ارشيف من :أخبار لبنانية
أوباما بين «الحراجة» و«الثأر» يبحث عن مخرج؟
طارق ترشيشي - صحيفة "الجمهورية"
في رأي مرجع سياسي بارز أنّ الضربة المنتظر أن يوجّهها الرئيس الاميركي باراك اوباما وحلفاؤه لسوريا «قد بَهُتَت»، نتيجة عدم حصولها على تأييد دولي واسع، ما دفعه إلى رمي كرتها النارية في ملعب الكونغرس، على رغم أنّ في إمكانه تسديدها من دون العودة إلى مجلس النوّاب والشيوخ الأميركيين.
في اعتقاد هذا المرجع انّ اوباما الذي أمسك بكرة نار، اكتشف متأخّراً أنّه لا يستطيع ان يقذفها بمفرده في اتجاه دمشق، لأنّ اليوم لم يعد شبيهاً بالبارحة، كما كانت الحال في افغانستان والعراق والسودان، ومن ثمّ في ليبيا، لأنّ الأحادية القطبية التي حكمت، أو تحكّمت، بالعالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، مطلّ التسعينات من القرن الماضي، انهارت بفعل الأزمة السورية التي أعادت بأحداثها وتفاعلاتها المحلية والاقليمية والدولية هذا العالم الى عصر التعدّدية القطبية، وأحيت ما كان يسمّى "الحرب الباردة".
وفي الوقت الذي شعر اوباما "الديموقراطي" بأنّ "الجمهوريين" المنافسين له يدفعونه الى الغرق في المستنقع السوري بغية إضعاف الديموقراطيين والعودة الى البيت الابيض بعد انتهاء ولايته، ترك ضربة سوريا للكونغرس لعلّه يحظى بتأييدهم الى جانب "ديموقراطييه" لتسديدها، علماً أنّه قرأ في تصويت مجلس العموم البريطاني معارضاً مهاجمة سوريا ما أثار هواجسه من احتمال ثأر بريطاني بمفعول رجعيّ من الولايات المتحدة الاميركية التي كانت ورّطت بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ثمّ انبرى رئيسها ايزنهاور يومها مؤيّداً التحذير الروسي الشهير الذي مكّن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من الانتصار في في هذا العدوان.
كذلك توقّف اوباما طويلاً عند الموقف الفرنسي الذي عبّر عنه استطلاع رأي اظهر انّ 60 في المئة من الفرنسيين يعارضون ضرب سوريا، خلافاً لرأي رئيسهم فرنسوا هولاند، ما دفع الاخير الى رمي الكرة في ملعب الجمعية الوطنية الفرنسية، وقد قرأ اوباما في هذا الموقف الفرنسي، ما يشير الى رغبة فرنسية ـ اوروبية دفينة للثأر، وبمفعول رجعي ايضاً، من واشنطن التي حوّلت اوروبا "قارة عجوز" او "بطة عرجاء" منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، تعيش على الفتات الاميركي. وطبعاً لا يمكن فصل هذا الموقف الفرنسي عن مواقف ايطاليا وألمانيا وغيرها من الدول الاوروبية، فضلاً عن مواقف الفاتيكان التي لم تؤيّد ضرب سوريا.
وإلى كلّ ذلك، يبدو أنّ اوباما قرأ جيّداً المواقف الروسية التحذيرية التي تستبطن مدى رغبة موسكو بإغراقه في مستنقع سوريا والشرق الاوسط، ناهيك عن قراءته التهديدات الايرانية التي تستبطن هي الأُخرى تهديد مهاجمة اسرائيل والقواعد والمصالح الاميركية في المنطقة، في حال الهجوم على سوريا.
فموسكو الصاعدة مقتنعة بأنّها إذا انهرمت في سوريا لن تقوى على مواجهة واشنطن في ايّ منطقة في العالم، وإيران التي يتعاظم دورها الإقليمي والدولي، بدورها تعتبر انّها إذا انهزمت في سوريا، فإنها ستنهزم، أو على الاقل، فإنّ دورها سيضمُر في المنطقة.
ولذلك فإنّ موسكو وطهران تخوضان في سوريا، ليس معركة دفاع عن نظام حليف لهما، بمقدار ما تخوضان "معركة وجود" على الساحتين الاقليمية والدولية. وطبيعي فإنّهما ستدعمان دمشق بكلّ ما أوتيتا من قوة لمواجهة الضربة الاميركية المحتملة.
على انّ بعض السياسيين تكهّنوا قبل ايّام من تراجع احتمالات ضرب سوريا، في انّ روسيا ربّما غضّت الطرف لواشنطن بما يتيح لها تسديد ضربة محدودة الأهداف تشمل مواقع للنظام ولـ"جبهة النصرة" في آن معاً، يكون مؤدّاها جلوس الطرفين السوريّين المتنازعين (أي المعارضة من دون المتشدّدين، والنظام) الى طاولة مؤتمر جنيف ـ 2.
لكن تبين انّ الروس يتصرّفون في هذا الصدد وفق مقولة: "المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرّتين"، فرفعوا الصوت محذّرين من مغبّة الضربة لئلّا ينخدعوا كما حصل لهم في ليبيا، حيث أيّدوا يومها ضربة محدودة لنظام القذافي، فإذا بها تتحوّل ضربة بلا حدود أدّت الى سقوط هذا النظام وتصفية "العقيد" جسديّاً بعد تدمير كلّ البنى التحتية والفوقية الليبية العسكرية وحتى المدنية، وتركت ليبيا حتى اليوم نهباً لنزاعات دموية حزبية وقبلية وعشائرية.
غالب التوقعات يشير الى انّ اوباما المُحرج على أكثر من جبهة سينتظر موقف الكونغرس، وقبله نتائج قمّة بطرسبرغ التي قد يلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامشها، وتكون الأزمة السورية ثالثهما خلال هذا اللقاء، لعلّه يتلمّس مخرجاً لحرَجه، بضربة تحفظ ماء الوجه، أو بتسوية ما تعفيه منها، خصوصاً أنّ اللجنة الأممية التي حقّقت في استخدام السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية لدمشق، ليس من صلاحيتها تحديد الجهة التي استخدمته، وإنّما تحديد طبيعة هذا السلاح ونوعه، على حدّ قول مرجع سياسي بارز.
وحدهما واشنطن وموسكو، على الأقلّ، تعرفان من استخدم السلاح الكيماوي في الغوطة، لأنّ أقمارهما الصناعية تراقب الأرض السورية منذ ما قبل الأزمة بالسنتيمترات والأمتار والكليومترات المربّعة، ومعها أقمار فرنسية وبريطانية وإسرائيلية وغيرها تغطّي فضاء سوريا والمنطقة منذ عشرات السنين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018