ارشيف من :أخبار لبنانية

لماذا فعلوها في معلولا؟

لماذا فعلوها في معلولا؟

عصام نعمان - صحيفة البناء


الفاعل في معلولا ليس مجهولاً. كشف عن هويته بفخر بعد ان ساءه كما جاء في بيانه « كثرة الذين قاموا بتبني العمل المبارك الذي قام به أسود جبهة النصرة فكان لا بد من ذكر الفصائل المشاركة بالتفصيل ودورها في المعركة».

بطل «العمل المبارك» إذن هو «جبهة النصرة». لا ذكر لـِ «الجيش السوري الحر». لا هو ادّعى المشاركة ولا «جبهة النصرة» اتت على ذكره. بالعكس بدا أن استياء الجبهة من «كثرة الذين قاموا بتبني العمل المبارك» سببه تنظيمات سلفية متطرفة أخرى تتنافس معها على أعمال من هذا القبيل. لذلك اعترفت الجبهة بأفضال «ألوية أحفاد الرسول» فقط ونوّهت بدورها بـِ «المساعدة في توضيح جغرافية المنطقة وفي اقتحام الحاجز مع أُسودها».

لماذا هاجمت «جبهة النصرة» البلدة المسيحية الأيقونية التي ما زال بعض اهاليها يتكلمون الآرامية لغة السيد المسيح الذي زارها «ومن هنا انطلقت المسيحية الى العالم» كما تقول المسؤولة عن دير القديسـة تقلا الأم بلاجا صياف ؟
ليس دافع المهاجمين «الجهاديين» النيل من المسيحية بقدْر النيل من المسيحيين. صحيح أن «الجهاديين» أعلنوا بعد نسف حاجز الجيش السوري النظامي بجنوده الثمانية «بدءَ معركة فتح عاصمة الصليبيين» وانهم دعوا بمكبرات الصوت العائلات المسيحية المقيمة في البلدة الى «الدخول في الإسلام» إلاّ ان الدافع الأساس لفعلتهم كان على ما يبدو تهجير المسيحيين. لماذا؟ والى أين؟
يدّعي «الجهاديون» المتطرّفون أن المسيحيين في سورية يوالون النظام ويدعمونه في القتال ضد معارضيه عموماً والإسلاميين خصوصاً. الحقيقة ان المسيحيين مسالمون بصورة عامة ولا يُظهرون كأفرادٍ او كجماعة حماسةً ملحوظة لأهل النظام ولا بطبيعة الحال للمعارضة السلفية المسلحة. أما مشاركتهم في الحرب فتتم في إطار القوانين والأنظمة النافذة وأهمها خدمة العلم أي الخدمة العسكرية الإجبارية المطبقة على كل مواطن سوري بلغ الثامنـة عشرة.

يبدو أن أطراف المعارضة السورية غير السلفية كما الأطراف السياسية غير المتدينة لا تشاطر تنظيميّ «جبهة النصرة» و «الدولة الإسلامية في العراق والشام» نظرتهما وسلوكيتهما المعادية للأقليات الإثنية الكُرْد وغير السنيّة العلويون والدروز والإسماعيليون وللمسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك والأرمن إلاّ انها تمتنع عن إدانتهما لسببين : الاول لمنع اهل النظام من استثمار الاخطاء والخطايا اعلامياً وسياسياً. الثاني لتفادي الاصطدام بهما ميدانياً وعسكرياً في مناطق ومواقع الوجود المشترك ولا سيما في شمال حلب وريف دمشق.

أدّت الحرب التي تعصف بسوريا منذ 30 شهراً بحسب تقريرٍ لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الى نزوح ستة ملايين من مواطنيها داخلَها والى تهجير أكثر من مليونيْن الى الدول المجاورة ولا سيما الى لبنان حيث تجاوز عدد اللاجئين السوريين اليه 716 الفاً. ويقول مصدر في بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للمسيحيين الكاثوليك أن عدد السورين المسيحيين النازحين الى مناطق آمنة في الداخل السوري أو الى الخارج يربو على نصف مليون.
فوق ذلك يؤكد تقرير مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن الهيئات الإنسانية المهتمة بإيواء اللاجئين السوريين في لبنان وإغاثتهم لم تتسلم سوى 47 في المئة من الأموال المطلوبة لتلبية الحاجات الإنسانية لهؤلاء وذلك لغاية 27 آب الماضي.
هذه لمحة عن الوضع الإنساني والإجتماعي للشعب السوري عشية الضربة العسكرية المفترضة. أليس من المنتظر ان يصبح الوضع أكثر مأسوية بعد الضربة نتيجةَ تدفق مزيد من النازحين داخل سورية ومن اللاجئين الى خارجها؟
لعلّ في التحذير الذي أطلقه المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين انطونيو غوتيريس ما يستنفر أصحاب الضمائر الحية. قال غوتيريس: «إن سورية صارت المأساة الكبرى في عصرنا كارثة إنسانية صادمة مع ما يواكبها من عمليات تهجير لم يشهدها التاريخ الحديث ذلك أن معظم من يفرّون لا يملكون أكثر من الملابس التي يرتدونها».

كذلك يمكن ان تعطي السويد وألمانيا فكرة عمّا سيحدث بعد ان يحطّ غبار الضربة العسكرية المفترضة.
المجلس السويدي للهجرة قرر مطلعَ الاسبوع الماضي منح اللاجئين السوريين حق اللجوء الدائم. كان نحو 14700 لاجىء سوري قد جاؤوا الى السويد منذ سنة 2012 واستفاد بعضهم من حق الإقامة الموقتة. الآن سيكون في وسعهم البقاء في السويد ما شاؤوا.
حكومة ألمانيا قررت أيضاً استقبال خمسة آلاف لاجئ سوري اضافي يعانون اوضاعاً صعبة في لبنان وذلك بصفة موقتة. هؤلاء صُنّفوا «ذوي حاجات خاصة» وسيخضعون لبرنامج تدريب وتوجيه قبل توزيعهم في أنحاء مختلفة من ألمانيا. وكان 13 ألف لاجئ سوري لجأوا الى ألمانيا منذ سنة 2012.

لوحظ أن القسم الأكبر من اللاجئين السوريين الذين يقصدون الدول الإسكندينافية السويد نروج الدنمارك فنلندا مسيحيون. وكان تردد في أوساط سياسية مؤيدة للمعارضة السورية في باريس أن ثمة سياسة لدى دول أوروبا الغربية التي تشكو من تدنٍّ في نسبة الولادة تقضي بقبول لاجئين مسيحيين من العراق وسورية بدعوى أنهم أكثر قابلية من المسلمين للتأقلم والتجانس مع البيئة الأوروبية.

ترى هل ما تفعله «جبهة النصرة» يجري في سياق تزويد بعض دول أوروبا بلاجئين سوريين مسيحيين ليصبحوا لاحقاً مواطنين متجانسين؟
اذا ثبتت هذ المعلومة فمعنى ذلك أن دول أوروبية عدة تدرك سلفاً أن الضربة العسكرية لسورية أكيدة وأنها ستسفيد من ذيولها باستقبال «أصنافٍ» معينة من اللاجئين وتمنحهم حق الإقامة الدائمة تمهيداً لتجنيسهم وتكريسهم مواطنين...
كيف يمكن مواجهة نكبة سورية بل نكبة العرب الجديدة؟

لعل العلاج الأفعل هو في تفادي وقوع الضربة العسكرية المفترضة. اللاعبون الكبار الدوليون والإقليميون هم الأقدر على وعي مخاطر الضربة وتداعياتها الكارثية وهم تالياً الأوْلى بإجراء ما يلزم لتفادي اللجوء إليها.
في هذا الإطار كثّف البابا فرنسيس مساعيه لتفادي حلّ عسكري للأزمة السورية فوجّه رسالة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعا فيها الى تحرك أعضاء مجموعة العشرين للبحث عن حل سلمي «يجنّب سورية مجزرة» كما دعا العالم للصلاة من أجلها.
في واشنطن دعا مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الاميركيين الرئيس باراك أوباما الى «عدم القيام بتدخل عسكري» في سورية والسعي عوضاً عن ذلك الى ايجاد «حل سياسي للنزاع».
أجل في الحل السياسي خلاصٌ من المحنة التي تستهلك سورية والشعب السوري بكل أديانه وطوائفه وجماعاته السياسية والإثنية.  
2013-09-09