ارشيف من :أخبار لبنانية
خطاب شهداء «القوات»: «فخامة» جعجع ونظرية هيل عنه
ناصر شرارة - صحيفة "الاخبار"
يطفح تاريخ رئيس حزب القوات اللبنانية الميليشيوي والسياسي بالخيبات والهزائم، بسبب خياراته الخاطئة المبنية على معلومات مغلوطة وتسرّعه في تصديقها، وعلى هذا النهج نفسه فتح شهيته على الرئاسة الأولى، أو ناخباً أساسياً فيها قبل بكركي.
لا يمكن ذاكرة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ان تكون محايدة، تجاه عودة ديفيد هيل سفيراً للولايات المتحدة الأميركية إلى لبنان. القصة تعود الى مرحلة دخول جعجع السجن في الحادي والعشرين من نيسان 1994. حينها جال هيل، وكان مسؤولاً عن الصلات السياسية في السفارة الأميركية في بيروت، على القوى السياسية اللبنانية، بما فيها الحزب الشيوعي، لإبلاغها تبريرات واشنطن لسكوتها عن سجن جعجع. ومما قاله هيل، أن بلاده «تؤيد اتفاق الطائف والحكومة الشرعية التي تحوز ثقة المجتمع الدولي، ولقد أخطأ جعجع في عدم دخوله حكومة الوفاق الوطني والبقاء خارجها. وهذا التصرف جعله يدفع الثمن».
بعد نحو عقدين من الزمن، عاد هيل الى لبنان سفيراً لبلاده. ومن «المفارقات السارة له» ان يجد جعجع خارج السجن، وخصوصاً أن الأول كان منخرطاً في صفقة قبول اميركا بسجن رئيس «القوات» شرط حفاظ الدولة اللبنانية على حياته داخل السجن.
لكن بالمقابل، يعتبر هيل ذاكرة سيئة لجعجع، حتى لو جامله الاخير، وابدى مشاعر التفاؤل به. ولكن ضمن معطيات اللحظة الراهنة، اختار«الحكيم» ذكرى «شهداء المقاومة اللبنانية» ليطل على استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية في العام المقبل. بدا أن جعجع طور طموحاته بالتناغم مع ايقاع احداث مواتية يتوقعها، وحبس أقطاب «14 آذار» أنفاسهم بانتظار تنفيذ الرئيس الأميركي باراك أوباما ضربة اسقاط الرئيس السوري بشار الاسد. أراد جعجع بافتتاحه معركة الاستحقاق الرئاسي من معراب، الإيحاء بأنه الناخب المسيحي الاول. لكن هذه المكانة التي يرجوها تصطدم باستراتيجية متكاملة وضعتها بكركي مسبقاً لإدارة استحقاق رئاسة الجمهورية؛ وهي تراعي امكانية عدم حصول الانتخابات وحصول فراغ في المقعد الماروني الأول. وهنا يرشح البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي ليؤدي دور البطريرك بولس المعوشي، صانع رؤساء الجمهورية ومدور الزوايا الدولية الحادة لتبقى الرئاسة الاولى ملحوظة أهميتها في عيون الدول الكبرى. ولا يجادل اثنان في ان لائحة الراعي الخاصة بمرشحي الرئاسة حينما تجهز لن يكون بينها اسم جعجع، بل ولا حتى اسم بمواصفاته. كذلك فإن الراعي على عكس سلفه البطريرك نصر الله صفير لا يجد في جعجع ناخباً رئيسياً، وبالنسبة اليه فإن تعقيدات الوضع المسيحي في كل المشرق، تضع ملف الاستحقاق الرئاسي على طاولة بكركي والفاتيكان ووزير خارجيتها، وليس على طاولة اقل شأناً من ذلك.
جعجع: العقد الثلاثة
يؤكد مقربون من جعجع، انه ليس بأحسن احواله، وان فتحه معركة الاستحقاق الرئاسي من موقعه المضمر كمرشح؛ ومن موقعه المعلن كناخب أول او أساسي، ليس اكثر من محاولة للقفز فوق مشاكله المتراكمة، سواء مع حلفائه المحليين والإقليميين والدوليين او داخل بيته الحزبي الصغير.
شخصية مقربة جداً من سيد معراب، ترسم ببراعة صورته الراهنة ذات الصلة الوثيقة بظلال مراحله السابقة. تقول: خرج جعجع من السجن وهو مسكون بثلاث عقد حادة لا تزال تطارده حتى الآن: أولاها، ان العفو الخاص الذي اخرجه من السجن هو ذاته الذي شمل مسلحي الضنية الذين قتلوا عدداً من جنود الجيش اللبناني خلال هجومهم على احد مواقعه عشية رأس سنة عام 2000، اضافة إلى ارتكابهم عمليات خطف وقتل.
باختصار، لم يكن العفو الخاص عن جعجع ممهوراً بسمات سياسية، بل ان اشتماله على مجموعة مسلحي الضنية، جعله ممهوراً بتهمة انه «قاتل طليق». ثانية عقده، تتمثل بأنه متهم بمجموعة من جرائم القتل ذات الطابع السياسي العميق التي لا يمحو استتباعات ذاكرتها، عفو خاص، وأبرزها تهمة اغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي. العقدة الثالثة اسمها الاصطلاحي «عقدة قدامى رفاق السلاح في القوات»، أو (قدامى المحاربين القواتيين). والعقدة هنا هي اتهامه بأنه تخلى عنهم جميعاً، من فؤاد مالك (كان رئيس القوات اللبنانية عشية انتهاء الحرب الاهلية وبداية الطائف عام 1989، وكان الأمين العام لحزب القوات اللبنانية عشية حلها عام 1994)، وصولاً الى كبير مقاتلي القوات حنا عتيق الملقب بـ«الحنون»، والخائض كل حروب القوات على كل الجبهات تحت إمرة جعجع، وهو كان قائداً لفرقة الصدم، اي فرقة النخبة خلال الحرب الاهلية، وكل قيادة القوات التاريخية تمحضه الاحترام.
لقد ألحقت هذه التهمة به صفة «قلة الوفاء» لأصدقائه ورفاقه، وأصبح الحذر منه سمة المتعاملين معه داخل بيئته. بالأمس، وداخل كواليس «القوات»، استحضرت سمة «عدم وفائه»، وهو يحتفل بـ«شهداء» تخلى عن جيل قيادييهم التاريخيين، ومارس ضدهم عملية إقصاء وتغييب حزبي، وحولهم بحق الى «شهداء أحياء».
الخيارات الخاطئة
وثمة عنوان آخر كان محل استذكار صامت داخل البيئة القواتية المخضرمة، هو تسرعه في تصديق معلومات تناسبه وانشاء استراتيجية مواقف على أساسها. وهذا التسرع لطالما أخذه الى هزيمة عسكرية كما حصل معه في شرق صيدا وغيرها، أو مواقف سياسية وطموحات كبيرة، كما حصل معه بالنسبة إلى اتفاق الطائف ويمكن ان يحصل معه الآن.
وضمن الحذر القواتي من خياراته الخاطئة، استحضرت امس زيارة رفاقه القدامى إليه في سجنه في وزارة الدفاع، وناقشوه في صوابية خياراته السياسية. دعوه إلى التكيف مع المرحلة الجديدة آنذاك التي دشنها اتفاق الطائف. ولم يخف هؤلاء انهم تفاجأوا بخيار اللحظة الأخيرة الذي تبناه وهو إدارة ظهره للطائف، وخصوصاً أنه كان شريكاً لرئيس الجمهورية آنذاك الياس الهراوي والبطريرك صفير والقيادة السورية في عملية 13 تشرين التي أدت الى إزاحة العماد ميشال عون عن قصر بعبدا وإنهاء حالته في المنطقة الشرقية. ذكروه باجتماعات غدراس التي سبقت اقتحام قصر بعبدا، وتم خلالها وضع خطط انهاء تمرد عون. ذكّروه كيف انه عند تنفيذ الطائف كان شريكاً في الحكومة منتدباً عنه روجيه ديب. وفي الختام نقلوا اليه تساؤل معظم قيادة القوات عن السبب الذي قاده للانقلاب على الطائف.
يجيب النائب السابق وعضو المجلس الحربي السابق في القوات اللبنانية نادر سكر عن هذا السؤال، فيروي انه حضر اجتماعاً بين جعجع والأمين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي في غدراس. وخلال النقاش أصر «الحكيم» على ان القوات السورية ستنسحب من لبنان في صيف عام 1991 وبطلب من الادارة الاميركية. وجادله حاوي بأنه مخطئ ومعلوماته غير صحيحة، شارحاً له ان سوريا اليوم شريكة لاميركا في معركة الخليج الثانية ضد الرئيس العراقي صدام حسين لإخراج جيشه من الكويت، وبمقابل ذلك ستحصل على تفويض لها في لبنان وليس العكس. لكن جعجع أصر على تأكيد معلوماته لدرجة جعلت سكر يقف عن كرسيه ويقول له: ألا تفهم ماذا يقول لك ابو أنيس (حاوي)؟
كل تلك الفترة حول الخيارات الخاطئة المبنية على معلومات مغلوطة تستعاد اليوم بمناسبة خطاب الطموحات الذي القاه جعجع بمناسبة شهداء القوات، وايضا بمناسبة عودة هيل الى لبنان؛ فهذا الرجل هو صاحب نظرية ان جعجع يدفع الثمن لأنه يخطئ؟
فهل تسرّع جعجع مرة أخرى، حينما بكّر بطرح نفسه مرشحاً لرئاسة الجمهورية وأنه ناخب أكبر في استحقاقها، عوضاً عن بكركي؟
غداً: أسهم سمير جعجع الخليجية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018