة ومن فوقها قد بدأت تنساب بين اصابعه واحدة تلو أخرى.

فهو ربما استعجل وفرّط بتحالف سياسي وازن وفاعل اسمه 8 آذار عندما ابلغ من يعنيهم الامر أن اقطاب هذا الفريق تفرقوا أيدي سبأ وصار كل واحد منهم ناطقاً بلسان حاله في التشكيلة الحكومية، وبالتالي فان شرط الثلث الضامن قد سقط. حينها كان الرجل يريد ان يتحرر من تحالفه غير المباشر مع رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون، بعدما أظهرت التجارب التي تلت ولادة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أن ثمة "عقليتين" متناقضتين في كل ما له صلة بالادارة والمحاصصات، اي في المكان الذي يشكل لرئيس حركة "امل" مربط الفرس.

لا يبدو للمحيطين ببري انه في وارد الاسف على هذا الخيار القسري الذي اتخذه اخيراً، لكن الاكيد ان للأمر تداعياته وآثاره السلبية على المستويين القريب والبعيد.

وعلى مستوى الرهان على "جبهة الوسطيين" فان بري لم يربح الا برهانه على مستوى علاقته برئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط والى أجل غير مسمى.

اما خيبته الكبرى فأتت من علاقته بالرئيس ميقاتي وهو الذي جاهر مراراً بدعمه وبالرهان على مستقبل علاقته ودوره، اذ انتهت الامور بينهما الى درجة أقرب ما تكون الى القطيعة خصوصاً بعد ما جرى في مجلس النواب ومقاطعة رئيس الحكومة المستقيلة لدعوات بري الى اجتماعات الهيئة العامة للمجلس بحجة ان ذلك مخالف لروحية الدستور والميثاق، كونه يعزز النظام المجلسي.

ولم تنفع محاولات قام بها ميقاتي لاعادة وصل ما انقطع مع بري رغم ان ميقاتي قال له ان "اثنين فقط يهمني رأيهما ويهمني رضاهما هما شقيقي الأكبر طه وأنت".

و"صدمة" بري من تحالف الوسط الموعود ان ينمو ويزدهر تكررت ايضاً مع الرئيس سليمان الذي كانت ذروة خروجه من الخيار الوسطي في خطابه ما قبل الاخير وموقفه "المنحاز ضد المقاومة وسلاحها ودورها".

وعلى رغم ان سليمان بادر بعد كل خطاب الى ارسال موفدين الى بري لتوضيح الصورة وتبرير هذا الفعل، الا ان ذلك لم يبدل من نقزة بري ومن اقتناعه بأن الرئيس الذي أتى الى رأس هرم السلطة توافقياً، قد اختار ان يمضي السنة الأخيرة من ولايته بصفة أخرى على طرف نقيض، وبالتالي فخطوط التواصل معه صارت شبه مقطوعة والفرصة لم تعد كافية لاعادة ترميمها.

ومن البديهي ان بري صار على اقتناع في الوقت عينه بأن خطوط التواصل الدقيقة والموسمية مع اركان فريق تيار "المستقبل" والتي كان ينتظر دوماً فرصة لتمتينها وتحويلها الى طريق معبد على نحو يعزز موقعه التفاوضي، قد أصيبت بضربة كبرى خصوصاً بعد ردة الفعل البالغة السلبية التي سمعها بري من أركان هذا الفريق ورموزه رداً على الدعوة التي أرادها مدوية ومهمة، والتي وجّهها الى الرئيس سعد الحريري للعودة الى لبنان تمهيداً لبحث موضوع عودته الى رئاسة الحكومة. في ذلك الحين ذكر مقربون من بري ان الرجل صار مقتنعاً بأن الصمت والانكفاء عن الفعل بات أجدى لأن العقل السياسي الراجح الذي يترك فرصاً لأدق الاحتمالات قد انتهى.

انه إذاً ليس زمن رجال مثل بري وجنبلاط، وبالتالي الأوضاع متروكة لحسابات اكبر واعقد ولصراعات تتجاوز الحدود وتتجاوزهما!
2013-08-28