ارشيف من :أخبار لبنانية
حدود «العدوان» على سوريا والردّ المحتمل
غسان جواد - جريدة "الجمهورية"
يبدو انّ الولايات المتحدة قد حسمت أمرها بتوجيه ضربات عسكرية «محدودة» ضدّ اهداف في سوريا. ومن دون استغراق في النقاش والتفاصيل، فإنّ الدول الكبرى لا تحتاج الى مبررات لمثل هذه الضربات، فثمّة نزاع عالمي متعدد الوجوه في سوريا، والضربة المتوقعة تبقى في الاطار العام لهذا النزاع، والحديث السياسي يبدأ في اليوم التالي.
بعد سقوط "القصير" إندفع الجيش السوري بقوة وبمساعدة الحلفاء الى تحرير بقية أحياء حمص وريف دمشق في الغوطة الشرقية والإستعداد لمعركة حلب. يومها رفعت واشنطن اوّل "بطاقة حمراء" امام هذه الاندفاعة، ولوّحت بـ "الكيماوي"، ثم جاء القرار بزيادة تسليح المعارضة السورية بأسلحة قاتلة.
أراد الاميركيون وقفَ تقدم الجيش السوري على الارض، تمهيداً لمؤتمر "جنيف ـ 2" والتسوية السياسية. طلبت واشنطن من الروس مباشرة، ووجهت رسائل عدة مفادها "لا تحرجونا"، و"أوقفوا الاعمال العسكرية على الارض"، وكان الجواب السوري ـ الإيراني باستكمال العمليات العسكرية والتحضير لاستعادة حلب.
في هذه الاثناء كانت "الغوطة" تتآكل يومياً بفعل ضربات الجيش السوري، وهي منطقة استراتيجية تحدّ ثلاث دول هي الاردن ولبنان والعراق. بدا أنّ باب الحلّ السياسي قد أُقفل، وأنّ دمشق وحلفاءها مصرون على استعادة "الارض" وفرض وقائع ميدانية تجري ترجمتها في ايّ تسوية سياسية.
تعثّر "الحل السياسي"، وفجأة خرجت "الصور" التي قيل إنها لضحايا الاسلحة الكيماوية وسارعت واشنطن وحلفاؤها معها الى تحميل النظام مسؤولية محاولة ابتزازه ومنعه من استكمال ما بدأه على الارض.
لكنّ كل المحاولات باءت بالفشل وخرج وزير الخارجية وليد المعلم منذ يومين ليقول: "نحن مستمرون في عملياتنا العسكرية ضدّ المسلحين على رغم احتمال حدوث ضربة ضدنا"، ما يؤكد أنّ دمشق تعرف اسباب الضربة واهدافها واحتمالاتها، وتعرف ماذا في اليوم التالي.
في الموازاة كانت تطرح على القيادة السورية افكار تحضيراً لـ"جنيف ـ 2". الإصرار السوري على رفض وقف العمليات العسكرية والذهاب الى التسوية بشروط، وعروض واشنطن والحلفاء هو جزء وافر من اهداف الضربة المحتملة.
وكل العروض التي طرحت اعتبرت دمشق أنها "تفرغ النظام" من مضمونه، بحيث يتحوّل تدريجاً ليصبح شبيهاً بالنظام اللبناني الذي أرساه "اتفاق الطائف". الرئيس بشار الاسد الذي صمد ويقاتل منذ سنتين ونصف، ليس في وارد القبول بتسويات تطيحه تدريجاً خارج اطار "الحلّ السوري" الذي كان قد طرحه.
أُقفل باب الحلّ السياسي والتسوية بشروط الغرب والخليج وتركيا، والجيش السوري يحقق تقدماً استراتيجياً على معظم الجبهات، سقطت على هذا المشهد فجأة قضية "الكيماوي" وتمّ تسريب احتمال تسديد ضربة عسكرية يبدو حتى الآن انّ هدفها هو دفع النظام نحو "تسوية سياسية" بلا شروط، وذلك من خلال إعادة التوازن العسكري والميداني بينه وبين المسلحين من حلفاء واشنطن ودول الخليج.
في دمشق ثمّة كلام عن ردّ سوري جاهز على ايّ اعتداء. وطالما انّ واشنطن تعمل لتعزيز وضع المسلحين على الارض من خلال الضربة، فالقرار المتخَذ هو تسديد مزيد من الضربات النوعية ضدّهم واستكمال العمليات العسكرية بنحو أكبر وأوسع.
أما الاحتمال الثاني الأضعف فهو رهن الضربة وحجمها. وفي المعلومات انّ لدى دمشق وحلفائها "خطوطاً حمر" لن يجري التسامح حيالها، وهنا قد تكون اسرائيل هدفاً للصواريخ السورية رداً على العدوان. لا أحد في دمشق يعتقد أنّ العدوان الجوّي والصاروخي سيغيّر كثيراً من المعادلات.
بعض المسؤولين السوريين يقول إنّ المعركة قد تظلّ في سياقاتها ضمن الحدود السورية إذا لم يتم توجيه ضربات مؤذية او عمليات تهدف لإسقاط النظام. والأهداف المتوقعة باتت محصّنة وجرت تغييرات ميدانية سريعة للسلاح الإستراتيجي السوري الذي قد يكون عرضة للإستهداف.
الضربة العسكرية الاميركية لسوريا، اذا حصلت، ستكون حرب "تحريك" التسوية السياسية لإنضاج ظروف "مؤاتية" لعقد "جنيف ـ 2". ولن تكون معركة إسقاط النظام. ولكن هذا لا يعني أنّ الامور لن تخرج عن السيطرة. الحروب الكبرى بدأت بشرارة صغيرة، والمنطقة تغلي والعالم لم يعد كما كان أيام احتلال افغانستان والعراق... وسوريا ليست وحدها في هذا العالم.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018