ارشيف من :أخبار عالمية

«التطهير» يعني القتل

«التطهير» يعني القتل
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

كلمة «التطهير» في المعجم اللغوي تأتي من مصدر الفعل «طهَّر»، وتعني تنظيف الشيء أو الثوب أو الإنسان مما أصابه من النجاسة والقذارة، والتطهير تنقية للنفس وإزالة فساد بإزالة أسبابه.

في 16 مارس/ آذار 2011 ذكرت وكالة أنباء البحرين (بنا) أن «تلفزيون مملكة البحرين عرض فيلماً توثيقياً حول تطورات الأحداث لحظة بلحظة لعملية تطهير دوار مجلس التعاون والمرفأ المالي ومستشفى السلمانية وما حولها وإخلائها من الخارجين عن القانون الذين روعوا المواطنين والمقيمين وأرهبوهم وأساءوا للاقتصاد الوطني».

وجاء ذلك العرض والخبر، كأول مرة ترد فيها كلمة «تطهير» في ظل الأحداث التي شهدتها البحرين خلال شهري فبراير ومارس 2011. سبق تلك الكلمة «تطهير» معاني عدة، ومدلولات سياسية كثيرة سقط خلالها عدد من الشهداء والضحايا، وجرحى بالمئات، في واقعة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وثّقها التاريخ وتحدّث عنها تقرير لجنة تقصي الحقائق بالتفصيل.

التطهير العرقي مصطلح يطلق على عملية الطرد بالقوة لسكان غير مرغوب فيهم من مكان معين على خلفية تمييز ديني أو عرقي أو سياسي أو استراتيجي أو لاعتبارات ايدولوجية أو مزيج من الخلفيات المذكورة.

لوزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف الشيخ خالد بن علي آل خليفة تعريف أيضاً لكلمة «التطهير»، أوردها في ديسمبر/كانون الأول 2009 أمام مجلس النواب عندما كان الحديث عن وجود تطهير طائفي في البحرين بأنه «أمر مرفوض وغير صحيح»، مؤكداً أن «التطهير الطائفي يعني قتل شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب قضية ما لدواعٍ طائفية، وهذا غير موجود في البحرين».

وزير العدل يرفض الحديث عن وجود «تطهير» طائفي أو عرقي أو أي نوع من هذه الأنواع.

وزير الداخلية الفريق الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، تحدّث أيضاً أمام مجلس النواب في التاسع والعشرين من مارس 2011، حيث أكد أنه «لا صحة إطلاقاً لما يسمى بالتطهير العرقي» في البحرين، وذلك بعد أحداث إخلاء دوار اللؤلؤة.

هذا المصطلح، وبعد توصيات المجلس الوطني وحملة موسعة من الشحن الطائفي والكراهية قادتها وسائل إعلامية ومسئولون رسميون ومؤسسات، عاد من جديد وعلى لسان نائب برلماني، نشره عبر موقع التواصل الاجتماعي، وعبر صحف محلية في بيان رسمي له، طالب فيه بـ «تطهير» مؤسسة رسمية من محسوبين على المعارضة البحرينية.

هذا النائب توعّد بأنه سيعمل جاهداً على «تطهير مركز البحرين للمستثمرين من المعارضين»، هذا النائب الذي يجد لنفسه حماية وحصانة، ولن يتعرض للمساءلة أبداً عن لغته وكلمته التي أطلقها، لأنه باختصار من «الموالين» وليس المعارضين، ومن يدعو لـ «التطهر» منهم هم معارضون لا يحميهم القانون.

شخصية هذا النائب، وقوله بأنه سيعمل على تطهير مؤسسات من المعارضين شبيه بشخصية لافرينتي بافلوفيتش بيريا السياسي السوفياتي الذي كان رئيساً للأمن السوفياتي وجهاز البوليس السري في عهد ستالين، والذي قاد حملة «التصفية الكبرى»، وهي الحملة التي نظمها ستالين لتطهير الحزب الشيوعي والمؤسسات الحكومية من المعارضين له.

بعد وفاة أو مقتل ستالين، أصبح بيريا رئيساً للوزراء، وتعهّد بالتحررية وصفح عن ملايين السجناء ووقع معاهدة بمنع التعذيب في سجون الاتحاد السوفياتي خلافاً لماضيه الملطخ بالدماء.

ومع ذلك، ففي 26 يونيو/ حزيران 1953 اعتُقل بيريا وأصدرت المحكمة بحقه حكماً بالإعدام هو وجميع أنصاره، ويًقال إن بيريا قبل إعدامه جثا على ركبتيه طلباً للرحمة، ولكنه اُعدم رمياً بالرصاص في 23 ديسمبر 1953.

شواهد التاريخ كثيرة لأمثال هؤلاء سواءً كانوا موجودين قبل سبعين عاماً، أم هم يعيشون معنا، أمثال ستالين وبيريا، والنائب البحريني كثيرون من قبل والآن وفي المستقبل ممن لا يعتبرون من قصص التاريخ، ولا يعون معنى حراك الشعوب وتطلعاتها لنيل حقوقها المشروعة، ولا يؤمنون بأن الأيام تتغير، فبين سطوة بيريا وقوته وجبروته، وجثوه على ركبتيه يطلب الرحمة سنوات فقط.

بالعودة إلى الشأن المحلي فإن وزير العدل أكد أن «التطهير» يعني القتل، وبإسقاط هذا التعريف للوزير، على حديث النائب، فإن النائب يدعو صراحة للتخلص من المعارضين وربما حتى قتلهم، وإزالتهم من مؤسسات الدولة، فقط لأنهم معارضون، ويجب أن يتحول الجميع إلى موالين، ضمن سياسة قطع الأرزاق وحملة «التطهير» التي شهدناها خلال فترة السلامة الوطنية، والتي طالت مؤسسات الدولة وشركات خاصة حتى فاق ضحاياها 4000 موظف.

للأسف تحوّلت كلمة «التطهير» إلى كلمة سيئة السمعة لأنها تستخدم في غير موضعها، ولأنها كلمة حق يراد به باطل، فهناك فرق شاسع بين التطهير والإصلاح، الأولى تستخدم للإقصاء والذبح العشوائي والانتقام، والثانية تعني إعادة بناء المؤسسات وإصلاحها وتطويرها لخدمة الشعب لا النظام.

ولو كنا في بلد القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان، لعاقبت السلطة كل من تجرأ على استخدام مثل هذه المفردات العنصرية التي تدعو إلى قتل الناس وقطع أرزاقهم وتشريدهم بحسب انتمائهم وتوجهاتهم ومواقفهم السياسية، خصوصاً أن وزير العدل أكد بأن كلمة «التطهير» تعني القتل.
2013-09-04