ارشيف من :أخبار لبنانية

مدخل «الكيماوي» مقدّمة لمشروع كامل

مدخل «الكيماوي» مقدّمة لمشروع كامل

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

باتَ واضحاً أنّ التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية حسم قرار توجيه ضربة عسكرية تطاول النظام السوري. إلّا أنّ هذا التحالف وضَع سقفاً لضربته العسكرية حدوده عدم إسقاط النظام، ما يعني ضمناً أنّ هدف الضربة تدمير بعض أوراق القوّة لدى الجيش السوري الذي يشكّل الذراع القوية لحماية النظام.

وفي هذا الإطار، عُلِم أنّ أميركا ستتولى الهجوم بالصواريخ من البحر، فيما ستنفّذ بريطانيا وفرنسا ضربة جوية، ستكون فجائية وشجاعة، وذلك انطلاقاً من الأراضي التركية، من دون استخدام أراضي الاردن. وفي الوقت نفسه، تتخوّف الدول الغربية من نزوح نصف مليون الى مليون سوري في اتجاه لبنان.

لكنّ الأهمّ، هو الوظيفة المطلوبة من هذه الضربة والتي تتوزّع على مستويات عدة، منها:

أوّلاً: إستهداف كامل المخزون الكيماوي للنظام السوري، الذي أصبح في عهدة المعارضة، حيث تؤكّد الأوساط الديبلوماسية الغربية أنّ سوريا تُعتبر البلد الاوّل في المنطقة لناحية المخزون الكيماوي.

واهتمَّت العواصم الغربية كثيراً بهذا الموضوع منذ اندلاع الحرب في سوريا، بعد ورود معلومات عن تسرِّب هذا السلاح الى أيدي تنظيمات إسلامية متشدّدة قادرة على استخدامه لاحقاً في عمليات إرهابية ضد المجتمعات الغربية، أو حتى احتمال انتقال هذا السلاح الى تنظيمات موالية مثل "حزب الله" في لبنان، ما يُعزّز قدرته على تهديد المدن الاسرائيلية.

لذلك طلبت السفيرة الاميركية السابقة في لبنان مورا كونيللي خلال الصيف الماضي مواعيد عاجلة من كبار المسؤولين اللبنانيين على مختلف توجّهاتهم، وحملت إليهم سؤالاً واحداً يُقلق إدارتها: هل تملك السلطات اللبنانية القدرة على مراقبة الحدود اللبنانية - السورية، ومعرفة هل جرى تهريب هذا السلاح الى داخل لبنان، إن إلى "حزب الله"، أو إلى بعض التنظيمات الأصولية المتطرفة، بعدما غنمت التنظيمات الإسلامية التي تقاتل في سوريا بعض مخازن الجيش السوري التي تحوي سلاحاً كيماوياً؟ لكنّ الجواب اللبناني صدم كونيللي: ليس للبنان أيّ قدرة على مراقبة حدوده بالكامل.

في هذا الإطار، تجدر الإشارة الى القوّة الاميركية (نحو ألف رجل) التي تمركزت شمال الاردن والمتخصّصة بمراقبة هذا السلاح ووضع الخطط للتدخّل والسيطرة عليه عندما تدعو الحاجة، مع الإشارة الى أنّ الضربة العسكرية ستطاول مخازن الكيماوي الموجودة أيضاً لدى التنظيمات المتطرّفة.

ثانياً: أن تشمل الضربة العسكرية بعض المواقع العسكرية المهمّة للنظام، مثل الفرقة الرابعة أو الموانئ العسكرية الجوّية، ما يُبدّد الطموح الموجود لديه بتوجيه ضربة عسكرية قاضية الى المعارضة في حلب تزيحها نهائياً عن المسرح.

فالنظام كان باشرَ عملية عسكرية للسيطرة على ريف دمشق ثمّ درعا، وكان يُنجز تحضيراته وخططه للسيطرة على حلب بالتعاون مع إيران ومباركة روسيا، وذلك خلال بضعة أشهر، على أن تنتهي معركة حلب قبل الاستحقاق الرئاسي السوري في حزيران 2014، ما يُثبِّت واقع التجديد للأسد لولاية جديدة.

ثالثاً: أن تؤدّي الضربة العسكرية إلى تليين تصلّب النظام تجاه تسوية سياسية تضمّ المعارضة السورية، والتي باتت تُعرف بـ"الطائف السوري"، أي إشراك هذه المعارضة في الحكومة من خلال إعطائها الحقائب الإنمائية والاقتصادية، على أن تبقى الحقائب الأمنية، اضافة الى حقيبة الخارجية، في يد المحسوبين على النظام، وأن يكون خليفة الأسد في رئاسة الجمهورية أحد كبار المسؤولين في النظام الحالي، والأهم ان يكون من ابناء الطائفة العلوية.

وتردَّد أنّ مساعد الأمين العام للأمم المتحدة السفير جيفري فيلتمان أفصَح عن بعض هذه الأفكار خلال جولته الاخيرة على المنطقة، التي شملت طهران، ما يعني حماسة واشنطن لهذا الحلّ من خلال إلباسه لبوس الامم المتحدة. والأهم أنّ كلّ ذلك يجري في موازاة إحداث تقدّم في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية.

وهذا ما يستدعي السؤال البديهي: ما هي حقيقة ما جرى في "الغوطة"؟ وهل يقف النظام فعلاً وراء إطلاق غاز السارين، أم أنّ التحضير الكامل لمرحلة ما بعد الضربة العسكرية الغربيّة ضدّ النظام يحمل في طيّاته المنطقية أصابع الاتّهام لسيناريو ما، رُتِّب على غرار حرب العراق عام 2003!
في المعلومات المتداولة على نطاق ضيّق في الكواليس الديبلوماسية، الكثير من الالتباس والشكوك، وخصوصاً أنّ هذه المعلومات تشير إلى عدم وجود دليل واحد حتى الآن يدين النظام السوري بوضوح. وهذا ما يطرح علامة استفهام كبرى حيال كلّ ما يجري.

فالخبراء الفرنسيّون والبريطانيون الذين قصدوا تركيا والأردن الأحد الماضي لوضع تقاريرهم العلمية عمّا حدث، أرسلوا صورة مشوّشة. ذلك أنّ التقارير التي وزّعت على العواصم الاوروبية، أشارت الى استخدام السلاح الكيماوي، ما أدّى إلى موت 302 من المدنيّين السوريّين، وليس 1300 كما تردّد بداية في وسائل الإعلام. وأوضحت التقارير أنّ المادة المستعملة تعتبر بمثابة سلاح بدائي جرى تركيبه محلّياً، وليست السلاح الفعلي المستورد من الخارج والذي يُعتبر قاتلاً على نطاق واسع وخطيراً جداً.

أمّا الجهة التي أطلقت هذا السلاح، فهي تنظيم إسلاميّ يقاتل الى جانب المعارضة، وقد أكّدت شهادات المصابين هذه المعلومات، وهو ما استند اليه وزير الخارجية السوري وليد المعلم حين تحدّى العواصم الغربية إبراز دليل واحد يدين حكومته، وكذلك فعلت موسكو.

وأضافت هذه التقارير أنّ التنظيمات الإسلامية المتطرّفة سيطرت على بعض مخازن الكيماوي الموجودة في عهدة الجيش السوري، فيما صنّع بعضها الآخر سلاحاً بدائيّاً، وهو ما استُعمل في الغوطة، وقبلها في حلب.

لكنّ هذه التقارير أكّدت أنّ النظام السوري، وفي ضوء ما حصل في حلب، "اشترى" بعض المقاتلين الاسلاميين، وطلب منهم تنفيذ العملية، ليُبعد الشبهة عنه. وهذا التفسير الغربي يحمل الكثير من التأويل، على رغم تأكيد العواصم الغربية بدِقة معلوماتها الاستخباراتية في هذا الخصوص.

المهم، أنّ البعض يبني مشروعاً سياسياً كاملاً يلي الضربة العسكرية، ويشمل لبنان من خلال فرض ولادة حكومة جديدة تضمّ وجوهاً حزبية من "حزب الله" (إذا أراد ذلك)، ولكن من دون مَنحِه الثلث المعطل، في وقت يبني فيه البعض أحلاماً حول الاستحقاق الرئاسي.

ربّما تكون الصورة مشوَّشة بعض الشيء، إذا استَثنينا مستوى ردّة الفعل الإيرانية، والأهم حقيقة الموقف الروسي، حيث لم تجلِ موسكو بعد خبراءَها الذين يتمركزون في دوائر القرار العسكري في كلّ أنحاء سوريا.
2013-08-29