ارشيف من :أخبار عالمية

محور سوريا انتصر كيفما جاء الرصاص

محور سوريا انتصر كيفما جاء الرصاص

أجّلت الإدارة الأميركية تنفيذ عدوان عسكري كان يستهدف سوريا بانتظار ما ستؤول إليه مشاوراتها مع الكونغرس حتى التاسع من الشهر الجاري، بالرغم من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يكن بحاجة دستوريا للإنتظار ولم يكن ينوي ذلك في بادئ الأمر، حيث أن وزير خارجيته أكد مراراً أن إدارته ماضية بتوجيه الضربة حتى إذا ما لاقت معارضة من قبل الكونغرس. وبغض النظر عن تلك المبررات وما يمكن إختلاقه مستقبلاً لتبرير تأجيل جديد لها لاسيما وأن قمة مقررة في سان بطرسبورغ بروسيا الخميس المقبل يمكن أن تشكّل عذراً مناسباً أيضاً لتطيير الضربة حتى إشعار آخر. فقد أرّخ هذا التراجع لواحدة من هزائم القرن لمحور الاطلسي وحلفاؤه ولتراجع كبير على مستوى الدور الأميركي في المنطقة.
الولايات المتحدة الأميركية تخلّت مجبرة لا طواعية هذه المرة عن حلفائها من الغربيين والعرب وتركتهم عند قارعة الطريق في وضع لا يحسدون عليه، فمخطئ من يظن أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استبق صدفة مؤتمراً صحفياً لنظيره الأميركي باراك أوباما كان مخصصاً بحسب المتابعين لإعطاء الضوء الأخضر لقوات الحلفاء لشن العدوان على سوريا، ليقول حينها إن مزاعم استخدام سوريا للأسلحة الكيميائية هراء مطبق... ومخطئ أيضاً من ظنّ أن إيران التي سحبت ملفها النووي منذ أسابيع من دائرة الأمن القومي، قد أرسلت عبثاً رئيس لجنة الأمن القومي والسياسات الخارجية في برلمانها علاء الدين بروجردي إلى سوريا ولبنان لينصح الأميركيين بعدم اللعب بالنار ويحذّرهم من أن إندلاع حرب خامسة في المنطقة ستكون فيها "إسرائيل" أوّل الخاسرين... كلّ ذلك وسط صمت معبّر من حزب الله يعرفه الصهاينة جيداً.

وحول حقيقة التطورات الجارية على صعيد الملف السوري، أكد الباحث في الشؤون السياسية الدكتور حبيب فياض أنه "لاشك بأن الولايات المتحدة الأميركية تعيش حالة كبيرة من الإرباك والتردد، فالرئيس الأميركي وضع إدارته وبلاده في عنق الزجاجة بحيث بات التراجع فيه عن الحرب هزيمة وإنتقاصاً من هيبة البلاد، في حين أن الحرب ستضعها في مواجهة تداعيات كارثية عليها وعلى حلفائها.

محور سوريا انتصر كيفما جاء الرصاص

وأضاف د. فياض أن الحرب قادمة لكن أوباما لا يريد أن يتحمل وحده المسؤولية عنها وهو يسعى لأمرين: أن يكسب أعلى نسبة ممكنة من التأييد الشعبي وأن ينتزع موافقة على الضرية من الكونغرس حتى لا يقال أنه اتخذ قراراً شخصياً. وبالتالي يمكن القول إن الإدارة الأميركية ليس لديها قرار حاسم بالحرب أو بعدمها بل إن الأمر يتوقف على موافقة الكونغرس.

ورأى د. فياض أن إذعان أوباما لقرار الكونغرس سواء حصل العدوان أو لم يحصل، يكشف ذروة الضعف الأميركي الذي لم يكن بهذا المستوى منذ الحرب العالمية الأولى، فتراجع أميركا الخائفة والمتردّدة سيشكل فراغاً إقليمياً تسعى إيران وروسيا لملئه".

وأشار الباحث في الشؤون السياسية إلى أن هذه التطورات كشفت النقاب عن موازين قوى جديدة لم تكن معروفة مسبقاً، لأنها لم تتسنّ لها الفرصة لذلك، فهي نتيجة مسار تراكمي منذ إنتصار العام 2006 حينما أثبتت المقاومة في لبنان أنها قادرة على نقل كرة النار إلى ملعب الأعداء.

وإذ استبعد د. فياض توجيه ضربة عسكرية قبل انعقاد قمة الدول العشرين في روسيا، اعتبر أن الأميركيين سيستفيدون من هذه القمة للترويج لهذه الضربة أثناء انعقادها، كما أنهم سيستشرفون خلالها حقيقة الموقف الروسي وسيسعون لإقناعه بأنها ضربة محدودة تشكل مقدمة للتفاوض.

وعن الموقف الإيراني من أي عدوان على سوريا، أشار د. فياض إلى أنه في حسابات إيران وحلفائها لا فرق بين عدوان أو حرب، وهم لن يسمحوا لسوريا أن تبقى وحيدة في الميدان، أما كيفية ترجمة ذلك فهذه أمور تكتيكية وتفصيلية، وسيكون المؤشر الأساسي فيها مدى الحاجة السورية للمساعدة وستكون بالتالي إيران جاهزة للتدخل ورهن إشارتها إذا ما طلبت المساعدة.

أما المحلل السياسي الروسي فيتشيسلاف موتزوف، فقد رأى أن ما عرضه الأميركيون من أدلة جمعت من "اليوتيوب" ليست سوى فبركات هدفت للتشويش على عمل اللجنة الأممية لتقصي إستخدام السلاح الكيماوي في سوريا وتشويه صورة الحكومة السورية لدى العالم تمهيداً لشن هجوم عليها، معتبراً أن قرار وقف الضربة العسكرية المحتملة على سوريا بيد "جماعة أميركا" في المنطقة.

محور سوريا انتصر كيفما جاء الرصاص

وأوضح موتزوف أن الأميركيين عندما يحضرون لضرب سوريا لا ينتظرون قراراً من مجلس الأمن، بل يعتمدون بشكل أساسي على الدعم العربي لهذه الخطوة سياسياً ومالياً، معتبراً أن العالم العربي أبدى من خلاله مواقفه "استعداده ليبيع نفسه للأميركيين" بعدما وفّر غطاء لهم في الجامعة العربية ومنظمة الدول الإسلامية.

واستهجن موتزوف الحديث عن ردّ روسي عسكري على أي اعتداء أجنبي على دمشق، قائلاً "لا تسألوا أين روسيا من العدوان فمواقفها واضحة في مجلس الأمن وفي غيره من المحافل.. اسألوا أين العرب وما هي مواقفهم". وأردف أن "روسيا بالتأكيد لن تشارك عسكرياً في الرد على أميركا لأن ذلك من شأنه أن يشعل حرباً عالمية مدمّرة، وتاريخ روسيا أثبت أنها كانت دائماً طرفاً داعماً للدول وليس مشاركاً في الحروب، فهي كما قدّمت عسكرياً لمصر أثناء العدوان الثلاثي على مصر وحرب أوكتوبر عام  1967 (قدمت صواريخ "سام" أسقطت في اليوم الأول من الحرب 10 طائرات اسرائيلية)، قدمت لسوريا من أجل حماية أراضيها وشعبها.

وحول طلب الرئيس الأميركي موافقة الكونغرس على ضرب سوريا، ردّ المحلل الروسي هذا الأمر إلى أن الإدارة الأميركية ماضية في تنفيذ سياسة الرئيس السابق هنري كيسينجر تحت مسمى "Escalation" (أي سياسة الخطوة خطوة) فهي تطلب رخصة للقيام بعمل محدود، ثم يتوسع الأمر تدريجياً لطلب موافقة على شنّ حرب كاملة في المستقبل.

ولفت موتزوف إلى أن الأمور ستكون مفصلية خلال الأيام القادمة حتى موعد إجتماع سانت بطرسبورغ المقبل، باعتبار أن الأميركي سيكون قد حسم توجّهه في الملف السوري إذا مضى في توجيه عدوان عسكري على دمشق، أما إذا أبقى الأمور مأجلة حتى ذلك الوقت فإن حلّ الأزمة السورية سيكون الموضوع الأوّل على جدول أعمال القمة.

وسط هذه المعمعة، يبقى الثابت الوحيد أن سورية انتصرت قبل أن ترد وأن أميركا هزمت قبل أن تبدأ عدوانها، وأن الاتجاه المقبل في المنطقة هو إمّا صوب الحوار وجنيف والصفقات السياسية أو باتجاه حرب إقليمية مدمّرة تأسس لزوال "اسرائيل".


2013-09-02