ارشيف من :أخبار لبنانية

ضربة معلم

ضربة معلم
امين قمورية - صحيفة الصباح العراقية

 
   في الازمة السورية أظهر القيصر الروسي الجديد فلاديمير بوتين توقا الى الزعامة العالمية جعله مثارا للجدل، فقبل أيام بدا كأنه استاذ كبير في الشطرنج. بنقلة واحدة وضع "القلعة" الروسية في وجه "الملك الأسود" الأميركي الذي يهدد السوري بـ "كش مات". نقلة واحدة من "وزيره" لافروف غيّرت شروط اللعبة وقلبت الرقعة السورية رأسا على عقب.

   قبل ساعات كانت الضربة الاميركية لسوريا تحصيل حاصل، ولم يكن الحديث متى الضربة بل ماذا بعدها؟ لكن القيصر اللاعب قلب المعادلة باقتراح محكم: إذا كان ضرب سوريا هدفه لجم الاسد عن استخدام الكيميائي، فخذوا الكيميائي وجنبوا سوريا شر الحرب، وجنبوا العالم شر تداعياتها الكارثية المحتملة!.

   الاقتراح لم يسقط الضربة لكنه جعلها وراءه وصار هو في مقدم البحث وقد يسقطها اذا ما اخذت واشنطن به، وهذا ما حصل فعلا بإعداد العدة الاميركية للتراجع عن قرار شن الحرب في الإدارة وفي الكونغرس معا، فالشاطر بوتين باقتراحه وضع سلّمين لأوباما والأسد لانزالهما من الشجرة التي صعدا اليها، وأبعد نفسه عن احراج دفع العلاقة بين موسكو وواشنطن الى الهاوية اذا ما استمر الخلاف بينهما على الحرب المفترضة على سوريا.

   وهكذا تكون روسيا أنقذت حليفها السوري من ضربة موجعة قد تهد أركان نظامه من غير ان تكون دمشق قادرة على اعلان "الانتصار"، ذلك ان رضوخها بتسليم سلاحها الذي كانت تصفه بالستراتيجي في مواجهة النووي الاسرائيلي لا يمكن وصفه إلاّ تراجعا ومسا بالسيادة واقرارا ضمنيا بارتكاب انتهاكات. كذلك فان روسيا باقتراحها تكون قد وفرت مخرجا لائقا لأوباما من الدوامة التي حشر نفسه فيها، فهو من جهة يستطيع القول انه خلص العالم من شر الكيميائي السوري، ومن جهة اخرى جنبه إحراج الذهاب الى الحرب وحيدا ومعزولا ليس عن الحلفاء فحسب، بل ايضا عن الاميركيين الذين لم يشاطروه رأيه هذه المرة. وبدت المعارضة السورية وحدها كأنها الخاسر الاكبر في هذه اللعبة الجدية، اذ ظهرت معزولة وكأنها بلا ظهير او رفيق ومجرد اداة تنفيذية صغرى لعبث الآخرين.

   وفي حال الأخذ بالنصيحة الروسية يكون بوتين قد كرس نفسه راعيا دوليا، وجنب نفسه إحراج الوقوف موقف المتفرج على حرب قد تخرج موسكو من بوابة المستقبل وتعيدها الى الوراء عشرين سنة الى الوراء وتعيد تقزيمها في مجالها السيبيري الضيق الذي حشرت فيه في التسعينيات، فجزء من قرار اوباما بشن الحرب، لا يتعلق بسوريا وحدها وبنظامها او اسلحتها للدمار الشامل، بقدر ما يعني محاولة ايضا لفك ارتباط سوريا الموقع والدور بالدول الصاعدة حديثا والطامحة لأدوار دولية وإقليمية كبرى وفي مقدمتها روسيا وايران، وتاليا اضعاف قدرة هاتين الدولتين على المناورة وسحب خشبة المسرح السورية من تحت ارجلهما بعدما شكلت خشبة هذا المسرح طوال سنتين منصة انطلاق لموسكو للعودة الى العالمية في حين كرست ايران اقوى لاعب إقليمي في المنطقة.

   لا شك ان التموضع العالمي الجديد ودخول أقطاب جدد على المعادلة الدولية يشكل مبعث قلق للولايات المتحدة وتحديا لزعامتها وتفردها في الهيمنة على القرارات الدولية، وستسعى بكل الوسائل السياسية العسكرية والاقتصادية لتفكيكه. وعندما يتمكن الروسي من اسقاط خيار الحرب على سوريا يساهم ضمنا في تثبيت اسس مخططه الضمني بالوصول الى عالم متعدد القطب للدب الروسي حصة "الأسد" فيه!.

   وهكذا فان إبعاد شبح الضربة الاميركية من شأنه ان يفتح مسارين جديدين، الأول، سياسي ـ ديبلوماسي، عنوانه الذهاب "بخطى ثابتة" إلى "جنيف 2". إذ ان ثمة خلايا أزمة روسية وأميركية وسورية بدأت بمناقشة المقترحات المتعلقة بطبيعة المرحلة الانتقالية، ضمن سقف زمني لا يتعدّى نهاية عام 2014، بحيث تنطلق مطلع عام 2015 ورشة إعمار سوريا، وفق المخطط العشري الذي وضعه فريق تابع للأمم المتحدة بكلفة تصل إلى حوالي 200 مليار دولار أميركي (ينجز كاملاً في العام 2025).

   أما المسار الثاني، فهو مسار عسكري أمني، ذلك أن الأميركيين سيُفرجون عن دفعات جديدة من الأسلحة لـ"الجيش السوري الحر"، وتحديداً "قوات النخبة" التي تمّ تدريبها وتسليحها في كل من الأردن وتركيا، كما أن رئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان سيسعى، مع حليفه التركي، المتضرر الثاني من بعده، بانتفاء الضربة العسكرية، إلى محاولة تعديل موازين القوى على الأرض، قبل الذهاب إلى "جنيف 2"، في ضوء تراجع سيناريوات إسقاط النظام. وضمن المسار نفسه، يندرج أيضاً، ترقب ما ستحمله الأيام القليلة المقبلة، من تطورات ميدانية على الأرض، لا سيما في الغوطتين الشرقية والغربية وبلدة معلولا.

   صحيح ان تسوية كهذه لا تنقذ الشعب السوري من براثن سياسة المحاور الدولية التي لا تعبد طرقها الا على الجثث والقبور، لكنها تبقى أرحم من نار حرب لا يعرف أحد ماذا تخبىء من كوارث.
2013-09-13