ارشيف من :أخبار عالمية
الإسلاميون ومعضلة الحكم
وليد نويهض-"الوسط"
كل الأمور عرضة للتقلبات حين تهبط المبادئ العامة وتنزل إلى الناس في الساحات والميادين. وكل ما هو خارج المطلق واللامحدود واللانهائي يتعرّض دائمًا للتأويل والنقض والتفسير والتنافس والتعارض والنقص.
والديمقراطية في المعنى المذكور نسبية وتاريخية وتراكمية وهي عرضة للصعود والهبوط وفيها الكثير من السلبيات والمثالب، لكن السؤال يبقى مطروحاً للاختيار والمفاضلة بين الحرية والاستبداد، العدالة والطغيان. والجواب في هذا الإطار لا يحتاج بالضرورة إلى سؤال، لأن الانحياز لابدّ أن يكون أبداً إلى جانب الحرّية والعدالة.
الآن تحتاج المنطقة العربية، وتحديداً البلدان التي شهدت احتجاجات ومتغيرات إلى إعادة توحيد سياسي لرأب الصدع الناتج من تداعيات فترة الاستبداد. وإعادة توحيد الجماعات الأهلية، الخارجة حديثاً من حياة العزلة إلى دائرة الضوء والحرية، تحتاج بدايةً إلى قوة جاذبية، ودستور يشكّل مرجعية لكل القوى ويؤسس رافعة لانتشال الناس من حالات الفرقة والتمزق. فالمعضلة تكمن أصلاً في التفكك الأهلي النّاجم أصلاً عن الموروث التقليدي لمنظومة الملل والنحل وضعف الدّولة الحديثة، وهي في النهاية مسألة تاريخية تتصل بالتكوين الاجتماعي البنيوي الديموغرافي للجماعات سواء كانت تنتمي إلى الأكثرية أم إلى الأقليات.
تاريخياً كانت المشكلة موجودة، لأنّ طبيعة المجتمع العربي ـ الإسلامي تأسّست دستورياً على التنوّع والتعدد والاعتراف بالمختلف الآخر، ما أعطى المجال الحيوي لنمو ظاهرة الملل والنحل واختلاف قوانين الأحوال الشخصية في العصرين المملوكي والعثماني. حتى ابن خلدون، تعرّض إلى هذا الموضوع على طريقته الخاصة، فصاحب المقدمة رأى في تكاثر العصبيات مشكلة تسهم في إضعاف الدولة، كذلك وجد في تجانس العصبيات نقطة إيجابية تساعد على تعزيز قوة الدولة.
عدم التجانس معضلة تاريخية عانت منها المجتمعات العربية، وأدّى إلى إضعاف الدولة المركزية وتشتيت قواها بسبب اضطرارها إلى خوض مواجهة دائمة مع الأطراف. لهذا السبب اتجه ابن خلدون إلى إعطاء الدين الإسلامي دوره الخاص بوصفه قوة توحيدية تضعف العصبيات وتقلل من مخاطر سلبيات تكاثرها. فالدولة عنده هي الرافعة التاريخية ولا تقوم لها قائمة إلاّ على قاعدتين: العصبية الغالبة والدين.
الزمن الحاضر
هذا في زمن ابن خلدون الذي عاصر الدولة المرينية في المغرب والدولة المملوكية في مصر قبل 600 سنة. أما في الزمن الحاضر الذي تعصف به «الحداثات» فلابدّ من البحث عن إطار اتفاق يعطي الضمانات ويتجاوز معضلة عدم تجانس المجتمع الأهلي، وانفجار التصدع الذي ظهر ميدانياً بعد تساقط أنظمة الاستبداد في تونس وليبيا واليمن ومصر أو بعد تقويض الدولة في العراق.
اختلفت البنية الاجتماعية كثيراً عن زمن ابن خلدون، لكن قانون الأكثريات والأقليات (العصبيات الدينية والأقوامية السياسية) وعدم التجانس بين الجماعات الأهلية لا يزال قائماً، وهذا أمر يتطلب البحث عن حل مشترك يتجاوز خطاب الأصالة أو الحداثة. فالأزمة مشتركة والحل يتوقف على رؤية معاصرة تستفيد من تجارب الماضي في أوروبا أو العالم الإسلامي.
أوروبا دخلت في هذه المحطة التاريخية، أزمة الأقليات والأكثريات، في القرن السادس عشر وما أطلقته من حروب دينية استقرت في النهاية على الإقرار بتسويات فرضتها بقوة الدولة القومية (توحيد السوق) وترافقت مع لحظة نشوء وبدء صعود «المجتمع المدني» في القرن الثامن عشر. آنذاك بدأت النخبة الصاعدة بإنتاج دساتير تقرأ الواقع في إطار مرجعيات دمجت الأهل في سياق نمو ظاهرة الدولة الحديثة المتخالفة نسبياً مع الدين والمتصالحة مع التكوين الاجتماعي للأمّة. إلاّ أنّ أوروبا تتميز في منظومتها الاجتماعية عن البلدان العربية بنقطة أساسية، وهي وجود حالات من الانسجام النسبي لجهة التجانس القومي أو الديني أو المذهبي في البلد الواحد، وهذا أمر غير متوافر بقوة في معظم البلدان العربية، خصوصاً في المشرق العربي التي تشكّلت سياسياً بعد تصدّع السلطنة العثمانية وتعرّضها إلى احتلالات وتقسيمات فرضتها الدول الأوروبية. حتى المناطق التي تتوافر فيها الحدود المعقولة للانسجام الديني ـ القومي تعاني من انقسامات مناطقية أو قبلية أو جهوية كما هو حال اليمن وليبيا والصومال.
المسألة معقّدة، وهي أكبر من القوى الإسلامية. المشكلة تتطلب مشاركة وطنية تتجاوز خطابات الأصالة والمعاصرة لكون الأزمة مشتركة وتحتاج إلى نوع من التسوية التاريخية (العقد السياسي) التي تربط الجماعات الأهلية وتشدها إلى إطار دستوري يشكل وعاءً ينهض بالدولة ويعيد هيكلة الانقسامات وضبطها حتى تستطيع المجتمعات الانتقال تدريجياً من طور الانشطار الأهلي إلى مرحلة الانقسام السياسي ـ المدني.
تبقى أسئلة أخرى بشأن التحدّيات التي واجهت أو ستواجه القوى الإسلاميّة في مرحلة ما بعد استلام الحكم. ماذا يستطيع الإسلاميون أن يفعلوا أكثر من غيرهم؟ هل بإمكان القوى الصاعدة بعد انتفاضات «الربيع العربي» أن تغيّر المعادلة وتقوم بعمليات التحديث والإصلاح وتقوية الدولة وتوسيع وظائفها بالتوازي مع تطوير مؤسسات «المجتمع المدني» والهيئات التقليديّة من دون إثارة الجماعات الأهلية واستفزازها، وعدم المساهمة في دفع خريطة «الشرق الأوسط» السّياسية نحو المزيد من التصدّع.
أسئلة كثيرة مطروحة ويوجد غيرها من قراءات ترى أن القوى الإسلامية الصاعدة إلى السلطة دخلت أو ستدخل في ورطة كبيرة، ويحتمل أن تتحوّل المسئوليات الرسمية إلى محرقة سياسية تأكل قواعدها الشعبية بعد فترة ليست بالطويلة. لائحة التحدّيات ممتدة، وهي إلى جانب القضايا الاجتماعية والتنموية والتربوية والبيئية والصحية والثقافية والتعليمية وغيرها من أمور تتصل مباشرة بالاقتصاد وموازنة الدولة ومواردها ونفقاتها والأشغال العامة... هناك أيضاً قضايا سياسية تتصل بالعلاقات الديبلوماسية الدولية وترابط موازين القوى بالمصلحة العليا، وموضوع الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومسألة السلم والحرب والاعتراف بـ «إسرائيل» وعودة الشعب الفلسطيني، ومدى استعداد القوى الجديدة والصاعدة على السكوت على ما يجري في محيطها، وتجاهل قضايا الظلم والحقوق والعدالة الإنسانية وما يتفرع عنها من التزامات قانونية بشأن حقوق الإنسان وتمكين المرأة وضرورة المشاركة في صنع القرار والاعتراف بالآخر وحقّه في الاعتراض.
المهمات كثيرة وهي ضرورية حتى يتوازن المجتمع وتتحقق المصالحة في سياق تسوية تاريخية تحتاج فعلاً إلى عقلية تسامحية تستوعب التعارضات وتحتوي التناقضات، وتبتكر آليات مرنة في تصور الحلول ووضع الخطط الميدانية لتنفيذ المشروعات وتجاوز العقبات المتأخرة والمتوارثة من عهود سابقة.
تحديات كثيرة انتظرت وتنتظر القوى الإسلامية بعد صعودها إلى السلطة، والتحديات في مجملها ليست نظرية ولا تُرمى على الطاولة بقصد المناورة أو الاستفزاز. المسألة جدّية وهي فعلاً تتطلب إعادة قراءة، لأن الموضوعات المتراكمة من عهود سابقة تحتاج إلى سياسة حكيمة مبنية على تصوّرات منهجية ولا يمكن تأجيلها بانتظار أن تحصل «معجزة» ما لا يُعرف متى تقع.
لا شكّ في أن القوى الإسلامية، مثلها مثل الأحزاب السياسية المعارضة، تمتلك الكثير من البرامج والخطط والأفكار العامة والنظرية. وهي لا تتحمل المسئولية وحدها في اعتبار أن غاية التقدم معضلة تاريخية ـ اجتماعية مشتركة ولا يمكن وضعها على الرف أو في خزنة الأسرار لكون هاجس الإصلاح والتحديث والتطوير يقع على عاتق الجميع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنع المجتمع من مواصلة الانزلاق نحو استقطابات أهلية تجوّف الدولة من وحدتها وتمزّق نسيجها وتفرّغ قواها المنتجة من عصب الحياة. وأهم تلك المواجهات المحتملة في المنظور القريب يمكن اختصارها بخلفيات وأهداف ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط «الكبير» أو «الصغير» أو «الجديد». التحدّيات كبرى وهي ليست بسيطة وتستحق فعلاً من القوى الإسلامية التعامل معها بجدية ورؤية عقلانية وعاقلة حتى لا يتحول التغيير إلى لعنة بعد أن كان بركة.
كل الأمور عرضة للتقلبات حين تهبط المبادئ العامة وتنزل إلى الناس في الساحات والميادين. وكل ما هو خارج المطلق واللامحدود واللانهائي يتعرّض دائمًا للتأويل والنقض والتفسير والتنافس والتعارض والنقص.
والديمقراطية في المعنى المذكور نسبية وتاريخية وتراكمية وهي عرضة للصعود والهبوط وفيها الكثير من السلبيات والمثالب، لكن السؤال يبقى مطروحاً للاختيار والمفاضلة بين الحرية والاستبداد، العدالة والطغيان. والجواب في هذا الإطار لا يحتاج بالضرورة إلى سؤال، لأن الانحياز لابدّ أن يكون أبداً إلى جانب الحرّية والعدالة.
الآن تحتاج المنطقة العربية، وتحديداً البلدان التي شهدت احتجاجات ومتغيرات إلى إعادة توحيد سياسي لرأب الصدع الناتج من تداعيات فترة الاستبداد. وإعادة توحيد الجماعات الأهلية، الخارجة حديثاً من حياة العزلة إلى دائرة الضوء والحرية، تحتاج بدايةً إلى قوة جاذبية، ودستور يشكّل مرجعية لكل القوى ويؤسس رافعة لانتشال الناس من حالات الفرقة والتمزق. فالمعضلة تكمن أصلاً في التفكك الأهلي النّاجم أصلاً عن الموروث التقليدي لمنظومة الملل والنحل وضعف الدّولة الحديثة، وهي في النهاية مسألة تاريخية تتصل بالتكوين الاجتماعي البنيوي الديموغرافي للجماعات سواء كانت تنتمي إلى الأكثرية أم إلى الأقليات.
تاريخياً كانت المشكلة موجودة، لأنّ طبيعة المجتمع العربي ـ الإسلامي تأسّست دستورياً على التنوّع والتعدد والاعتراف بالمختلف الآخر، ما أعطى المجال الحيوي لنمو ظاهرة الملل والنحل واختلاف قوانين الأحوال الشخصية في العصرين المملوكي والعثماني. حتى ابن خلدون، تعرّض إلى هذا الموضوع على طريقته الخاصة، فصاحب المقدمة رأى في تكاثر العصبيات مشكلة تسهم في إضعاف الدولة، كذلك وجد في تجانس العصبيات نقطة إيجابية تساعد على تعزيز قوة الدولة.
عدم التجانس معضلة تاريخية عانت منها المجتمعات العربية، وأدّى إلى إضعاف الدولة المركزية وتشتيت قواها بسبب اضطرارها إلى خوض مواجهة دائمة مع الأطراف. لهذا السبب اتجه ابن خلدون إلى إعطاء الدين الإسلامي دوره الخاص بوصفه قوة توحيدية تضعف العصبيات وتقلل من مخاطر سلبيات تكاثرها. فالدولة عنده هي الرافعة التاريخية ولا تقوم لها قائمة إلاّ على قاعدتين: العصبية الغالبة والدين.
الزمن الحاضر
هذا في زمن ابن خلدون الذي عاصر الدولة المرينية في المغرب والدولة المملوكية في مصر قبل 600 سنة. أما في الزمن الحاضر الذي تعصف به «الحداثات» فلابدّ من البحث عن إطار اتفاق يعطي الضمانات ويتجاوز معضلة عدم تجانس المجتمع الأهلي، وانفجار التصدع الذي ظهر ميدانياً بعد تساقط أنظمة الاستبداد في تونس وليبيا واليمن ومصر أو بعد تقويض الدولة في العراق.
اختلفت البنية الاجتماعية كثيراً عن زمن ابن خلدون، لكن قانون الأكثريات والأقليات (العصبيات الدينية والأقوامية السياسية) وعدم التجانس بين الجماعات الأهلية لا يزال قائماً، وهذا أمر يتطلب البحث عن حل مشترك يتجاوز خطاب الأصالة أو الحداثة. فالأزمة مشتركة والحل يتوقف على رؤية معاصرة تستفيد من تجارب الماضي في أوروبا أو العالم الإسلامي.
أوروبا دخلت في هذه المحطة التاريخية، أزمة الأقليات والأكثريات، في القرن السادس عشر وما أطلقته من حروب دينية استقرت في النهاية على الإقرار بتسويات فرضتها بقوة الدولة القومية (توحيد السوق) وترافقت مع لحظة نشوء وبدء صعود «المجتمع المدني» في القرن الثامن عشر. آنذاك بدأت النخبة الصاعدة بإنتاج دساتير تقرأ الواقع في إطار مرجعيات دمجت الأهل في سياق نمو ظاهرة الدولة الحديثة المتخالفة نسبياً مع الدين والمتصالحة مع التكوين الاجتماعي للأمّة. إلاّ أنّ أوروبا تتميز في منظومتها الاجتماعية عن البلدان العربية بنقطة أساسية، وهي وجود حالات من الانسجام النسبي لجهة التجانس القومي أو الديني أو المذهبي في البلد الواحد، وهذا أمر غير متوافر بقوة في معظم البلدان العربية، خصوصاً في المشرق العربي التي تشكّلت سياسياً بعد تصدّع السلطنة العثمانية وتعرّضها إلى احتلالات وتقسيمات فرضتها الدول الأوروبية. حتى المناطق التي تتوافر فيها الحدود المعقولة للانسجام الديني ـ القومي تعاني من انقسامات مناطقية أو قبلية أو جهوية كما هو حال اليمن وليبيا والصومال.
المسألة معقّدة، وهي أكبر من القوى الإسلامية. المشكلة تتطلب مشاركة وطنية تتجاوز خطابات الأصالة والمعاصرة لكون الأزمة مشتركة وتحتاج إلى نوع من التسوية التاريخية (العقد السياسي) التي تربط الجماعات الأهلية وتشدها إلى إطار دستوري يشكل وعاءً ينهض بالدولة ويعيد هيكلة الانقسامات وضبطها حتى تستطيع المجتمعات الانتقال تدريجياً من طور الانشطار الأهلي إلى مرحلة الانقسام السياسي ـ المدني.
تبقى أسئلة أخرى بشأن التحدّيات التي واجهت أو ستواجه القوى الإسلاميّة في مرحلة ما بعد استلام الحكم. ماذا يستطيع الإسلاميون أن يفعلوا أكثر من غيرهم؟ هل بإمكان القوى الصاعدة بعد انتفاضات «الربيع العربي» أن تغيّر المعادلة وتقوم بعمليات التحديث والإصلاح وتقوية الدولة وتوسيع وظائفها بالتوازي مع تطوير مؤسسات «المجتمع المدني» والهيئات التقليديّة من دون إثارة الجماعات الأهلية واستفزازها، وعدم المساهمة في دفع خريطة «الشرق الأوسط» السّياسية نحو المزيد من التصدّع.
أسئلة كثيرة مطروحة ويوجد غيرها من قراءات ترى أن القوى الإسلامية الصاعدة إلى السلطة دخلت أو ستدخل في ورطة كبيرة، ويحتمل أن تتحوّل المسئوليات الرسمية إلى محرقة سياسية تأكل قواعدها الشعبية بعد فترة ليست بالطويلة. لائحة التحدّيات ممتدة، وهي إلى جانب القضايا الاجتماعية والتنموية والتربوية والبيئية والصحية والثقافية والتعليمية وغيرها من أمور تتصل مباشرة بالاقتصاد وموازنة الدولة ومواردها ونفقاتها والأشغال العامة... هناك أيضاً قضايا سياسية تتصل بالعلاقات الديبلوماسية الدولية وترابط موازين القوى بالمصلحة العليا، وموضوع الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومسألة السلم والحرب والاعتراف بـ «إسرائيل» وعودة الشعب الفلسطيني، ومدى استعداد القوى الجديدة والصاعدة على السكوت على ما يجري في محيطها، وتجاهل قضايا الظلم والحقوق والعدالة الإنسانية وما يتفرع عنها من التزامات قانونية بشأن حقوق الإنسان وتمكين المرأة وضرورة المشاركة في صنع القرار والاعتراف بالآخر وحقّه في الاعتراض.
المهمات كثيرة وهي ضرورية حتى يتوازن المجتمع وتتحقق المصالحة في سياق تسوية تاريخية تحتاج فعلاً إلى عقلية تسامحية تستوعب التعارضات وتحتوي التناقضات، وتبتكر آليات مرنة في تصور الحلول ووضع الخطط الميدانية لتنفيذ المشروعات وتجاوز العقبات المتأخرة والمتوارثة من عهود سابقة.
تحديات كثيرة انتظرت وتنتظر القوى الإسلامية بعد صعودها إلى السلطة، والتحديات في مجملها ليست نظرية ولا تُرمى على الطاولة بقصد المناورة أو الاستفزاز. المسألة جدّية وهي فعلاً تتطلب إعادة قراءة، لأن الموضوعات المتراكمة من عهود سابقة تحتاج إلى سياسة حكيمة مبنية على تصوّرات منهجية ولا يمكن تأجيلها بانتظار أن تحصل «معجزة» ما لا يُعرف متى تقع.
لا شكّ في أن القوى الإسلامية، مثلها مثل الأحزاب السياسية المعارضة، تمتلك الكثير من البرامج والخطط والأفكار العامة والنظرية. وهي لا تتحمل المسئولية وحدها في اعتبار أن غاية التقدم معضلة تاريخية ـ اجتماعية مشتركة ولا يمكن وضعها على الرف أو في خزنة الأسرار لكون هاجس الإصلاح والتحديث والتطوير يقع على عاتق الجميع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنع المجتمع من مواصلة الانزلاق نحو استقطابات أهلية تجوّف الدولة من وحدتها وتمزّق نسيجها وتفرّغ قواها المنتجة من عصب الحياة. وأهم تلك المواجهات المحتملة في المنظور القريب يمكن اختصارها بخلفيات وأهداف ما يسمى بمشروع الشرق الأوسط «الكبير» أو «الصغير» أو «الجديد». التحدّيات كبرى وهي ليست بسيطة وتستحق فعلاً من القوى الإسلامية التعامل معها بجدية ورؤية عقلانية وعاقلة حتى لا يتحول التغيير إلى لعنة بعد أن كان بركة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018