ارشيف من :أخبار لبنانية

دولة «الانتظار»: سيري وعين الله ترعاك!

دولة «الانتظار»: سيري وعين الله ترعاك!
ملاك عقيل-"السفير"

لن يشكّل تراجع مؤشرات الضربة العسكرية لسوريا، بطبيعة الحال، عامل اطمئنان الى إمكانية الولادة الوشيكة لحكومة تمام سلام. «غبار الصفقة» الاقليمية زاد في طين الارتباك الداخلي بلّة.

رؤساء، وسياسيون، ورؤساء أجهزة أمنية، وأحزاب، وقادة محاور.. جميعهم «يبلّون» يدهم، إما في صوغ القرار الأمني أو بالمساهمة في تنفيذه. أما الغطاء السياسي، «ما غيره»، فمتوافر، بحّده الأدنى، بقدرة التنسيق «الطائر» بين المقارّ.

بانتظار الفرج الحكومي، لا شيء يوحي بتغييرات، حتى مرحلية، تكسر الستاتيكو القائم. «دولة الانتظار» مستمرة بقدرة قادر.

ثمة حكومة تصريف أعمال لا تجتمع، ولا شيء يدلّ على انها ستفعل ذلك قريبا. تكتفي، مع امتعاض العديد من وزرائها، بتطبيق تعميم الرئيس نجيب ميقاتي بالالتزام بالمفهوم الضيّق لتصريف الأعمال.

منذ استقالة الحكومة في آذار الماضي، انعقد مجلس الوزراء مرة واحدة فقط، في جلسة استثنائية في 27 أيار الماضي، حيث أقرّ هيئة الإشراف على الانتخابات، وحدّد سقف الإنفاق الانتخابي.

كان سبق استقالة الحكومة بساعات تعيين اللواء محمد الخير أمينا عاما لمجلس الدفاع الأعلى دون غيره من أعضاء المجلس العسكري الذين انتهت ولايتهم أو اقتربت من نهايتها.

اجتماع حكومة تصريف الأعمال الوحيد شكّل يومها مناسبة للتداول وتحليل المعطيات حول أول دفعة من الصواريخ التي كانت قد استهدفت قبل يوم واحد الضاحية الجنوبية.

بعد ذلك، انصرف رئيس الحكومة والوزراء الى إدارة شؤونهم الوزارية «بالمفرّق». لا سقوط الصواريخ في أكثر من منطقة، حتى بالقرب من وزارة الدفاع المحاذية للقصر الجمهوري، ولا معركة صيدا بوجه أحمد الأسير، ولا تفجيرات بئر العبد والرويس وطرابلس، ولا اقتراب المنطقة من برميل بارود الحرب، عدّلت فاصلة في القرار المتخذ بإبقاء أبواب السرايا وقصر بعبدا مغلقة أمام الفريق الحكومي مجتمعا.

كان الهدف عدم خلق «حالة» حكومية «تُضارب» على جهود تمام سلام في التأليف المستعصي.

هكذا استعيض عن اجتماعات مجلس الوزراء، عند حصول أي خضة أمنية، باجتماعات المجلس الاعلى للدفاع ومجلس الامن المركزي، واجتماعات أمنية عاجلة تنقّلت بين وزارة الداخلية وبعبدا ومكاتب رؤساء الأجهزة الأمنية.

هذا ما كان يحصل أصلا حين كانت حكومة ميقاتي في عزّ «عطائها»، لكن الفارق ان ثمة من يرى أن هذا «التجيير»، في ظل حكومة قادرة أن تجتمع، غير جائز بالسياسة وبالقانون.

هي وجهة نظر تقابلها وجهة نظر اخرى سبق للرئيس ميقاتي، خلال إحدى جولات القتال الدامية في طرابلس في حزيران الماضي، أن عكس جانبا منها حين كشف عن استغناء قيادة الجيش، بعد توجيه السؤال اليها، عن الحاجة الى انعقاد مجلس الوزراء بصورة استثنائية أو المجلس الاعلى للدفاع، لتأكيد القرار السياسي المعطى أصلا لوحدات الجيش في مناطق التوتر في طرابلس لضبط الأمن.

يومها نقل الرئيس ميقاتي عن العماد جان قهوجي قوله «الجيش مغطّى بالكامل».

العماد ميشال عون المعترض الاول على التضييق الذي يمارسه، برأيه، ميقاتي على الوزراء، وعلى «سياسة» الموافقات الاستثنائية، وجّه سهامه صوب المجلس الأعلى للدفاع معتبرا انه يأخذ دور الحكومة.

طوال أشهر الدخول اللبناني في نفق الأزمة السورية الملتهبة، لم تكن الحكومة مجتمعة المكان «المثالي» للقول بأنها منبع القرار السياسي الموحّد الذي كانت تطلبه قيادة الجيش والأجهزة الامنية للتصرّف على الارض.

كانت التطمينات بوجود الغطاء السياسي لمواجهة سلسلة الإخلالات الأمنية التي غالبا ما كانت ترتدي لبوس الفتنة، تصدر، أساساً، عن الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي.

وكلّ مرة كان يحدّد سقف هذا الغطاء بحسب «الحالة» وحجمها وتداعياتها المحتملة على امتداد البؤر المتفجّرة من الشمال الى الجنوب مرورا ببيروت. فتفتح غرف العمليات بين اليرزة والمرجعيات الرئاسية، ومرجعيات حزبية معنية، يستحيل تجاوزها حين يكون الحسم مطلوبا.

وفي أحيان كثيرة كان الجيش يتصرّف من دون العودة الى «النبع السياسي» بحسب ما كانت تفرض ظروف الأرض من سرعة في التحرّك.
لكن شكوى القيادة ظلّت تتردّد باستمرار حول غياب القرار السياسي الحاسم والواضح بمنح العسكر عصا الحسم في أكثر من بؤرة توتر.

عدّة معطيات كانت ترسم صورة أمنية غامضة ومعقدة على الارض: غياب التنسيق بين الأجهزة الأمنية، الإيحاء بوجود قرار سياسي يقابله تردّد قيادة الجيش نفسها في تنفيذ مداهمات أو اعتقالات أو فتح النار مراعاة لحساسية مرحلة لا تحتمل مغامرات عسكرية غير محسوبة النتائج، وهو الستاتيكو الذي بقي قائما الى حين الردّ على اعتداءات أحمد الأسير في صيدا. محاولات الأجهزة الأمنية «التمريك» على بعضها البعض وحتى التشويش على أداء بعضها البعض. ارتباط الارض دائما بالحسابات السياسية المكبّلة لسياسة الضرب بيد من حديد.

تحت هذا السقف، وفي ظل حكومة لم تكن يوما من لون واحد، لم يكن بالإمكان الجزم بأن فريقا حكوميا غير متجانس، وقد «تدبّ الصرخة» فيه على أبسط الأمور، هو الذراع السياسية غير الممكن الاستغناء عنها في مواجهة الاستحقاقات الامنية البالغة الخطورة.

طوال الخمسة أشهر الماضية في عهد تصريف الاعمال، لا رئيس الجمهورية، ولا رئيس الحكومة، ولا قيادة الجيش طالبوا صراحة، ولا وجدوا ضرورة أمنية ملحّة تفرض كسر «المحرّم» بانعقاد مجلس الوزراء، حتى حين تقاطعت المؤشرات لصدور القرار الدولي بضرب سوريا.

وفي ظل تقدّم المجلس الأعلى، بوصفه مطبخ القرارات الامنية، الى واجهة المؤسسات المعنية بمواكبة تطورات الداخل على وقع دقات الساعة السورية، وفي ظل شلل المؤسسات الدستورية، يلفت معنيون الى أن المجلس، على خلاف مجلس الوزراء، لا يملك سلطة القرار، بل هيئة تقتصر مهامها على اتخاذ توصيات تعمّم للتنفيذ على الوزارات والاجهزة الامنية المعنية.

ففي عزّ التوتر الحدودي بين لبنان وسوريا، طرحت قيادة الجيش على المجلس الأعلى للدفاع، بعديده الوزاري والامني، إمكان سحب ألوية من الداخل ونشرها على الحدود. كانت المعضلة تكمن في التوفيق بين حماية الاستقرار الداخلي بحدّه الأدنى وضبط الحدود بالحدّ الأدنى ايضا.
طلب كهذا لم يجد صدى له، لا في الحكومة ولا في المجلس الاعلى للدفاع الذي يعود له، وفق صلاحياته الاساسية، «ان يقرّر الاجراءات اللازمة لتنفيذ السياسة الدفاعية».
2013-09-13