ارشيف من :أخبار لبنانية

السنيورة ومبادرة بري: الوكيل «يفركش» الأصيل

السنيورة ومبادرة بري: الوكيل «يفركش» الأصيل

ميسم رزق - صحيفة "الأخبار"

في تيار «المستقبل» من يرى في غياب الرئيس سعد الحريري فرصة تتيح له التربع على «العرش الأزرق». يتقدّم هؤلاء الرئيس فؤاد السنيورة. لا يريد الرجل العودة إلى الظلّ. ولتحقيق هذا الهدف يعمل على «إفشال مبادرة الرئيس نبيه بري التي يمكن أن تفضي إلى تأليف حكومة وحدة وطنية، يعود معها الحريري من الرياض رئيساً».

لم يعُد جواب تيار المستقبل في شأن أي موضوع داخلي موحداً. ما يُنشر على لسان وأقلام وشخصيات معروفة بجدّيتها في تناول الشأن اللبناني وحتى الإقليمي والدولي، يطرَح أكثر من سؤال حول رؤية «المستقبليين»، وسبب خلافاتهم. فور إعلان رئيس مجلس النواب نبيه برّي مبادرته الأخيرة، انقسم التيار بين معارضين للمبادرة ومؤيدين لها، وإن بشروط. تعدّدت الآراء، واختلفت التصريحات، من دون أن تخرج الكتلة بموقف رسمي منها. هنا لا بد من استنتاج بعض الأمور المهمة. أولها أن الطباخين في تيار المستقبل باتوا كُثراً، وأن أجنحته لم تعد كلّها مرتبطة بالرأس الأساسي الذي يُمثله سعد الحريري.

منذ أن أعلنت موسكو التوصل إلى اتفاق بين روسيا والولايات المتحدة على أن مؤتمر جنيف هو السبيل الوحيد لوقف العنف في سوريا، التقط برّي روح هذا الاتفاق، معتبراً أن بالإمكان البناء عليه للذهاب في اتجاه صفقة داخلية تؤدي في النهاية إلى عودة المشهد كما كان عليه قبل تأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. على قاعدة التعاطي مع «الأصيل بدلاً من الوكيل»، عبر تأليف حكومة وحدة وطنية تجمع الفريقين، يعود معها الحريري رئيساً للحكومة.

بإمكان البعض في المستقبل أن يرى في خطوة برّي خلاصاً لإعادة المستقبل إلى الساحة اللبنانية بقوة، كما كان، بعدما خطفت التيارات الإسلامية من رصيده سياسياً وشعبياً. لكن رأي هذا البعض لا يختصر رغبة الجميع. ففي التيار من يرى في غياب الشيخ سعد فرصة تتيح له التربع على «العرش الأزرق». هؤلاء يُمثلهم الرئيس فؤاد السنيورة، الذي يحفر بأظافره للبقاء في الصورة.

في التفاصيل، يروي بعض من يشارك في نقاشات المستقبل اليومية أزمة ليست جديدة. ما يقرب من الثلاث سنوات، أي منذ اضطرار الحريري إلى الاغتراب قسرياً، يسعى الرئيس فؤاد السنيورة إلى لعب الدور الأساسي في التيار على شتّى الصعد، حتّى بات في الفترة الأخيرة الرجل الأول في ظل غياب «الزعيم». كثيرة هي الأخبار التي تتحدث عن صراع خفي بين الرجلين، في ما يتعلق بشؤون التيار الداخلية والخارجية. الاختلافات في وجهات النظر التي وصلت في بعض الأيام إلى حد «الخلاف»، وشطرت المستقبل إلى «حريريين»، و«سنيوريين»، الأمر الذي احتاج من السنيورة، أكثر من مرّة إلى أن يترك إدارة جناحه المستقبلي الخاص في بيروت، والتوجه إلى الرياض، بهدف «إعادة المياه إلى مجاريها» على حد قول هؤلاء.

السنيورة ليس بريئاً. هو شرّ لا بدّ منه في التيار، بصفته أكثر الصقور «تطرفاً» عند الحاجة. يُمثّل الجناح الذي شاخ وهو ينتظر لحظة «قبض ثمن» كل ما قدمه على أعتاب المحور المعادي لإيران وسوريا وحلفائهما في لبنان. على عكس الجناح الذي يمثله الرئيس الحريري، الذي يترقب منذ زمن أي فرصة تعيد «الزعيم» إلى البلد.

يُدرك المقرّبون من الحريري أن «الرئيس السنيورة كان أكثر من ضحك في سرّه عندما تابع يوماً المؤتمر الصحافي لرئيس تكتّل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون». فالأخير «عبّر عمّا يتمنّاه السنيورة نفسه عندما قال إن الحريري غادر «one way ticket». وإذا كان حديث عون جاء بالمعنى السياسي، فأمنية السنيورة تأتي في البعد الشخصي. يعلم المستشار الأول والأخير للرئيس الحريري أن بقاء الأخير خارج لبنان يعني أن «الساحة تُركت له يملأها حزبياً ودبلوماسياً وحكومياً». رئيس الحكومة السابق، الذي لم يرفّ له جفن أمام تحركات المعارضة المطالبة باستقالته، لن يمانع اليوم العودة الى كرسي الرئاسة الثالثة.

بالنسبة إليه «استمراره في موقع المسؤولية يعني أنه موجود. يتحرك. يتحكّم. يُهاجم ويُهادن كما يحلو له». لذا فإن بقاء الحريري خارج لبنان، يشكّل نقطة إيجابية للسنيورة، للمحافظة على المستوى القيادي الذي يطمح إليه على الساحة المحلية: قيادة كتلة المستقبل وقيادة تمثيلها على طاولة الحوار، تضاف إليها القيادة على مستوى العلاقات بين التيار والسفراء والمعنيين في دول القرار، حيث تتجاوز علاقاته حدود كل تلك التي تصوغها شخصيات التيار مجتمعة. فعدّة «الشغل» التي يملكها مختلفة عن الباقين، وحتى عن الحريري نفسه. وبحسب المتابعين «يُحسب للسنيورة جلَده في عقد الاجتماعات واللقاءات الخطابية. فيما الحريري إن حكى لا يُكثر في الكلام. حتّى إنه لم يُكثّف بنود جدول أعماله اليومي. يُفضّل الأمور مقشرة خالصة، حتّى لا يُصاب بالملل. يبحث السنيورة في تفاصيل التفاصيل، لذا يجد نفسه متقدماً على الجميع، وصاحب حق في التمثيل على كرسي الرئاسة الثالثة، ويعلم أن عودة الحريري إلى لبنان ستخرجه من الدور المحوري إلى الدور الثانوي. وتعيده من موقعه كرجل أول إلى رجل الظل، وهو أمر لا يُريده

قد تكون الظروف السياسية في الفترة السابقة ساعدت الرجل الصيداوي في تحقيق ما يريد. لذا يبحث اليوم، ضمن المعادلة التي ينوي الرئيس برّي إرساءها، عما يضمن له المحافظة على «تعبه». تحت هذا العنوان، يقول «مستقبليون» غير مؤيدين له، إنه «يعمل على إفشال ما يسعى برّي إلى إنجاحه، عبر فرضه شروطاً لا يؤيدها الرئيس الحريري بالمطلق». فصاحب الألقاب الرئاسية والوزارية والنيابية يعرف أن «التسوية الدولية إذا ما تمّت ستحمل معها ترجمة إقليمية ومحلية عنوانها العريض حكومة وحدة وطنية»، تقول للرئيس تمام سلام «مشكورة جهودك» ليبدأ البحث في الخيارات الأخرى، التي يأتي في مقدمها الرئيس سعد الحريري.

اليوم، يلتقي الرئيس السنيورة اللجنة الثلاثية التي كلفها برّي شرح مبادرته مع كل الكتل السياسية. تؤكّد المصادر أن «الكلام الذي سينقله رئيس الكتلة إلى اللجنة لا يُمثل التيار بأكمله، ولا سيما أنه يرفض المبادرة بالمطلق، فيما يؤيدها الرئيس الحريري مع التحفظ على بعض بنودها». لا يزال السنيورة في زمن التهديد الأميركي بتنفيذ ضربة عسكرية ضد سوريا، مسوّقاً فكرة أن «الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية جادتان في تهديدهما لبشار الأسد وحلفائه في لبنان». خرج في الأيام الماضية ليكرر معزوفة حكومة التكنوقراط، للإيحاء بأن قرار مقاطعة حزب الله في الحكومة وعلى طاولة الحوار لا يزال ساري المفعول. كل خطوات السنيورة تصبّ في مكان واحد، فهو مصرّ على البقاء «رقماً صعباً في تيار المستقبل، ومرجعية قرار كما الرئيس الحريري، يحارب حزب الله ويتحدّاه حتى لو لم يكن ذلك في مصلحة تياره».
2013-09-16