ارشيف من :أخبار لبنانية

تفاؤل جنيف تُبدِّده غيوم الشرق الاوسط

تفاؤل جنيف تُبدِّده غيوم الشرق الاوسط

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

تصاعدت اجواء التفاؤل إثر اعلان واشنطن موافقتها على المبادرة الروسية المتعلّقة بسوريا، وتعزَّزت هذه الاجواء مع التفاهم الكامل الذي نتج بعد لقاء وزيرَي خارجية الولايات المتحدة الاميركية جون كيري وروسيا سيرغي لافروف في جنيف.

وساد انطباع عام بأنّ التسوية التي لطالما انتظرها السوريون وجدت طريقها خصوصاً أنّ الرئيس السوري بشار الأسد اعلن مواقته عليها، إضافة الى ايران، التي تساند النظام السوري مباشرة من دون حساب.

صحيح أنّ ما جرى حتى الآن لا يعني أبداً أنّ آلة الحرب ستتوقف فوراً عن العمل، إلّا أنه يشكّل مدخلاً ممتازاً لتعبيد الطريق وصولاً الى عقد مؤتمر "جنيف 2" الذي من المفترض أن يبحث في تفاصيل التسوية السياسية التي سترعى ولادة سوريا الجديدة.

وجاء طلب الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني من روسيا المساعدة في ايجاد حلول للملف النووي الايراني ليعزّز الانطباع التفاؤلي كونه يحمل في مضامينه اعترافاً كاملاً بأنّ المبادرة الروسية تجاه سوريا حقَّقت إنجازات مهمة.

طبعاً، من البساطة في مكان الاعتقاد بأنّ لقاء جنيف بين كيري ولافروف تمَحور فقط حول لائحة مواقع السلاح الكيماوي في سوريا، والتوافق على ضرورة عقد مؤتمر "جنيف 2" منتصف الشهر المقبل. ذلك أنّ لافروف نفسه أعلن بعد لقائه كيري أنّ التفاهم شمل ضرورة الحفاظ على الطابع العلماني للدولة السورية مستقبَلاً وأن تحضن كلّ الفئات والمجموعات السورية.

وجاء هذا الكلام ليؤكد المعلومات التي راجت في الكواليس الديبلوماسية انّ اوّل بنود التفاهم الاميركي - الروسي حيال سوريا تتضمّن وجوب القضاء على المجموعات المتطرّفة التي يبدو أنها تمسك فعلياً بزمام المبادرة العسكرية في المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش السوري. ومن هذه النقطة بالذات تبدأ لائحة القوى التي باشرت العمل لإسقاط التفاهم الذي حصل.

وصحيح أنّ الصواريخ التي أُطلقت فجأة وبعد فترة انقطاع طويلة نسبياً على منطقة البقاع الشمالي لا تحمل اهمية امنية كبرى، الّا انّ البعض قرأ فيها رسالة اعتراض بعد ساعات معدودة على انتهاء اجتماع كيري - لافروف.

والواضح انّ رسالة الصواريخ حملت إنذاراً بأنّ "تفجير" الاتفاق سيحصل انطلاقاً من الساحة السورية ومن الساحة اللبنانية ايضاً.وتكشف الاوساط المواكبة عن تعميم على البعثات الديبلوماسية الغربية وفي طليعتها البعثة الاميركية اضافة الى البعثة الروسية بضرورة الاستمرار في اخذ اقصى درجات الحيطة والحذر وعدم التنقل الّا في حالات الضرورة.

كذلك، لا تستبعد الاوساط المعنية عودة مسلسل السيارات المفخخة لا سيما في المناطق ذات الغالبيّة الشيعية. والأخطر انّ هذه الاوساط لا تستبعد أيضاً حصول عملية اغتيال نوعية تطاول شخصية سياسية لبنانية مميّزة. وترجّح هذه الأوساط فترة هدوء بسيطة في سوريا قبل اشتعال الجبهات بعنف من خلال محاولة إحداث خرق عسكري يؤدّي الى مواجهات ضارية.

ولا تنحصر لائحة المتضرّرين من الاتفاق فقط بالتنظيمات الاسلامية المتطرّفة، بل تشمل المملكة العربية السعودية ولو من زاوية اخرى. ذلك انّ القيادة السعودية قد التزمت نهائياً رفضها ايّ حلّ في سوريا لا يلحظ إزاحة الاسد وتدمير التركيبة التي يقوم عليها النظام الآن.

وكان معبّراً الصمت الرسمي السعودي الذي رافق التفاهم الاميركي - الروسي حول سوريا، لا بل إنّ البعض قرأ في اعتراض رئيس اركان "الجيش السوري الحر" سليم ادريس، اعتراضاً سعودياً بلسان المعارضة السورية. وكذلك تعيين أحمد طعمة رئيساً للحكومة الانتقالية الذي اعلن رفضه وجود القتلة في سوريا الجديدة.

وتنقل الكواليس الديبلوماسية كلاماً سعودياً قاطعاً بأنّ الرياض لن توقف دعمها وجهدها قبل اسقاط الرئيس السوري. كذلك قرأ البعض في رسالة الرئيس سعد الحريري موقفاً سعودياً عنيفاً ضدّ الذين "يضعون في الاولوية مصالحهم على دماء السوريين".

صحيح انّ البيان حمل مفهوم العجز والإقرار بالضعف، الّا انه اظهر بوضوح انتقاداً قاسياً للذين ينجزون اتفاق تسوية حول سوريا. وهناك من يقول إنّ ايران والنظام السوري إستجابا للمناورة التي تقودها موسكو، وأعلنا الموافقة غير المشروطة على المشاركة في مؤتمر "جنيف 2" من اجل كسب المعركة الإعلامية وإظهار الفريق الرافض للتسوية.

ولكن، ماذا يعني كلّ ذلك؟

إنه يعني أنّ موجة التفاؤل ليست في مكانها، على رغم أنّ واشنطن وموسكو ترعيان الاتفاق مباشرة. لا بل، إن حسابات الأفرقاء على الارض تتعارض مع ما يحصل في العواصم الكبرى. وهذا سيعني انّ الهدنة قد لا تطول قبل أن تعود المواجهات العنيفة في سوريا، والإهتزازات الأمنية في لبنان.

ويرى البعض انّ الضغوط الأمنية في لبنان ستترافق مع ضغوط سياسية لجهة الاندفاع في تأليف "حكومة واقع" لا يوافق عليها "حزب الله"، ما سيعني الشروع في صدام من نوع آخر داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، قد يتطوّر ربما الى جعل الساحة اللبنانية شبيهة الى حدٍّ ما بما يجري على الساحة السورية.

إنها صورة متشائمة بكلّ تأكيد، وتبدو مناقضة للاجواء الدولية السائدة. لكنها أجواء تعكس ما يجري خلف واجهة الحدث، وهي تستند الى الحسابات الحقيقية للاطراف. وفيما تبدو الساحة السورية امام حتمية استمرار الصراع العنيف لسنوات طويلة، والذي لن يوقفه الّا انتصار فريق على آخر، فإنّ الأمل بتحييد الساحة اللبنانية قد يتوقف على مدى نجاح زيارة الرئيس الايراني الى السعودية المقرّرة مبدئياً مع مناسبة الحجّ منتصف الشهر المقبل.
2013-09-16