ارشيف من :أخبار عالمية
... ومُيِّع القرار
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية
مُيِّع قرار وزير العدل والشئون الإسلامية والأوقاف الصادر في (3 سبتمبر/ أيلول 2013)، بشأن ضوابط اتصال الجمعيات السياسية بالبعثات الدبلوماسية أو المؤسسات الحكومية الأجنبية أو ممثلي الحكومات الأجنبية وغيرها، ومن مَيَّع القرار، الوزير نفسه في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (11 سبتمبر 2013)، أي بعد ثمانية أيام فقط من صدوره.
تساءلنا في مقال سابق لنا بعنوان: «السفير الأميركي هو المستهدف»، عن قدرة القرار على الصمود والبقاء، في ظل وجود تحرك أميركي حديث بشأنه، إذ سارعت واشنطن لإبداء قلقها الشديد منه، ورأت فيه «قيوداً» على تحركاتها الدبلوماسية، بعد أن فهمت الرسالة الموجهة لها بشكل غير مباشر، وأكدت أنها «تتوقع من الحكومة البحرينية احترام مصالحها الدبلوماسية المشتركة في مجال اتصالات مفتوح وحرّ مع جميع عناصر المجتمعات المضيفة لبعثاتنا الدبلوماسية».
لماذا قلنا «مُيِّع القرار»؟ لعدة أسباب: أهمها وأولها، عندما أجاب الوزير على سؤال طرحه هو بنفسه على نفسه في مؤتمره الصحافي، وهو هل يجب أن يكون الاتصال بإذن؟ أي أنه لا يكون هناك اتصال إلا بإذن مسبق؟
وجواب الوزير على السؤال: «لا، (...) لا يوجد شيء اسمه إذن، ما لم يكن هناك قرار بحظر منظمة معينة أو حظر حزب معين، إذ ذلك موضوع آخر، ولكن الموضوع في أصله مباح، ويمكن لهم أن يتصلوا بأي تنظيم، ومع أي من السفراء أو الحكومات الأجنبية مادام هذا الاتصال في حدود القانون».
جاء جواب الوزير بحسب فهمنا للمعطيات على أرض الواقع لينسف قراره، ويعيد الوضع إلى ما هو عليه قبله، بحيث إنه بإمكان الجمعيات السياسية عدم إخطار وزارة العدل، وعدم التنسيق مع وزارة الخارجية، وكذلك الاتصال بالجهات الدبلوماسية؛ لأنه، وبحسب الوزير، فإن «الأصل مباح».
وزير العدل شرح وفصّل معنى «الإخطار»، وكذلك «التنسيق»، وفق مفهوم قراره الذي أصدره، إلا أنه خلص في نهاية جوابه على سؤاله الثاني، إلى أن معنى الإخطار «متى ما تم هذا الإخطار قبل ثلاثة أيام عمل يتم هذا التنسيق، وما لم يتم هذا التنسيق فليس هناك عائق على الجمعيات، فيكون هناك قصور في الجهة التنفيذية، ولا يعني أنني وضعت إذناً متخفيّاً».
الغريب أن وزير العدل أكد بأنه «ليس لوزارة العدل أن ترفض إخطاراً تتقدم به إحدى الجمعيات بشأن اتصال لها بسفارة أو دولة أو جهة خارجية».
فإذا كان كذلك، إذاً لماذا الإخطار من أساس، إذا لن يكون لكم فيه موقف أو قرار؟
وإذا كان الموضوع كما يقول الوزير لـ «تكريس الشفافية وعلنية العمل السياسي»، فيمكن أن يكون ذلك أيضاً بعد الاتصال وليس قبله، وهو من باب العلم بالشيء لا أكثر.
ما لم يستطع الوزير قوله في المؤتمر الصحافي، هو إن الجمعيات السياسية مخيّرة، لا مجبرة، وإنه يفضّل الإخطار والتنسيق، وإذا لم يحدث ذلك فلن يكون هناك عائق.
صحيح أن وزير العدل شرَّق وغرَّب في شرح القرار، وحاول من خلال كلامه تضييع المشهد برمّته من خلال خلط المفاهيم، وذِكر أمر وإعادة نسفه من جديد، إلا أن خلاصة القول كانت واضحة، وهي محاولة «تمييع القرار» وتخفيف حدته، خصوصاً إذا ما علمنا أن الولايات المتحدة الأميركية خلال أسبوع واحد فقط، تحدّثت عن هذا القرار في ثلاث مناسبات، وأبدت «قلقها الشديد منه»، وهو الأمر الذي جعل البعض يتناول بعد المؤتمر الصحافي مسألة وجود «دولٍ لم تضع قرارات، ولكنها وضعت أجهزة تنصّت في سفارات أجنبية»، في إشارة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة الأميركية.
وكما قلنا من قبل في مقالنا السابق إن القرار الجديد يستهدف السفير الأميركي، فقد بدا الأمر واضحاً خلال المؤتمر الصحافي، بشأن ما طُرح عن قيام بعض الدبلوماسيين الأجانب بزيارات للمجالس الخاصة بالجمعيات، وخاصة المناسبات الدينية أو الاجتماعية (المجالس الرمضانية مثلاً)، إذ أن السفير الأميركي توماس كراجيسكي، دائماً ما يُتهم من قبل القوى الموالية والمتنفذة بالتدخل في الشأن المحلي البحريني عن طريق هذا النوع من الزيارات.
وزير العدل رأى أن المجالس الرمضانية تحقق شرط «الشفافية والعلنية»، وأنها مفتوحة للجميع، وما يدور خلالها علني ولا يشملها القرار.
من الواضح أن الوزير يريد وجود طرف يمثل السلطة في اللقاءات الخاصة، إذ أن اللقاءات المفتوحة يمكن الوصول إليها من خلال «المخبرين السريين» المندسّين وسط الجموع لنقل المجريات، وتسجيل كل ما يدور في تلك اللقاءات العلنية، إلا أن الاجتماعات الخاصة تحتاج إلى نوع جديد من «المخبرين العلنيين».
لماذا مُيَّع القرار؟ باختصار لأنه حتى الآن لم يستطع أحد الجواب على هذا السؤال، وهو: ما هو الإجراء الذي ستتخذه الوزارة ضد أية جمعية سياسية لم تخطر ولم تنسق مع السلطة بشأن اتصالاتها مع البعثات الدبلوماسية الأجنبية؟ ومن خلال الجواب سنفهم مدى جدية القرار.
وفي حال كانت الرغبة في الاتصال من قبل البعثات الدبلوماسية الأجنبية، وليس من قبل الجمعيات السياسية، فما هي الإجراءات؟ ومن سيقدم الإخطار ويطلب التنسيق، الجمعيات السياسية أم البعثات الدبلوماسية الأجنبية؟
نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشئون شبه الجزيرة العربية باربارا ليف، زارت البحرين قبل أيام وبعد صدور القرار، والتقت وتواصلت واتصلت مع جمعيات سياسية دون أن يكون هناك إخطار أو تنسيق أو «مَحرَم سياسي»، ولم تتخذ السلطة أيَّ إجراء، بل عقدت مؤتمراً صحافياً شرحت وبرَّرت و«ميَّعت» خلاله قرارها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018