ارشيف من :أخبار لبنانية

دفن «إعلان بعبدا» سيجرّ الويلات

دفن «إعلان بعبدا» سيجرّ الويلات
ميشال نصر-"الديار"

أفسحت التسوية السياسية الجارية للملف الكيماوي السوري، المجال امام اعادة احياء المبادرات الداخلية بحثاً عن مخرج لأزمة تأليف الحكومة اللبنانية، وسط حركة اتصالات مكثفة يقودها رئيس الجمهورية ميشال سليمان لتسهيل مهمة الرئيس المكلف تمام سلام، حيث علم أنه ستكون للرئيس سليمان سلسلة لقاءات مع قيادات سيـاسية لتقريب المسافات بشأن التشكيلة الوزارية العتيدة، بدأها مع النائب محمد رعد، في محاولة منه لتأمين الظروف الملائمة لتأليف الحكومة قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والاجتماع الدولي الخاص بلبنان في 25 الجاري لمساعدته على مواجهة أعباء النازحين السوريين.

وتمهيداً للمشاورات التي سيقوم بها الرئيس سليمان، وفي بيان توضيحي ، أبلغ به عدد من الاطراف عشية صدوره، حسمت الالتباسات التي ربطت بين «إعلان بعبدا» تصور الاستراتيجية الوطنية للدفاع الذي قدمه رئيس الجمهورية إلى طاولة الحوار. بيان رسالة اراد رئيس الجمهورية ان يوجهها للقوى السياسية الداخلية من جهة والقوى الخارجية ايضا، بأن اعلان بعبدا موجود ويتمتع «بالشرعية» العربية والدولية، لكنه لم يطبق، وبالتحديد من الفرقاء الذين ينفون وجوده اليوم، فهو يبقى الاساس الجدي لبحث اي حل ثابت للازمة اللبنانية، بحسب مصادر مطلعة.

 فالبيان الرئاسي المفاجئ ،ترك اكثر من علامة استفهام حول التوقيت والمضمون معا، اذ اوضحت مصادر قصر بعبدا ان التوقيت مرتبط بمشاركة رئيس الجمهورية في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، حيث سيسأل بالتأكيد عن اعلان بعبدا، وتقول المصادر ان توضيح كل ما رافق الاتفاق على الاعلان لا بد منه، خاصة بعدما شكك اكثر من طرف، شارك في الحوار في ما اتفق عليه، وحتى قي مبادرة رئيس مجلس النواب لم يأت بري على ذكره، وبعدما قال بعضهم وفي مقدمهم حزب الله، رغم الشرح المكرر الذي قدمه سليمان للنائب رعد خلال الفترة الاخيرة، ان الاعلان حبر على ورق وغير موجود، رأت رئاسة الجمهورية ضرورة اصدار بيان توضيحي يشرح المراحل التي مرت بها المناقشات قبل التوصل الى الصيغة النهائية «ايضاحا للرأي العام، وتنقية للذاكرة حيال الظروف التي أملت إطلاقه»، وذكرت المصادر بأن اعلان بعبدا ذكر 3 مرات في البيانات الختامية لجلسات حوار تلت جلسة اقراره، مع التذكير ان البيانات الختامية لا تصدر الا بموافقة جميع المشاركين.

وعما تضمنه البيان الرئاسي لجهة سلاح حزب الله، شرحت المصادر ان المقصود منه القول ان التمسك باعلان بعبدا لا يعني المطالبة بنزعه، بل ان السلاح هو من ضمن الاستراتيجية الدفاعية التي هي قيد النقاش، فيما الاعلان يهدف الى عدم استخدام السلاح في الداخل والى تحييد لبنان عن اي صراعات اقليمية وتحديدا الصراع السوري. وأوضحت مصادر بعبدا ان «البيان الذي صدر امس ليس المقصود منه الرد على أحد ولو كان «اعلان بعبدا» محور تعليقات بعض السياسيين في الفترة الاخيرة»، معتبرة ان «الطريقة التي أثير فيها موضوع «اعلان بعبدا» أوحت كأن رئيس الجمهورية ميشال سليمان وحده مرره او هرّبه في حين ان واقع الحال مخالف لذلك».

 وتروي المصادر أنه «بعد مناقشة بيان «اعلان بعبدا» حاول بعض الحضور اقتراح تأجيل إقراره الى جلسة أخرى وهم بعضهم بالوقوف لإنهاء الاجتماع فطلب الرئيس من الجميع الجلوس وأعاد طرح البنود طالباً إقراره في تلك الجلسة ولم يعترض أي منهم على أي من بنوده، لا سيما أنه أدخلت تعديلات طفيفة على بعضها بناء لاقتراحات بعضهم»، وشددت على أن «هذا الإعلان نوقش بالفعل في هيئة الحوار، وأن رئيس مجلس النواب نبيه بري بادر إلى قراءته بنداً بنداً، وان عدداً من المتحاورين، من بينهم الرئيس فؤاد السنيورة ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري والنائب محمد رعد وآخرون قدموا ملاحظاتهم، فكان هناك تعديل ببعض العبارات وحذف لبعضها الآخر، وان قادة الحوار عمدوا الى مناقشة الاعلان بنداً بنداً ايضاً، وان الرئيس بري تلا بصوته التعديلات المتفق عليها والتي جرى ادخالها في النص النهائي».

وأوضحت ، أن الرئيس سليمان هو الذي بادر إلى الاتصـال برئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد وطلب منه رغبته بلقائه في بعبدا أمس الأول، من أجـل حضّ «حزب الله» على تحييد الساحة اللبنانية، والنأي بنفسه عن أي تداعيات قد تحصل نتيجة الضربة العسكرية، مؤكداً له رفض لبنان الرسمي لأي تدخل عسكري أجنبي، وحرصه على إيجاد حل سياسي للنزاع الدائر في سوريا. وقالت المصادر أن مسألة تحييد الساحة الداخلية والنأي بالنفس عن أي تداعيات قد تحصل، كانت في صلب اهتمامات الرئيس سليمان مؤخراً، سواء في لقائه بسفراء الدول الخمس الكبرى في بيت الدين، أو لقاء هيل، وأيضاً في خلال لقائه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في مدينة نيس الفرنسية مؤخراً، «هذا الحرص هو الذي دفع كيري إلى الاتصال بسليمان لإبلاغه موقف الإدارة الأميركية من الأزمة الناتجة من استعمال السلاح الكيميائي، والمساعي الديبلوماسية الجارية في هذا المجال»، ولفتت الى أن «كيري أشاد بسياسة سليمان التي تعمل على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وتحديداً ما يجري في سوريا، وتجنب حصول أي ردات فعل تسيء إلى المصلحة اللبنانية». وأشارت إلى أن «هناك تقـــديراً أميركياً ودولـياً لسياسة الاعتدال والحكمة التي ينتهجها سليمان، وهو ما جنب لبنان الكثير من الآثار السلبية لما يجري من حوله».

 وأشارت الى أن «سليمان أراد تثبيت الالـتزام اللبـناني بهذه الوثيقة، لا سيما مع التطورات الحــاصلة في شأن الأزمة السورية، وقبـــل أيام من حــضوره اجتماع المجموعة الدولية لدعم لبنان في الأمـــم المتحدة في 25 الجاري والتي تلتــــئم على أســـس من بينها إصرار لبنان على الحــــياد وعلى سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية، وعلى وجوب دعم اقتصاده في ظل الأعباء التي يتحملها جراء تدفق النازحين إليه، جراء هذه الأزمة».. وختمت المصادر بالتأكيد ان رئيس الجمهورية لا يخجل من انه سوق لاعلان بعبدا في الخارج، وبأنه تعهد امام المجتمع الدولي بالالتزام ببنوده، انطلاقا من المصلحة الوطنية العليا التي تعلو اي مصالح فئوية ، محذرة من ان دفن اعلان بعبدا والتنكر لوجوده سيجر الويلات والخراب على لبنان «يكفي اذا ما عرفنا انه خفف من تبعات ادراج حزب الله على لائحة الارهاب الاوروبية، ومن الاجراءات التي كان يعتزم عدد من الدول العربية والغربية اتخاذها ضد لبنان، بما يضر بمصالحه الامنية والاقتصادية والسياسية، وبما لا قدرة لأي طرف على احتمالها»، من هنا الدعوة ،وبحسب المصادر «الى التواضع وعدم الانجرار وراء الانتصارات الوهمية الآنية».

فهل ما جرى هو خطوة استباقية لضرب التصور الاستراتيجي للدفاع عن لبنان الذي طرحه رئيس الجمهورية والتي يأتي كمكمل لاعلان بعبدا حيث كان سبق واتفق على الانطلاق منه لبحث الاستراتيجية الدفاعية؟ وهل ان الحملة ضد الاعلان مرتبطة بافشال مساعي تشكيل الحكومة؟ ام هو قرار بتفجير الساحة اللبنانية لاراحة ساحات اخرى وتصفية حسابات اقليمية، ظنا من البعض ان موازين القوى الى تبدل؟ ام هجوم استباقي ضد رئيس الجمهورية الذي تمكن من كسب ود واحترام وثقة اللبنانيين؟ اسئلة كثيرة ، قد تكون كلها السبب او بعضها، وقد يكون هناك اكثر منها من الكلام غير مباح.
2013-09-14