ارشيف من :أخبار لبنانية

الضربة المرتقبة والرفض البابوي

الضربة المرتقبة والرفض البابوي
حبيب محمد هادي الصدر - "الصباح" العراقية

ألقت الأزمة السورية بظلالها على حبرية البابا (فرنسيس) الجديدة فشغلت حيزا كبيرا من اهتماماته الرسولية وكانت له خطب ومواقف وعظات تمحورت كلها حول إيجاد مخرج سلمي لها من شأنه أن يدخر دماء جميع أطرافها ويحقق الأماني المرجوة من دون أن يتحول هذا البلد الوادع الجميل إلى ساحة لصراع أعمى لا يبقي ولا يذر.

ومع تصاعد وتيرة الأحداث وتكشف أبعاد المخطط الإقليمي والدولي والتلويح الراهن بضربة عسكرية وشيكة ضد سوريا وانعكاساتها السلبية على الأجواء التعايشية الحميمية التي ظل مسيحيو سوريا ينعمون بها مع إخوانهم المسلمين وباقي الأطياف الأخرى بما نجم عنه مثلا اختطاف المطرانين (يوحنا إبراهيم) و(بولص اليازجي) في ريف (حلب) منذ تاريخ (22/ 4/ 2013)  ثم اختطاف الأب الإيطالي الأصــل (داليليــــو) في (الرقة) بتاريخ (29/ 7/ 2013 )، فضلا عن مصرع المئات من المسيحيين واستهداف العشرات من الأديرة والكنائس وتهجير (450) ألف مسيحي سوري خارج البلاد أو داخلها الى مناطق أكثر أمنا طبقا لتصريح أدلى به البطريرك السوري مؤخرا (غريغوريوس الثالث لحام) الأمر الذي يشكل تهديدا جديا على الوجود المسيحي التاريخي في هذا البلد الذي يزخر بالشواخص الحضارية المسيحية التي تعود الى قرون المسيحية الأولى.

كل هذه الوقائع الدراماتيكية المتفاقمة استشعر منها الحبر الأعظم (فرنسيس) بأفقه التأملي الفسيح والتزامه الأبوي الأخلاقي والشرعي تجاه السلم الأهلي والدولي .. بأن داهية خطيرة ستنشب أظفارها في هذا البلد الجريح وأن نتائجها الوخيمة ستكون كارثية ليس عليه فقط بل على المنطقة المتأججة أصلا بالشحن الطائفي والاحتجاج الشعبي وربما العالم بأسره.

وعلى هذا الأساس سارع بإطلاقه نداءً في 1 / أيلول الجاري خلال قداس الأحد الى جميع الأبرشيات والرهبنات والمجتمع الدولي بالمشاركة في الصلاة المقررة ليلة السبت الماضي الموافق 7/ ايلول وهي ليلة ذكرى ميلاد (السيدة العذراء) وتكريسها صلواتيا من أجل إحلال السلام في (سوريا) التي أسماها بــ (العزيزة) ومعارضة أي تدخل مسلح وللضراعة إليه (جل وعلا) بأن يلهم القارعين لطبول الحرب بالتحلي بالحكمة والإرادة على منعها وحقن دماء الضحايا الأبرياء ممن سيسقطون جراءها ودفع الأطراف المتناحرة لأكثر من عامين باتجاه الحوار والمصالحة والغفران المتبادل لتحقيق ما هو مطلوب عبر الآليات السلمية، مختتما قداسته عظته بقوله : (في صمت الصليب يسكت ضجيج الأسلحة وتتكلم لغة الغفران والحوار. فدعونا نصبح جميعا دعاة مصالحة وسلام). ولعمري .. فإن دعوته هذه تذكرنا بدعوة مماثلة أطلقها سلفه البابا الراحل (يوحنا بولص الثاني) إبان ضجيج الحرب على العراق في عام 2003.


   وهكذا احتشد أكثر من (مائة ألف شخص) من الجموع الغفيرة للمؤمنين المتمسكين بهدي البابا (فرنسيس) في ساحة (القديس بطرس) في تلك الليلة المباركة، ملبين النداء البابوي للصلاة والدعاء والتوسل إلى الله من أجل أن يحل السلام في هذا البلد الممتحن المنكوب. وتحققت للأب الأقدس الأجواء الروحية المناسبة لمناشدات رفضه المدوية لكل أشكال التدخل الخارجي في سوريا مقرونة بدعوة والهة الى السماء عنوانها الكبير (الحوار والمصالحة والغفران) ، جاعلا من ذكرى ميلاد سلطانة السلام (العذراء مريم) مناسبة استثنائية لتعزيز قيم السلام المغيب عن بلد مثخن بالكلوم كان يضج بالأمس بالدعة والأمن والعافية فحولته زمر التكفير والموت المأجورة الى بلد منقسم مخرب تحت ذريعة جهاد مزيف.

  لم يكن بين يدي البابا غير الدعاء المخلص والخطاب الناصح والمصارحة الصادقة والموعظة السديدة وسوى (رسالة) مضمخة بعبير المحبة تحمل بين سطورها مشروعا للأمل والحب لمواجهة ماكنات العنف والإحتراب تلك التي أريد لها أن تدور مسرعة نحو معدلاتها العدوانية دون تمهل أو إصغاء لصوت الشرعية الدولية.

   وقداسته أعلم من غيره بأن نداءً نقيا كهذا قد لا يلقى أذنا صاغية من صناع قرار الحرب، إلا أنه عوّل على مواقف الجماهير المتشبثة بالسلام كي تقول كلمتها الحقة في خضم عهر هذا العالم المأزوم وأن يعلو بالتالي صوت الحكمة على قرقعة السلاح، وهو بهذا الفعل العزوم الطهور قد أطلق كل ما في جعبته الرسولية من يمامات المحبة وفراشات الوداد وأزاهير السلام، كي يبرىء ذمته أمام الله والمسيح والتاريخ والضمير لأنه يدرك تماما بأن أية ضربة سيكون الناس العزل المحرومون مسلمون ومسيحيون أول من يدفع فاتورتها المأساوية.

   ولعل حكومتنا العراقية الوطنية هي أكثر الأطراف الدولية المتناغمة مع توجهات الحبر الأعظم السلمية التسامحية التقريبية وأشدها تمسكا بالحلول الإعتدالية الحيادية الوسطية وقد شهد لها بذلك القاصي والداني ممن أساءوا في البدء فهم مغزى سياساتها الحيادية المتوازنة تجاه سوريا، فقراءة متمعنة واعية لمضامين مبادرة دولة رئيس الوزراء (المالكي) الأخيرة لحل المشكلة السورية سلميا ستفضي بالتأكيد الى وجود تطابق في الرؤى والمعالجات والأهداف بين (العراق) و(الكرسي الرسولي) وكأنهما ــ مصادفة ــ  وجهان لمشروع سلمي واحد.

   ومن المفارقات العجيبة أن ينبري رأس الكنيسة الكاثوليكية لرفض الضربة على سوريا  على هذا النحو المشدد ودأبه لتحشيد الرأي العام المسيحي وغير المسيحي لمنع حدوثها ضد بلد عربي غالبية أهله من المسلمين في حين تتعالى أصوات دعاة الحرب والذبح والدمار من منابر عربية وإسلامية ، تحرض على قطع الرؤوس وانتهاك الحرمات وأن لا يبقوا في هذه القلعة العربية حجرا على حجر، وكان لزاما على هذه الأصوات الناشزة أن تحذو على اقل تقدير حذو البابا في دعوته الى إشاعة قيم السلام والمحبة تلك التي طالما أوصى بها نبينا المصطفى (ص) والأئمة الأطهار والصحابة الميامين ، فضلا عما ورد في القرآن الكريم من آيات محكمات كقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقوله سبحانه: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).

  وإني لأسائل هؤلاء المتحمسين المتعطشين لإراقة دماء أخوة لهم في سوريا وغيرها:

من هو المستفيد الأكبر من تدمير هذه الأوطان شعبا وجيشا ودولة؟!.

وكيف نستمرىء زيفا ديمقراطية ما قامت إلا على أشلاء الضحايا وأنين الثكالى والأرامل وزفرات اللاجئين المشردين؟!.

ومتى كان الجهاد المزعوم واجبا شرعيا ضد أبناء جلدتنا ومقدساتٌ لنا قد بحّت نداءاتها لإستنقاذها من أيدي الغاصبين ولا من مجيب ؟!.

أسئلة حائرة لها بالطبع أجوبة شافية ولكن أصحاب الغرض السيىء أرادوا التعتيم عليها لتمرير أجنداتهم الخبيثة لكنها الخائبة بإذن الله تعالى.
2013-09-14