ارشيف من :أخبار لبنانية

الضربة «المحدودة» مؤجّلة وكذلك الردّ المفتوح

الضربة «المحدودة» مؤجّلة وكذلك الردّ المفتوح
عصام نعمان-"البناء"

النظر الى الوضع في المنطقة بمنظار ظاهر الحال يشير الى ان الضربة العسكرية الاميركية لسوريا واقعة لا محالة.

النظر الى الوضع بمنظار الخبراء والمحللين الإستراتيجيين ولا سيما الاميركيين منهم يشير الى ان الضربة العسكرية الاميركية سواء كانت محدودة او جراحية غير مجدية وأن الخيار الافضل للولايات المتحدة هو استمرار حرب الإستنزاف القائمة من دون الإنحياز المؤثر الى ايٍّ من طرفيها الرئيسين النظام والمعارضة المسلّحة إلاّ من اجل الحؤول دون غلبة احدهما على الآخر.

مؤشرات مبكّرة للضربة العسكرية المفترضة تجلّت في تصريحات لقادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وتركيا ومساعديهم وكلّها تتهم الحكومة السورية باستعمال قواتها اسلحة كيميائية في القتال وتتحدث عن ضرورة إتفاق المجتمع الدولي على «ردّ مناسب» على الهجوم الكيميائي المفترض.

الى ذلك نشرت اجهزة الاعلام العالمية اخباراً وصوراً وتحقيقات حول تحركات قوات وأساطيل وأسراب طائرات لدول أعضاء في حلف «الناتو» تشير الى خطوات جادّة جرى اتخاذها ويمكن ترجمتها الى وقائع ميدانية خلال ايام او ساعات.

اكثر من ذلك تحدّثت مصادر حضرت اجتماعاً بين مبعوثين غربيين و»الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» في اسطنبول عن ابلاغ القوى الغربية المعارضةَ السورية ان تتوقع توجيه ضربة لقوات النظام السوري في غضون ايام.

مصادر عسكرية وإستخبارية في عواصم حلف «الناتو» تحدثت عن اهداف محتملة للضربة المفترضة تركّزت في معظمها على مطارات ومقارّ قيادة ومخازن صواريخ. غير ان ما نُسب الى رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون كان الاكثر وضوحاً ودقّة بقوله إن الضربة تهدف الى تعطيل قدرة الحكومة السورية على استخدام الاسلحة الكيميائية من دون ان يعني ذلك بالضرورة ضرب مخازن هذه الاسلحة.

غير أن جدلاً واسعاً أثاره مبدأ التدخل العسكري كما جدوى الضربات المفترضة. المحلل العسكري المرموق كريستوفر هارمر شكّك في حديث لمجلة «فورن بوليسي» بجدوى الخطط الاميركية المتداولة. حذّر من ان تحركات تكتيكية في غياب اهداف استراتيجية تكون عادةً بلا فائدة . جزم بأن «عملية تأديبية هي الاكثر حماقة لأنه اذا بدأنا ضرب الاسلحة الكيميائية في سوريا سيكون الردّ المنطقي ان يبدأ الاسد توزيع اي اسلحة باقية في المستودعات على قواته إن لم يكن قد فعل ذلك اصلاً...وبذلك نكون قد تأخّرنا كثيراً على المعركة».

المحلل العسكري المحنّك في مركز «الدراسات الدولية والإستراتيجية» واشنطن انطوني كوردسمان شاطر هارمر التشكيك في جدوى الضربات الجراحية المفترضة بقوله ان «لا فرصة حقيقية في ان تتمكن الولايات المتحدة من تحديد مكان كل الممتلكات الاسلحة السورية وتدميرها من دون حملة جوية مكثفة وبعض القوات البرية. وحتى اذا لم يكن الاسد قد لجأ الى تشتيت جزء كبير من اسلحته في الاشهر الاخيرة لا تتمتع صورايخ كروز بتلك القدرة التدميرية».

هل ستردّ سوريا على الضربة المفترضة وكيف من مراجعة تحليلات خبراء ومعلّقين عسكريين ارى ان مبدأ الردّ وطبيعته ومداه يتوقف على حجم الضربة وان للهدف المستهدف بالضربة دوراً كبيراً في حسم مبدأ الردّ من عدمه.

يمكن تصنيف الاهداف السورية المراد ضربها ضمن ثلاث فئات :

الاولى تضم مراكز القيادة والسيطرة المركزية منها كما الفرعية.

الثانية تضم مخازن الاسلحة الكيميائية وآليات ووسائل استعمالها.

الثالثة القدرات والبنى التحتية الجوية من مطارات وطائرات ومخازن صواريخ.

اذا استهدفت الضربة المفترضة اهدافاً من الفئة الاولى فالارجح ان تستوعب سوريا الضربة من دون ان تجد نفسها مضطرة الى الردّ خارج مسارح العمليات في الداخل. السبب ؟ لأن لا اثر وازناً لمفاعيل الضربة على ميزان القوى العسكري. وقد حدث في الماضي ان استوعبت سوريا مفاعيل ضربات لأهداف مماثلة.

اذا استهدفت الضربة اهدافاً من الفئة الثانية فالارجح ان تردّ سوريا لكون الضربة موجعة ومن شأنها تلويث البيئة وتعريض حياة السكان وصحّتهم قرب المواقع المضروبة الى اخطار مميتة.

اذا استهدفت الضربة مواقع ومنشآت ومخازن اسلحة ضمن الفئة الثالثة فالاكيد ان تردّ سوريا لأن من شأن الضربة الإخلال بميزان القوى العسكري ليس مع المعارضة المسلّحة في الداخل فحسب بل مع «اسرائيل» ايضاً اذْ تؤدي الى تدمير قوة سوريا الجويّة وتعطيل قدرتها على استعمال المطارات لإستقبال شحنات الغذاء والدواء والاسلحة المرسلة إليها من حلفائها.

اين يُحتمل ان تردّ سوريا ؟ المنطق يقضي بأن يقوم الطرف المضروب بالرد على الطرف الضارب. لكن الطرف الضارب هو الولايات المتحدة البعيدة بموقعها الجغرافي واساطيلها البحرية وقواعدها العسكرية وهي ليست تالياً في متناول القدرات العسكرية السورية فضلاً عن عدم التكافؤ الفاقع في القدرات بين الطرفين. فهل يعني ذلك امتناع سوريا عن الرد ؟

ارى في ضوء هذه الواقعات والمعطيات ان سوريا ستجد نفسها مضطرة الى الردّ ليس على اميركا بل على حليفتها «اسرائيل». وكانت «اسرائيل» ارسلت وفداً امنياً رفيعاً الى واشنطن « لمناقشة آخر التطورات في منطقة الشرق الاوسط وخصوصاً في سوريا ومصر بما في ذلك مسألة الضربة الاميركية المرتقبة لسوريا وضرورة التنسيق بين الطرفين واحاطة قيادتها علماً بتوقيت الضربة بغية اتخاذ الإحتياطات اللازمة كما اعطاء «اسرائيل» حرية العمل في حال تعرضها لأي هجوم عسكري سوري» راجع مقالة المحلل العسكري يوسي يهوشواع في صحيفة «يديعوت أحرونوت» 27 8 2013 .

هل تستطيع سوريا الردّ على اميركا في «اسرائيل» ؟

موسكو تقول إنها تستطيع. فقد نقلت وكالة «انتر فاكس» عن مصدر عسكري روسي قوله إن اي تدخل غربي «لن يحقّق نصراً سهلاً لأن سوريا تمتلك ما يصل الى 10 بطاريات من نظام بوك-ام2 اي صواريخ متوسطة المدى مصمّمة لإعتراض صواريخ «كروز» والقنابل والطائرات من دون طيار». هذا ما تستطيعه سوريا بقواها الذاتية. لكن فعالية ردّها ستزداد اذا ما شاركها حزب الله الدفاع عن نفسه وعنها في اي مواجهة ضد «اسرائيل».

هل من جدوى للتدخل العسكري طالما انه ينطوي على كل هذه التعقيدات والمخاطر والحساسيات ؟

المحلل العسكري في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن وصاحب كتاب « الإستراتيجية: منطق الحرب والسلام» ادوارد لتفاك نشر مقالة في صحيفة « نيويورك تايمز» اظهر فيها حججاً دامغة ضد التدخل العسكري لكونه في غير مصلحة الولايات المتحدة. فهو يعتقد ان انتصار الاسد يعني إستمرار نظام الإستبداد وان إنتصار المعارضة التي باتت خاضعة لـِ تنظيم «القاعدة» يعني اقامة حكومة إسلامية متطرفة معادية للولايات المتحدة ولـِ «إسرائيل» وان الخيار الافضل بالنسبة للولايات المتحدة هو المزيد من الشيء نفسه اي إستمرار الوضع الحالي حيث يستنزف الطرفان نفسيهما و...البلد ايضا !

هل اصبح اوباما اكثر استعداداً للإستجابة الى منطق لتفاك وأمثاله بعد ان رفض مجلس العموم البريطاني دعوة كاميرون الى مشاركة الولايات المتحدة ضربتها المرتقبة لسوريا ؟

كلا. اوباما وعــد بأن تكون ضربته لسوريا «عملاً محدوداً وضيّقاً» ولكن ليس قبل الحصول على تفويض من الكونغرس.
أما سوريا والمقاومة فقد ثابرتا على الإلتزام بردّ مفتوح...
 
2013-09-02