ارشيف من :أخبار لبنانية
رفقاً أيتها الشاشة... الأطفال قابلون للكسر
شيم سليمان_السفير
لا تفوّتُ وسائل الإعلام وسيلة للتأثير في الرأي العام بما يتوافق مع أجنداتها السياسيّة. ويجد تسليع الأطفال مناخاً ملائماً له حالياً، في أجواء «التطبيل» لعدوان عسكري غربي على سوريا.
خلال الفترة الماضية، وضع العديد من الفضائيات ورقة الأطفال على طاولة الاستعدادات العسكرية. على سبيل المثال، عمدت قناة «العربية» إلى قسم شاشتها نصفين خلال تغطيتها لمداولات مجلس العموم البريطاني بشأن التدخل العسكري، مخصصةً نصف الشاشة للمداولات، ونصفها الآخر لتكرار عرض مشاهد لأطفال طاولتهم نار الحرب في سوريا، خاصة لضحايا الاعتداء الكيميائي في غوطة دمشق.
وكثفت قناة «الجزيرة» عزفها على النغمة ذاتها خلال الأيام الأخيرة، لتحضر مشاهد وصور الأطفال الضحايا في معظم التقارير والفواصل الخاصة بالشأن السوري.
ولا يعتبر ذلك ظاهرة مستجدة على التعاطي الإعلامي مع الأزمة السورية، إذ كان الأطفال حاضرين دائماً، مع محطات وصور بارزة تحفر في الذهن، ومن بينها مثلاً الصورة التي تداولتها وسائل الإعلام العالميّة على نطاق واسع لـ«طفل الكلاشنكوف المقاتل»، أحمد من حلب، ابن الأعوام السبعة. سيجارة في فمه وعينان تختصران صورة جيل بأكمله مسلوب الروح، زُجَّ إعلامياً وبطريقة مأساوية على شاشات الحرب.
يشكل فضاء التواصل الاجتماعي المفتوح فرصة أمام من «هب ودب» للمساهمة في امتهان الطفولة، في ظل غياب قيود صارمة على نشر المحتوى الذي يتضمن أطفالاً. فمثلاً يلقّن الطفل عباس في شريط نشر على «يوتيوب» خطاباتٍ وهتافاتٍ طائفية تتضمّن تهديداً، وسط تكبير وتهليل الكبار المحيطين به. فهل يعي عباس الجميل الخطاب الطائفي والطائفي المضاد؟
من المفيد التذكير بأنَّ استغلال الأطفال لاستقطاب مشاهدة واسعة لم يكن وليد الحرب فحسب. ففي مكان آخر، مالت تغطية قضايا الطفل في الإعلام العربي إلى التركيز على الإثارة وعدم احترام الخصوصيّة. ونذكّر هنا بالمقابلة التلفزيونية التي أجرتها قناة «التونسية» في العام الحالي، مع طفلة في الثالثة من العمر، وقعت ضحية الاغتصاب، تروي ما حصل معها. السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الحالة: هل من المبرّر أن ترجّح الوسيلة الإعلامية المصلحة العامة وحرية الصحافة، على خصوصية الطفل؟
يخالف تسليع الإعلام للطفل نصوص القوانين والاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الطفل. ويُذكّر ميثاق حماية الطفل في وسائل الإعلام (وضع من قبل مجموعة من العاملين في الصحافة ومن السلطات العامة برئاسة الـ«يونيسيف» العام 2012) بحقوق الطفل كمعيار أساسي للتغطية والمتابعة الصحافية. ويشير إلى أنّ موافقة الوالدين أساسية في خلق أي محتوى إعلامي يخص الأطفال. تم توقيع هذا الميثاق على خلفية سابقة نشر صور تحوي «فرط جنسنة» (Hypersexualisation) لأطفال، في إعلان على صفحات مجلّة «فوغ» الأميركيّة العام 2010. قبل صك ذاك الميثاق بسنوات، عقد في أيار 1998 في مدينة ريسيف في البرازيل، المؤتمر التشاوري الدولي الأول حول الصحافة وحقوق الطفل، واعتمد دليل المبادئ التوجيهية للاتحاد الدولي للصحافيين «حقوق الطفل والإعلام»، من قبل منظمات للعمل الصحافي في 70 دولة. فأين وسائل الإعلام من تلك المواثيق في تعاطيها مع الطفل العربي؟
الطريقة التي تصف فيها وسائل الإعلام الطفل ــ أو حتى تجاهلها له ـــ يمكن أن تؤثر في القرارات التي تتخذ باسمه، وفي مدى احترام المجتمع له. لكنّ الفضائيات العربيّة تتناول قضايا الطفل من زاوية الحدث أو السبق الصحافي، أو كأداة لخلق أحداث. وهل يمكن لصورة الطفلة التي تحمل لافتة كتب عليها «ما عاد تصورنا مع وراق مو عرفانين شو مكتوب عليها...»، أن تحضّ على صحوة لخلق إعلام عربي «صديق للطفل»، يتبنّى قضاياه، ليس من فوهة بندقية ولا من ضمن أجندات سياسية؟ حتى ذلك الحين، هل سيجدي نفعاً أن نصرخ رفقاً أيها الإعلام العربي... فسلعتك قابلة للكسر؟
لا تفوّتُ وسائل الإعلام وسيلة للتأثير في الرأي العام بما يتوافق مع أجنداتها السياسيّة. ويجد تسليع الأطفال مناخاً ملائماً له حالياً، في أجواء «التطبيل» لعدوان عسكري غربي على سوريا.
خلال الفترة الماضية، وضع العديد من الفضائيات ورقة الأطفال على طاولة الاستعدادات العسكرية. على سبيل المثال، عمدت قناة «العربية» إلى قسم شاشتها نصفين خلال تغطيتها لمداولات مجلس العموم البريطاني بشأن التدخل العسكري، مخصصةً نصف الشاشة للمداولات، ونصفها الآخر لتكرار عرض مشاهد لأطفال طاولتهم نار الحرب في سوريا، خاصة لضحايا الاعتداء الكيميائي في غوطة دمشق.
وكثفت قناة «الجزيرة» عزفها على النغمة ذاتها خلال الأيام الأخيرة، لتحضر مشاهد وصور الأطفال الضحايا في معظم التقارير والفواصل الخاصة بالشأن السوري.
ولا يعتبر ذلك ظاهرة مستجدة على التعاطي الإعلامي مع الأزمة السورية، إذ كان الأطفال حاضرين دائماً، مع محطات وصور بارزة تحفر في الذهن، ومن بينها مثلاً الصورة التي تداولتها وسائل الإعلام العالميّة على نطاق واسع لـ«طفل الكلاشنكوف المقاتل»، أحمد من حلب، ابن الأعوام السبعة. سيجارة في فمه وعينان تختصران صورة جيل بأكمله مسلوب الروح، زُجَّ إعلامياً وبطريقة مأساوية على شاشات الحرب.
يشكل فضاء التواصل الاجتماعي المفتوح فرصة أمام من «هب ودب» للمساهمة في امتهان الطفولة، في ظل غياب قيود صارمة على نشر المحتوى الذي يتضمن أطفالاً. فمثلاً يلقّن الطفل عباس في شريط نشر على «يوتيوب» خطاباتٍ وهتافاتٍ طائفية تتضمّن تهديداً، وسط تكبير وتهليل الكبار المحيطين به. فهل يعي عباس الجميل الخطاب الطائفي والطائفي المضاد؟
من المفيد التذكير بأنَّ استغلال الأطفال لاستقطاب مشاهدة واسعة لم يكن وليد الحرب فحسب. ففي مكان آخر، مالت تغطية قضايا الطفل في الإعلام العربي إلى التركيز على الإثارة وعدم احترام الخصوصيّة. ونذكّر هنا بالمقابلة التلفزيونية التي أجرتها قناة «التونسية» في العام الحالي، مع طفلة في الثالثة من العمر، وقعت ضحية الاغتصاب، تروي ما حصل معها. السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذه الحالة: هل من المبرّر أن ترجّح الوسيلة الإعلامية المصلحة العامة وحرية الصحافة، على خصوصية الطفل؟
يخالف تسليع الإعلام للطفل نصوص القوانين والاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الطفل. ويُذكّر ميثاق حماية الطفل في وسائل الإعلام (وضع من قبل مجموعة من العاملين في الصحافة ومن السلطات العامة برئاسة الـ«يونيسيف» العام 2012) بحقوق الطفل كمعيار أساسي للتغطية والمتابعة الصحافية. ويشير إلى أنّ موافقة الوالدين أساسية في خلق أي محتوى إعلامي يخص الأطفال. تم توقيع هذا الميثاق على خلفية سابقة نشر صور تحوي «فرط جنسنة» (Hypersexualisation) لأطفال، في إعلان على صفحات مجلّة «فوغ» الأميركيّة العام 2010. قبل صك ذاك الميثاق بسنوات، عقد في أيار 1998 في مدينة ريسيف في البرازيل، المؤتمر التشاوري الدولي الأول حول الصحافة وحقوق الطفل، واعتمد دليل المبادئ التوجيهية للاتحاد الدولي للصحافيين «حقوق الطفل والإعلام»، من قبل منظمات للعمل الصحافي في 70 دولة. فأين وسائل الإعلام من تلك المواثيق في تعاطيها مع الطفل العربي؟
الطريقة التي تصف فيها وسائل الإعلام الطفل ــ أو حتى تجاهلها له ـــ يمكن أن تؤثر في القرارات التي تتخذ باسمه، وفي مدى احترام المجتمع له. لكنّ الفضائيات العربيّة تتناول قضايا الطفل من زاوية الحدث أو السبق الصحافي، أو كأداة لخلق أحداث. وهل يمكن لصورة الطفلة التي تحمل لافتة كتب عليها «ما عاد تصورنا مع وراق مو عرفانين شو مكتوب عليها...»، أن تحضّ على صحوة لخلق إعلام عربي «صديق للطفل»، يتبنّى قضاياه، ليس من فوهة بندقية ولا من ضمن أجندات سياسية؟ حتى ذلك الحين، هل سيجدي نفعاً أن نصرخ رفقاً أيها الإعلام العربي... فسلعتك قابلة للكسر؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018