ارشيف من :أخبار لبنانية
هل يغلق لبنان أجواءه في وجه الصواريخ الأميركية؟
ايلي الفرزلي-"السفير"
لا أحد يشك في أن ما يجري في المنطقة هو أكبر من قدرة لبنان على الاحتمال أو حتى على التخيل. مع ذلك، فإن أحداً من اللاعبين الكبار في العالم والمنطقة لا يتردد في استعماله، سياسياً وأمنياً، كلما اقتضت الحاجة.
منذ نحو ثلاث سنوات لا يُنظر إلى لبنان إلا من زاوية تشابكه جغرافياً واجتماعياً مع سوريا وأزمتها، وخاصة قضية النازحين، فضلا عن دور «حزب الله» في السنة الأخيرة من عمر الأزمة السورية.
لاستقالة الحكومة منذ نحو خمسة أشهر أسبابها الموجبة خارجياً، ولتكليف تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة أيضاً تفسيره الذي يتخطى لبنان. حتى إطالة أمد فترة تصريف الأعمال هي قرار خارجي. في كل الحالات، يبقى العامل السوري حاسما في قرار تحريك البيادق اللبنانية، في ظل رهان سعودي على «عمارة لبنانية جديدة» بعد سقوط النظام السوري.
في السياسة، اعتاد اللبنانيون على عدم التمييز بين وجود حكومة من عدمه، وجود رئيس جمهورية من عدمه، وطبعاً لم يعودوا يكترثون إذا اجتمع مجلس النواب أو لم يجتمع. صار الأمن الهاجس الأساس.
وبالرغم من الأحداث المتفرقة شمالاً وجنوباً وبقاعاً، إلا ان محدودية رقعتها جعلت الناس تطمئن إلى أن المعركة لا تزال مضبوطة، خاصة أن ثمة من يهمس في آذانها يومياً بأن «المظلة الدولية لا تزال ضامنة للاستقرار».
كل شيء تغير منذ أشهر. والمظلة التي كانت تقي لبنان اهتزت في المرة الأولى عبر صاروخين «ناعمين» وصلا إلى منطقة الشياح. بعد ذلك توالت الضربات وحصدت عشرات الشهداء بين الضاحية الجنوبية لبيروت وطرابلس.
لم يشك أحد في أن هذا التدهور الأمني مرتبط بشكل وثيق بالأزمة السورية. بشكل أدق، لا يتردد البعض في الجزم بأن وقائع الأرض السورية، منذ معركة القصير، أفضت إلى هذا «التغيير» في لبنان.
لم يكن غريباً أن يبقى لبنان الرسمي متفرجاً. الكلمة السحرية، التي أضحكت رئيس الوزراء القطري يوماً، زاد سحرها. وبالرغم من أن «النأي بالنفس» غدا بلا طعم أو لون، فقد تحول إلى تعويذة أساسية في «إعلان بعبدا»، الذي يتمسك به رئيس الجهورية وحده.
تغيير الوقائع على الأرض لم ينعكس على لبنان فحسب. تشكلت جبهة دولية بقيادة أميركية مهمتها تأديب النظام السوري على فعل لم تتأكد الأمم المتحدة من فاعله بعد.
لبنانياً، هذا يعني المزيد من التعقيد وخلط الأوراق. ومع ذلك، فإن لبنان الرسمي ظل على ثباته. لا شيء يستدعي الاستنفار. اجتماع يتيم بحث بشكل خاص إمكان زيادة أعداد النازحين نتيجة الضربة. وكما لو أن سوريا تقع في قارة أخرى، اكتفت القيادات الرسمية بإعلان رفضها التدخل العسكري الخارجي فيها. موقف أخلاقي يريح الضمير ولا يحرج صاحبه. ولأن الزعماء اللبنانيين غارقون في الواقعية، أعادوا تعزيز مبدأ النأي بالنفس.. هذه المرة عن الضربة الأميركية، أو عن الدخول على خط الصواريخ التي تعبر فوق لبنان لتنال من دمشق. كان الهم ألا يتدخل «حزب الله»، فأرسلت له أكثر من رسالة بهذا الصدد.
لم يقل أحد ماذا يبقى من النأي بالنفس المهشم أصلاً إن عبرت الصواريخ الأميركية أجواء لبنان. كما لم يعلن أحد أي موقف من خرق نظري محتمل كهذا لسيادته حتى الآن.
لا نقاش في أن أي آلية عسكرية تريد أن تعبر الأجواء اللبنانية بحاجة إلى إذن مسبق. هذا ما حصل مؤخراً عندما طلبت الأمم المتحدة أن تمر طائراتها فوق لبنان أثناء تبديل عدد من الفرق في الجولان.
وإذا كان وزير الأشغال غازي العريضي يؤكد لـ«السفير» أن لبنان لم يستلم أي طلب من الأميركيين أو غيرهم حتى الآن، فإنه يؤكد أنه في حينها يبنى على الشيء مقتضاه، بحسب القوانين والأنظمة المرعية.
عندما رفض الأردن، حليف أميركا وإسرائيل أن تستعمل أراضيه في أي ضربة لسوريا، لم ينتظر أن يحصل على طلب رسمي... إنما أعلن الموقف الذي يتناسب مع مصالحه العليا. وإذا كان وزير الخارجية عدنان منصور يؤكد لـ«السفير» أن «بلدنا لا يمكن أن يغطّي أيّ عدوان ضدّ أيّ بلد عربي شقيق كما ضدّ أيّ بلد في العالم»، فإن موقفه الذي يمثل موقف الجمهورية اللبنانية، بحسب قوله، لا يمكن أن يتحول إلى أمر واقع، إذا لم يعلن رئيسا الجهورية والحكومة (في ظل حكومة تصريف الأعمال) رفضهما المسبق استعمال أجوائه في أي عمل عسكري بأي شكل من الأشكال.
ويجزم خبير عسكري يفضل عدم الكشف عن اسمه، بأن التعبير العملي الوحيد عن رفض الضربة على سوريا يتجلى في إعلان أجواء الجمهورية اللبنانية مغلقة في وجه الطائرات الحربية والصواريخ ووسائل الاستكشاف والاستطلاع والأقمار الصناعية. ويضيف «أي أمر آخر يعني أن لبنان يشارك في التحالف الدولي لضرب سوريا».
يؤكد الخبير نفسه أن إغلاق الأجواء لا يندرج ضمن خانة التحدي لدولة عظمى كالولايات المتحدة أو إعلان الحرب عليها، «إنما يعبر عن أبسط حقوق البلاد المعترف بسيادتها في الأمم المتحدة. صحيح أن الولايات المتحدة قد لا تهتم بموقف لبنان إذا ما وجدت أن ذلك يعيق خططتها، إلا انه يحق له بالمقابل أن يرفع شكوى إلى الأمم المتحدة بسبب خرق أجوائه، تماماً كما يفعل مع إسرائيل. أما الحديث عن فارق بين دولة عدو ودولة صديقة، فذلك لا يستوي في ظل رفض لبنان للضربة، إلا إذا كان مسؤولوه يعلنون أمراً ويضمرون آخر».
لا أحد يشك في أن ما يجري في المنطقة هو أكبر من قدرة لبنان على الاحتمال أو حتى على التخيل. مع ذلك، فإن أحداً من اللاعبين الكبار في العالم والمنطقة لا يتردد في استعماله، سياسياً وأمنياً، كلما اقتضت الحاجة.
منذ نحو ثلاث سنوات لا يُنظر إلى لبنان إلا من زاوية تشابكه جغرافياً واجتماعياً مع سوريا وأزمتها، وخاصة قضية النازحين، فضلا عن دور «حزب الله» في السنة الأخيرة من عمر الأزمة السورية.
لاستقالة الحكومة منذ نحو خمسة أشهر أسبابها الموجبة خارجياً، ولتكليف تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة أيضاً تفسيره الذي يتخطى لبنان. حتى إطالة أمد فترة تصريف الأعمال هي قرار خارجي. في كل الحالات، يبقى العامل السوري حاسما في قرار تحريك البيادق اللبنانية، في ظل رهان سعودي على «عمارة لبنانية جديدة» بعد سقوط النظام السوري.
في السياسة، اعتاد اللبنانيون على عدم التمييز بين وجود حكومة من عدمه، وجود رئيس جمهورية من عدمه، وطبعاً لم يعودوا يكترثون إذا اجتمع مجلس النواب أو لم يجتمع. صار الأمن الهاجس الأساس.
وبالرغم من الأحداث المتفرقة شمالاً وجنوباً وبقاعاً، إلا ان محدودية رقعتها جعلت الناس تطمئن إلى أن المعركة لا تزال مضبوطة، خاصة أن ثمة من يهمس في آذانها يومياً بأن «المظلة الدولية لا تزال ضامنة للاستقرار».
كل شيء تغير منذ أشهر. والمظلة التي كانت تقي لبنان اهتزت في المرة الأولى عبر صاروخين «ناعمين» وصلا إلى منطقة الشياح. بعد ذلك توالت الضربات وحصدت عشرات الشهداء بين الضاحية الجنوبية لبيروت وطرابلس.
لم يشك أحد في أن هذا التدهور الأمني مرتبط بشكل وثيق بالأزمة السورية. بشكل أدق، لا يتردد البعض في الجزم بأن وقائع الأرض السورية، منذ معركة القصير، أفضت إلى هذا «التغيير» في لبنان.
لم يكن غريباً أن يبقى لبنان الرسمي متفرجاً. الكلمة السحرية، التي أضحكت رئيس الوزراء القطري يوماً، زاد سحرها. وبالرغم من أن «النأي بالنفس» غدا بلا طعم أو لون، فقد تحول إلى تعويذة أساسية في «إعلان بعبدا»، الذي يتمسك به رئيس الجهورية وحده.
تغيير الوقائع على الأرض لم ينعكس على لبنان فحسب. تشكلت جبهة دولية بقيادة أميركية مهمتها تأديب النظام السوري على فعل لم تتأكد الأمم المتحدة من فاعله بعد.
لبنانياً، هذا يعني المزيد من التعقيد وخلط الأوراق. ومع ذلك، فإن لبنان الرسمي ظل على ثباته. لا شيء يستدعي الاستنفار. اجتماع يتيم بحث بشكل خاص إمكان زيادة أعداد النازحين نتيجة الضربة. وكما لو أن سوريا تقع في قارة أخرى، اكتفت القيادات الرسمية بإعلان رفضها التدخل العسكري الخارجي فيها. موقف أخلاقي يريح الضمير ولا يحرج صاحبه. ولأن الزعماء اللبنانيين غارقون في الواقعية، أعادوا تعزيز مبدأ النأي بالنفس.. هذه المرة عن الضربة الأميركية، أو عن الدخول على خط الصواريخ التي تعبر فوق لبنان لتنال من دمشق. كان الهم ألا يتدخل «حزب الله»، فأرسلت له أكثر من رسالة بهذا الصدد.
لم يقل أحد ماذا يبقى من النأي بالنفس المهشم أصلاً إن عبرت الصواريخ الأميركية أجواء لبنان. كما لم يعلن أحد أي موقف من خرق نظري محتمل كهذا لسيادته حتى الآن.
لا نقاش في أن أي آلية عسكرية تريد أن تعبر الأجواء اللبنانية بحاجة إلى إذن مسبق. هذا ما حصل مؤخراً عندما طلبت الأمم المتحدة أن تمر طائراتها فوق لبنان أثناء تبديل عدد من الفرق في الجولان.
وإذا كان وزير الأشغال غازي العريضي يؤكد لـ«السفير» أن لبنان لم يستلم أي طلب من الأميركيين أو غيرهم حتى الآن، فإنه يؤكد أنه في حينها يبنى على الشيء مقتضاه، بحسب القوانين والأنظمة المرعية.
عندما رفض الأردن، حليف أميركا وإسرائيل أن تستعمل أراضيه في أي ضربة لسوريا، لم ينتظر أن يحصل على طلب رسمي... إنما أعلن الموقف الذي يتناسب مع مصالحه العليا. وإذا كان وزير الخارجية عدنان منصور يؤكد لـ«السفير» أن «بلدنا لا يمكن أن يغطّي أيّ عدوان ضدّ أيّ بلد عربي شقيق كما ضدّ أيّ بلد في العالم»، فإن موقفه الذي يمثل موقف الجمهورية اللبنانية، بحسب قوله، لا يمكن أن يتحول إلى أمر واقع، إذا لم يعلن رئيسا الجهورية والحكومة (في ظل حكومة تصريف الأعمال) رفضهما المسبق استعمال أجوائه في أي عمل عسكري بأي شكل من الأشكال.
ويجزم خبير عسكري يفضل عدم الكشف عن اسمه، بأن التعبير العملي الوحيد عن رفض الضربة على سوريا يتجلى في إعلان أجواء الجمهورية اللبنانية مغلقة في وجه الطائرات الحربية والصواريخ ووسائل الاستكشاف والاستطلاع والأقمار الصناعية. ويضيف «أي أمر آخر يعني أن لبنان يشارك في التحالف الدولي لضرب سوريا».
يؤكد الخبير نفسه أن إغلاق الأجواء لا يندرج ضمن خانة التحدي لدولة عظمى كالولايات المتحدة أو إعلان الحرب عليها، «إنما يعبر عن أبسط حقوق البلاد المعترف بسيادتها في الأمم المتحدة. صحيح أن الولايات المتحدة قد لا تهتم بموقف لبنان إذا ما وجدت أن ذلك يعيق خططتها، إلا انه يحق له بالمقابل أن يرفع شكوى إلى الأمم المتحدة بسبب خرق أجوائه، تماماً كما يفعل مع إسرائيل. أما الحديث عن فارق بين دولة عدو ودولة صديقة، فذلك لا يستوي في ظل رفض لبنان للضربة، إلا إذا كان مسؤولوه يعلنون أمراً ويضمرون آخر».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018