ارشيف من :أخبار لبنانية
تناقضات أميركا
ميعاد الطائي - صحيفة الصباح العراقية
كان الهدف المعلن من الموقف الأميركي في القضية السورية منذ انطلاقها هو البحث عن مخرج للازمة بما يساهم في إقامة نظام ديمقراطي يضمن الحريات وحقوق الإنسان . وما يحصل اليوم من أحداث تصعيدية باتجاه التدخل العسكري يجعلنا نتساءل عن جدوى الضربة العسكرية في تحقيق الديمقراطية في سورية.
الحقيقة التي يعرفها الجميع هي ان الضربة العسكرية ستساهم في تعميق الصراع الداخلي في سورية وسيدفع الشعب السوري ضريبة جديدة في هذه الحرب كما دفع الشعب العراقي ضريبة الضربات الجوية التي تعرض لها العراق عام 1991 من قبل ذات الأطراف التي تتحمس اليوم لضرب سورية كشعب وبنية تحتية قبل ان تضرب النظام وقواته العسكرية .
ويعتقد البعض ان من أهم أهداف التدخل العسكري غير المعلنة هو إعادة التوازن الى المعركة على الأرض السورية بما يعيد سيطرة التنظيمات الإرهابية على زمام المبادرة وهذا يكلف الشعب السوري الكثير من التضحيات عبر الجرائم التي ترتكبها تلك التنظيمات بحق الأبرياء من جميع الطوائف السورية وممارستها للقتل والتهجير وفق الانتماءات الطائفية بما يزيد من معاناة المواطن السوري .
تشظيات الصراع السوري لن يتوقف عند الحدود فالفوضى المتوقعة بعد حدوث الضربة العسكرية ستطال جميع الدول المجاورة بعد ان أصبح الإرهاب عابرا للحدود وبعد امتلاكه للأسلحة الحديثة والدعم اللوجستي الذي تقدمه له الأطراف الإقليمية والدولية لتصبح المنطقة برمتها فوق فوهة البركان الطائفي الذي يمكن ان ينفجر في اية لحظة ليخسر الجميع باستثناء إسرائيل التي تسير الأمور لصالحها بعد ان تحول الصراع العربي الإسرائيلي الى صراع عربي عربي.
من خلال ما تقدم يمكننا القول بأن هناك أهدافا اكبر من تلك التي تعلنها أميركا والدول الداعمة للتنظيمات المسلحة واهم هذه الأهداف تغيير النظام السوري بآخر سلفي متطرف يكون حاضنة جيدة للإرهاب الذي سيكون قوة الشر في المنطقة وسيعمل على إفشال التجربة الديمقراطية في العراق وتطويق المقاومة الإسلامية في لبنان إضافة الى محاولة تطويق إيران والقضاء على حليف استراتيجي لها لاسيما وان سورية تعد مركز قوة إقليمية مواجهة لإسرائيل.
ولابد من الإشارة هنا الى ان من يريد ان يمنح الشعب السوري فرصة إقامة نظام ديمقراطي ومنحه حق تقرير المصير وبناء الدولة الديمقراطية ودولة حقوق الإنسان فعليه ان يبحث عن الحل السياسي والسلمي لان العنف لا يوّلد سوى المزيد من العنف والانتقام وان اي حل عسكري سيعمق الجراح بين مكونات الشعب السوري.
الموقف الأميركي يحمل الكثير من التناقضات فالحديث عن إمكانية توجيه الضربة العسكرية جاء قبل إعلان اللجنة التحقيقية عن نتائجها وتحديد الطرف المتسبب في الجريمة إضافة الى حقيقة مهمة أخرى وهي ان العذر في توجيه الضربة جاء انتقاما للادعاء بأن النظام قد استخدم الأسلحة الكيميائية وهذا يجعلنا نستذكر جرائم النظام البعثي الفاشي في قتل العراقيين في حلبجة و الاهوار بالأسلحة الكيميائية في ظل الصمت الأميركي والدولي والإقليمي لنكون أمام ازدواجية في المعايير والمفاهيم الإنسانية ويجعلنا ندرك بأن التدخل في الشأن السوري ليس بحثا عن مصالح الشعب بل تحقيقا لمصالح دول وأطراف دولية وإقليمية اتفقت على تنفيذ مشروع طائفي يمهد لانقسامات مجتمعية وحرب أهلية تجر المنطقة الى الهاوية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018