ارشيف من :أخبار لبنانية

لبنان بين «المنتصرين» و«المنتظرين» و«الناقمين»


لبنان بين «المنتصرين» و«المنتظرين» و«الناقمين»

نبيل هيثم - صحيفة "السفير"

مع بروز المبادرة الروسية، انتقل العدوان الاميركي على سوريا من الميدان العسكري الى الميدان السياسي تلمسا لصفقة بين الكبار، تلغي احتمالات العدوان التي لم تنتفِ بعد.

لا وقت محددا امام الدبلوماسية الاميركية والروسية لبلورة المخرج الذي يحتوي الازمة، ما يعني ان السقف الزمني مفتوح وربما يتطلب ذلك وقتا طويلا، اسابيع أو اشهرا، وربما اكثر من ذلك. ولأن لبنان منخرط بقواه السياسية وحتى النخاع في المحورين الاميركي ـ الغربي ـ الخليجي، والروسي ـ الايراني ـ السوري، ويتحرك على ايقاعهما، فمن البديهي ان تحكمه النتائج، سلبية كانت ام ايجابية، وهذا يقود تلقائيا الى السؤال عن لبنان ما بعد تلك التطورات، واي ارتدادات ستسقط عليه؟ وهل سيبقى معلقا على حبل الانتظار؟ وهل يحتمل ان يستمر في هذا الفراغ؟ ام ان الوقائع الجديدة ستفرض على القوى السياسية بعضا من العقلانية والواقعية؟.

الواضح ان الصورة الداخلية لا تشي لا بعقلانية ولا بواقعية، خصوصاً ان فريقَي الانقسام الداخلي «يسيّلان» نتائج ما جرى بحسب رغبة ووجهة كل منهما. فها هو «تيار المستقبل»، ومعه حلفاؤه في «14 آذار»، لا يرى في ما حصل هزيمة لمحوره وانتصارا للمحور المقابل، بل العكس من ذلك، ففي قناعته ان الضربة الاميركية للنظام السوري آتية، ولو بعد حين، وعلى نحو لن تقوم لهذا النظام قائمة بعد ذلك.

وها هو «تيار المستقبل» ساخط على المبادرة الروسية، لأنها قطعت طريق العدوان على سوريا، ومع ذلك يرفض القبول بأنها قلبت المعادلة وانها اضطرت الاميركي الى التفاعل معها، بل يحاول ان يعتبرها لعبة شطرنج روسية ربح فيها الروس وحلفاؤهم جولة.

الحرب في نظر «المستقبل» لم تبدأ بعد، كما لم تنته بعد، ويتعلق بالمثل القائل: «من يضحك اخيرا يضحك كثيرا»، على اساس ان ساعة الضربة للنظام السوري آتية لا ريب فيها. ومعنى ذلك ان الداخل اللبناني، في نظر «الزرق»، لم يتأثر بالتطورات الاخيرة، وان وجهته النهائية، السياسية او الحكومية، ستحددها وقائع الضربة المفترضة للنظام السوري.

لكن الصورة في المحور الداخلي المقابل مختلفة جذريا، فهناك من يتحدث عن انتصار موصوف على المحور الاميركي ـ الغربي ـ السعودي الذي تلقى ضربة كبرى بمنعه من شن الحرب التدميرية على سوريا وإحباط أهدافه.

في هذا المحور كثير من المتحمسين الذين يتوقعون ارتدادات لبنانية سريعة ربطا بما يسمونها «هزيمة» المحور الاميركي ـ الغربي ـ السعودي، وسقوط عصر القطب الواحد، وبروز قطب جديد اثبت فيه المحور الروسي ـ الايراني ـ السوري وحزب الله ضمنا، انه يمتلك حضورا وقوة وتفوقا.

وتذهب الحماسة ببعض الرؤوس الحامية في هذا الجانب الى السؤال التالي: فشل الهجوم الاول على نظام الرئيس بشار الاسد ادى الى سقوط «الحَمَدَيْن» في قطر، فهل سيؤدي فشل الهجوم الثاني الى سقوط شخصيات خليجية أخرى؟

واما لبنانيا، فتعكس الارتدادات المرتقبة من قبل المتحمسين إفراطا في التفاؤل او التقدير، بحيث يتوقع البعض تحولا في المسار السياسي، بدءاً بتعديل مرتقب للخطاب الرئاسي، وكذلك بتعديل آلية التعاطي على مسار تأليف الحكومة الجديدة على اساس مبدأ «الحيادية» او «الامر الواقع» او «العزل» او «التفرد» في ادارة البلد. كما لحقت بهم «حكومة المثالثة» التي سقطت أيضاً، وأصبحت حكومة الشراكة هي الاكثر قبولاً في هذه المرحلة.

ولكن بين المحورين من يذهب الى الواقعية، فينطلق اولا من توصيف دقيق لواقع لبناني هشّ، كان معلقا طوال الأسبوعين الأخيرين على رف انتظار الصواريخ الموجهة نحو سوريا. فلبنان، كما يقول مسؤول كبير، كان في الأسبوعين الأخيرين في قلب عاصفة خطيرة، وأجواؤه المخلعة كانت مسرحا للاسرائيلي، وعلى مدى الأيام الأخيرة لم تغادر 24 طائرة حربية اسرائيلية سماء لبنان ليل نهار، حتى ان «جسما غريبا» ظهر لبعض الوقت على الرادارات اللبنانية لكنه سرعان ما اختفى، وثمة شكوك في أن طوافة عسكرية مجهولة حامت على علو منخفض جدا في وادي نهر ابراهيم، من دون ان يتم تأكيد ذلك حتى الآن.

ومما لا شك فيه، يقول المسؤول المذكور، إن فريقا من اللبنانيين يشعر بالانتصار، وإن فريقا آخر يشعر بالخيبة وبرغبة بالبحث الدائم عن أمنية او أمل، او حبل رهان يتعلق فيه لعله يحقق هدف إطاحة الأسد. وبين هذين المنطقين سيمضي اللبنانيون وقتاً طويلا من الانتظار، كل في محوره، وهذا معناه المزيد من المراوحة والوقت الضائع، والمزيد من البطالة السياسية. وما دامت معالم السياسة الاقليمية والدولية تتلمس طريق الصفقات والحلول، فمن المنطقي ان يجلس لبنان على مقعد الانتظار بحكومته وبكل ملفاته واستحقاقاته، وبالتالي لن يفرج عن هذا اللبنان وهمومه المعلقة الا حينما ندخل فعليا الى ساحات الصفقات ــ الحلول.
2013-09-12