ارشيف من :أخبار لبنانية

تفاءلوا ولكن... بغباء

 تفاءلوا ولكن... بغباء
نبيه برجي-"الديار"
 
بتفاؤل منقطع النظير يقول لنا قطب في قوى 14 أذار ان ساعة رحيل بشار الاسد قد ازفت. ايام واسابيع ويسدل الستار على نظام دام اكثر من اربعة عقود لتولد سوريا الجديدة ومعها لبنان الجديد..

واثقا وضاحكاً وشامتاً ايضا يضيف «الآن، لا نتحدث عن مصير مدينة القصير، بل عن مصير سوريا، وعن مصير لبنان، بل عن مصير الشرق الاوسط بأكمله»، ملاحظاً ان الايرانيين لن يستدرجوا الاميركيين الى حرب ضدهم وتقضي على نظام آيات الله، كما ان «حزب الله» لن يستدرج الاسرائيليين الى حرب ضده، وهو الذي يعاني من كل اشكال الحصار...

جراحة صاروخية صاعقة وتأخذ الازمة في لبنان منحى آخر بعد انهيار المعادلة الراهنة، اذ لن يكون امام قوى 8 اذار الا ان ترفع الرايات البيضاء لتتفتت تدريجاً او لتزول من الوجود. حينذاك تتشكل حكومة برئاسة خالد ضاهر، وينتخب رئيس للجمهورية من فريق 14 اذار، مع احداث تغييرات جذرية في القيادات العسكرية والامنية، وبالطبع اجراء انتخابات نيابية للاتيان بمجلس جديد، ومختلف تماماً، يطيح الرئيس نبيه بري الذي يفترض ان يرحل مع رحيل الرئيس السوري بشار الاسد...

ولأن القطب إياه متفائل جداً، فهو يعتبر ان مصير سلاح «حزب الله» ومقاتليه سيكون مماثلاً لمصير سلاح منظمة التحرير الفلسطينية ومقاتليها لدى الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. وهو لا يتورع عن وصف الكلمة الاخيرة لرئيس الجمهورية ميشال سليمان يوم السبت الفائت بأنها اقرب ما تكون الى العظة التي يلقيها الكهنة، بعد قداس الاحد، فلن تكون هناك حكومة المنتصرين والمهزومين قط، بل انها حكومة المنتصرين وحدهم...

وحين نسأله ما اذا كان هذا السياق سيفضي الى ازالة الخط الازرق، وبناء الهيكل الثالث بخشب الارز، يعتبر ان سقوط النظام السوري يعني ان نظاما اقليمياً سينشأ، حتماً، في المنطقة وتندرج في اطاره الصيغة الخاصة باقامة الدولة الفلسطينية (اين؟)، وبالتالي انهاء الصراع الذي في نظره كان عبارة عن كوميديا سوداء وهرمت كثيراً ويفترض ان توارى الثرى...

ايضاً، باللهجة الواثقة إياها يقول «اننا مستعدون لاخراج «حزب الله» من المأزق الذي يتخبط فيه، وهو الذي آثر، وبالرغم من كل النصائح وبالرغم من كل الدعوات، ان يزج نفسه في آتون الازمة السورية، وكان يفترض فيه ان يدرك المال الذي ستنتهي اليه الازمة». غير ان القطب يستدرك قائلا انه في ضوء الوضع الجديد الذي سيتبلور سورياً ولبنانياً واقليمياً لن يكون هناك مكان، ولا مبرر، لبقاء الحزب لانه صنع لمهمة معينة، وفي اطار لعبة معينة. اما الآن، والامور تمضي في اتجاه آخر، ومناقض كليا، فإلى اين ستوجه صواريخ «حزب الله»؟

بهذه البساطة، وبهذه الثقة بالنفس، تجري صياغة المشهد، كما لو ان ديفيد شيد، نائب رئيس استخبارات وزارة الدفاع الاميركية، لم يتحدث عن وجود 1200 فصيل مسلح في سوريا، وما من قوة تستطيع دمجها في مؤسسة واحدة، وكما لو ان زبغنيو بريجنسكي لم يحذر من «جاذبية الادغال»، وبالتالي من الانزلاق من الثقافة الامبراطورية الى ثقافة القبيلة، معتبرا ان الصراع الراهن في المنطقة العربية انما هو استعادة ميكانيكية لجدلية الثأر والاستئثار. «هذا لا يليق البتة بأميركا»!

واذا كنا قد عدنا اكثر من مرة الى عبارة كيسنجر «ازمة الشرق الاوسط ولدت مع الازل وتموت مع الازل»، فإن مفكرين فرنسيين يستغربون «غوغائية» وزير خارجيتهم لوران فابيوس الذي تحول من اليهودية الى الكاثوليكية علّ ذلك يدفع به الى الاليزيه، والذي يتصرف كما لو انه يعيش في بلاط لويس الرابع عشر، ويعتبرون ان الساحة السورية ترتبط عضويا، واستراتيجياً، بملفات اقليمية ودولية شديدة الحساسية.

ولهذا، فهم يبدون خشيتهم، وبينهم وزير الخارجية الاسبق ايرفيه دو شاريت، من ان يكون التصعيد العشوائي، او المبرمج، للمواقف يمكن ان يفضي الى اندلاع حرب لا تبقي ولا تذر...

التفاؤل والحال هذه، هو الوجه الاخر للغباء، فلبنان تحول الى غابة لاجهزة الاستخبارات التي يتقاطع بعضها تكتيكياً، على الاقل، مع تنظيم «القاعدة» ومشتقاتها التي يقول ديفيد اغناثيوس انها تناسلت على نحو يثير الكثير من الشكوك. والمرحلة الراهنة هي من الدقة بحيث يعيدنا الدم الذي اهرق في الضاحية وفي طرابلس (والجثث المتفحمة هنا وهناك ماثلة امامنا) الى الحد الادنى من الوعي والتخلي عن ثقافة الضوضاء، بل وعن ثقافة الرعاع (اذا كنتم قد تابعتم التصريحات المخجلة)...

لا مجال لسياسة التوتسي والهوتو، لا بل ان آخر المعلومات تقول ان ثمة شيوخاً من هذا الكونسورتيوم القبلي وذاك يلتقون الآن، ويتحادثون، من اجل صياغة اطار جديد للعلاقات. على الاقل نتمثل بالتوتسي والهوتو ونلتقي. لكننا رهائن الخنادق مثلما نحن رهائن القبور. تفاءلوا...

 
2013-08-29