ارشيف من :أخبار لبنانية

مرحلة مفاوضات إيرانية - أميركية... ولبنان يستفيد

مرحلة مفاوضات إيرانية - أميركية... ولبنان يستفيد

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

أياً تكن الاستنتاجات التي خرج بها الاطراف المعنيون بعد قرار واشنطن تعليق ضربتها العسكرية ضدّ سوريا، الاّ أنّ الواضح والثابت والاكيد هو تكريس دور اكبر لروسيا والاعتراف بنفوذها الجديد في الشرق الاوسط. هكذا لعبت موسكو دور درع الحماية لدمشق ومن خلالها لطهران، وشكلت ممراً إلزامياً لواشنطن للعودة الى المنطقة الآمنة وعدم التوغل اكثر في المجهول غير المحسوب.

ولا شكّ ايضاً في أنّ الولايات المتحدة الاميركية تغيرت بعض الشيء. صحيح انها ما تزال وستبقى الدولة الأكثر قوة ونفوذاً في العالم، الاّ أنّ ازمة سوريا اظهرت أنّ شيئاً قد تبدّل، وقد يكون لتردّد الرئيس باراك أوباما علاقة بذلك. إضافة الى إدارة لم تكن قادرة على إدارة أزمة بهذا الحجم وبهذه الخطورة. لكن، ومن باب الإنصاف، لا بدّ من الإقرار بأنّ الداخل الأميركي طرأ عليه متغيّرات جديدة بدأت تتبلور منذ اعتداءات 11 ايلول وفعلت فعلها مع النتائج السلبية، خصوصاً لاحتلال العراق.

وعلى رغم أنّ من المبكر الحديث عن إعادة تقويم واستخلاص العبر، إلّا انّ بعض مراكز الدراسات بدأ يتحدث عن أنّ واشنطن اصبحت أكثر خطراً مستقبلاً كونها ستغدو في حاجة لإعادة اثبات حزمها وهيبتها على صعيد قيادتها للعالم من خلال ضربة قوية يتطلّبها ظرف يجري اختياره بدقة، وقابلة للتنفيذ تحت إشراف إدارة مختلفة عن الإدارة الحالية.

لكن، في انتظار ذلك ستحاول إدارة أوباما تحقيق بعض المكاسب في ملفات الشرق الاوسط الاكثر تعقيداً في العالم، انطلاقاً من الواقع الجديد الذي نشأ. ذلك انّ من البساطة الاعتقاد بأنّ هذا التصعيد الذي حصل إنما جاء بفعل التطوّر التصاعدي والعفوي للاحداث من دون أيّ خلفية سياسية. فلماذا تحركت واشنطن الآن؟ وما هي الاهداف السياسية التي كانت قد رسمتها لضربتها العسكرية فيما لو حصلت؟

في المقابل، هناك من يسأل في الاتجاه المعاكس، عن السبب الذي أدّى الى استعمال السلاح الكيماوي في هذا الظرف بالذات، وهل له علاقة بالملف النووي الايراني؟. وتروي الكواليس الديبلوماسية انّ واشنطن ابلغت الى الرياض أنها ارتأت التروي في تنفيذ ضربتها في انتظار اللقاء الاميركي - الايراني في نيويورك على هامش اعمال الهيئة العامة للأمم المتحدة، ذلك أنّ الاساس يبقى في هذا الملف الذي كان سيشكل أحد الاهداف السياسية الرئيسية لنتائج الضربة العسكرية.

وحسب القراءة الديبلوماسية، فإنّ روسيا التي كرَّست لنفسها موقعاً متقدماً في الشرق الاوسط، تشكل في المرحلة الراهنة شريكاً مهماً للولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً على المستوى الايراني. ذلك انّ موسكو التي نجحت في تمرير إخراجها للسلاح الكيماوي في سوريا بسرعة وبلا أيّ تعقيدات، تبدو قادرة على لعب دور مؤثّر في الملف النووي الإيراني، خصوصاً أنّ واشنطن مقتنعة بأنّ لموسكو مصلحة مباشرة في ضبط هذا الملف ووضع أُطرٍ له.

ولذلك، نصحت هذه الاوساط الديبلوماسية العواصم الخليجية بالتعاطي بمرونة مع ايران، خصوصاً مع الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني لمساعدته على تعزيز موقعه الداخلي وحماية خطواته الإصلاحية. وانطلاقاً من ذلك، وجَّهت الرياض موقفاً إيجابياً الى روحاني، في ما يشبه إعادة فتح الطريق امام التحضير لزيارة له الى السعودية منتصف تشرين الاول المقبل، حيث حُكِي سابقاً عن لقاءات قد تُعقد على هامش أدائه مناسك العمرة.

ولذلك ربما، كثُر الكلام في لبنان عن أنّ أيّ حظوظ لولادة حكومة جديدة لن تظهر قبل شهر من الآن، لا بل على العكس فإنّ الحسابات التي كانت قائمة حول ولادة الحكومة لم تعد موجودة الآن، خصوصاً بعد تبدّل الوظيفة المطلوبة منها.

ففي الداخل السوري، لا بدّ من أن يتجه مسار المواجهات الى سلوك اكثر هدوءاً بعدما كانت الاشهر الماضية تشهد ضغطاً متزايداً لمصلحة تكريس الغلبة العسكرية للنظام الذي كان يستعدّ لاستعادة مدينة حلب. وبالتالي، كان لا بدّ من أن تكون ولادة الحكومة استكمالاً للنزاع العنيف المفتوح في سوريا، ولكن على اساس الضغط على "حزب الله" وكشفه سياسياً لدفعه الى الانسحاب من الجبهة السورية في محاولة لإعادة تعديل ميزان القوى.

وعندما واجهت هذه الخطوة عراقيل كبيرة في الداخل اللبناني، إرتفعت الحماوة الامنية التي بدأت مع الصواريخ لتتطوّر سريعاً في اتجاه السيارات المفخخة التي كانت تهدف لتأليب الرأي العام الشيعي واللبناني ضدّ مشاركة "حزب الله" في القتال في سوريا.

ولذلك يعتقد البعض انّ المعارك التي ستبقى مشتعلة في سوريا ستفتقد "الحيوية" العسكرية، على الأقل في هذه الفترة، حيث ستبقى القوات الاميركية مستنفرة في البحر الابيض المتوسط. ما يعني انّ ملف الحكومة اللبنانية سيكون خاضعاً لجاذبية القمة الايرانية - السعودية اكثر من التطورات الميدانية السورية التي أصبحت تدور تحت سقف محدّد، الاّ إذا احتاج ذلك للتذكير من خلال الإستعانة بالسيارات المفخخة مجدداً، على ما تعتقد الاوساط الديبلوماسية.
2013-09-12