ارشيف من :أخبار لبنانية

عقدة تأليف الحكومة وظيفتها السوريّة

عقدة تأليف الحكومة وظيفتها السوريّة

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

لا يختلف اثنان على أنّ لبنان الغارق في أزماته الخانقة والمتلاحقة، إنما يعاني في الحقيقة من الانعكاسات المباشرة للصراع الكبير الدائر في المنطقة بين المعسكرين الكبيرين، والذي يترجم حرباً دموية عنيفة في سوريا.

ونتيجة ذلك، يرزح لبنان تحت ثقل الازمات على كل الصعد: الأمنية والاقتصادية والحياتية والاجتماعية، والأهم أنه يئنّ من حدّة الصراع السياسي الذي يُخاض من خلال تعبئة اعلامية، عنوانها "خطر الوجود" لكل طرف من الطرفين.

وقد أدّى ذلك الى تطيير حكومة وعجز عن تأليف أخرى. وكان الرئيس نجيب ميقاتي صادقاً عندما صارح أحد كبار المسؤولين السياسيين في جلسة خاصة، بأنّ قرار استقالة الحكومة جاء بطلب سعودي، وعلى وقع قراءة شاملة للأحداث في سوريا، ما يستوجب ملاقاة لبنانية من خلال حكومة جديدة لها مواصفات مختلفة.

وبسبب هذه الوظيفة الاقليمية للحكومة الجديدة، إرتفعت المتاريس السياسية في الداخل اللبناني، وقد تتحوّل الى متاريس فعلية في الشارع لدى أيّ خطوة خاطئة.

في الأساس سجَّل الرئيس المكلف تمام سلام ومعه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان خطأً في التسويق للحكومة: أبديا مرونة فائقة ومستغربة في الظاهر، وتمسّكا الى حدّ التشدّد بمبدأ الـ"8،8،8"، أو بتعبير أوضح، عدم اعطاء الفريق الآخر الثلث المعطل، واستبدال ذلك بالتزامات لفظية.

وهو ما أثار شكوك "حزب الله" الذي كان لا يزال غارقاً في اكتشاف الخلفيات الحقيقية لاستقالة ميقاتي وانعطافة رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط في اتجاه السعودية.

لذلك، ارتكزت عقد تأليف الحكومة ولا تزال على ثلاث نقاط يتنازعها الطرفان:

1 - في مقابل تمسّك "حزب الله" بالثلث المعطل، أعلن فريق "14 آذار" تمسّكه بحكومة لا تضمّ الحزب، فيما حاول سلام بالتنسيق مع سليمان تمرير حكومة الـ"8،8،8".

والأجواء الايجابية التي ظهرت خلال الايام الماضية قبل أن تتبدَّد سريعاً تركّزت على موافقة تيار "المستقبل" على مشاركة "حزب الله" في الحكومة في مقابل الاعلان الذي طالما ردَّده رئيس مجلس النواب نبيه برّي لجهة أنّ مبدأ الثلث المعطل سقط.

لكن دخول "حزب الله" على الخط مجدداً، وطرح برّي خريطة طريق "حكومية"، أعاد الأمور الى نقطة الصفر. ذلك أنّ اللعبة كبيرة بالنسبة الى الحزب والمسألة لا تتحمّل المساومة، بدليل استهداف المناطق الحاضنة له بالصواريخ والسيارات المفخخة، ما يجعله حذراً من احتمال استهدافه سياسياً من خلال الحكومة.

ويُروى أنَّ سليمان حاول الدفع في اتجاه ولادة الحكومة اكثر من مرّة، إلّا أنّ سلام كان يتمهَّل، ربما في انتظار موافقة السعودية. وبعد انفجاري طرابلس، قيل إنّ رئيس الجمهورية أبلغ الى الرئيس المكلف أنّ الظرف ملائم لإصدار التشكيلة الحكومية التي اتفق عليها معه، والتي تضمّ وجوهاً غير استفزازية من "حزب الله"، وتقوم على اساس الـ"8، 8، 8"، ذلك أنّ المناخ الناتج عن مأساة طرابلس لن يسمح للمعترضين بعرقلة ولادتها، وبالتالي سيخضعون للأمر الواقع. إلّا أنّ سلام لم يتجاوب في انتظار إشارة السعودية.

2 - في مقابل التمسك بأن يُسمّي كلّ فريق وزراءه وطريقة توزيع الحقائب، اعلن الفريق الآخر أنّ تسمية الوزراء بمَن فيهم الوزراء الشيعة من حق الرئيس المكلف، وأنّ الحقائب ستخضع لمبدأ المداورة. وعدا أنّ الفريق الشيعي يرفض تجاوز المبدأ الذي ساد تأليف حكومات ما بعد "الدوحة"، فإنّه يسأل عن الحقائب الامنية والحقائب الاخرى الحسّاسة مثل الخارجية، خصوصاً أنه يعتبر أنّ حكومة الـ"8،8،8" تعني عملياً حكومة الـ"8 - 16".

3 - في مقابل ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة"، طالب خصوم "حزب الله" بإدراج "إعلان بعبدا" أساساً للبيان الوزاري. لذلك، يستنتج من ينظر الى العقد الثلاث أنّ الحديث عن ولادة قريبة للحكومة انما يبقى وهماً، إلّا إذا جرى تمرير حكومة أمر واقع، ستؤدي عندها الى الدخول في متاهات اخرى، ونقل المتاريس الى داخل بنية الدولة ومؤسساتها.

وطالما أن "لا صوت يعلو على صوت المعركة في سوريا"، يبقى النظر الى المشكلة الحكومية من الزاوية اللبنانية الداخلية الضيقة "تسطيحاً" للمعضلة الحكومية. وربّما لذلك، يندفع السفير السعودي علي عواض عسيري في اتجاه رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون وسيزوره اليوم، حيث يتردَّد أنّ توجيه دعوة الى عون لزيارة السعودية لم تعد بعيدة.

وربّما لذلك أيضاً، أرسل "حزب الله" منذ فترة الى القيادة السعودية مطالباً بعودة الرئيس سعد الحريري الى لبنان وتأليفه الحكومة المقبلة على اساس حفظ التوازنات المطلوبة.

فالعقدة الحكومية الحقيقية تكمن في الصراع الاقليمي، وفي توظيف الساحة اللبنانية لصالح هذا الجانب في سوريا او ذاك. وكلّما اشتدَّ الصراع في سوريا، ارتفع منسوب الخطر في لبنان، وهو ما جعل العديد من الاوساط يبدي قلقاً كبيراً على الساحة اللبنانية، مع اعلان واشنطن عزمها على ضرب سوريا.

والمسألة لا تحتاج الى الكثير من التحليل خصوصاً بعد كلام كيري عن الخطر الذي تُمثّله ايران و"حزب الله" في معرض تسويقه لضرورة تنفيذ الضربة على سوريا.

لكنّ اندفاع الامور الى درجة متقدّمة، قد يؤدي الى تسوية سياسية تشكّل مخرجاً معقولاً ولائقاً لجميع الاطراف الدولية التي تدرك جيّداً أن لا مجال للوصول الى الحرب.

لذلك، هناك من يعتقد أنّ المخرج السياسي للحرب الدائرة في سوريا قد لا يتأخر، وأنّ هذا المناخ قد يسمح بإعادة إحياء الزيارة التي قيل إنّ الرئيس الايراني حسن روحاني ينوي القيام بها الى السعودية نهاية تشرين الاوّل المقبل، لمناسبة أدائه مناسك العمرة ليلتقي على هامشها كبار المسؤولين السعوديين.عندها قد تسقط كلّ العقد التي تقف حائلا امام ولادة الحكومة، بعد انتزاع الوظائف الاقليمية المطلوبة منها.
2013-09-05