ارشيف من :أخبار عالمية

إن أردتم الكذب فليس على الروس أو الأميركان

إن أردتم الكذب فليس على الروس أو الأميركان
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية

إنه لأمر مضحك جداً أن تجد نواباً يتحوّلون إلى ناطقين رسميين بأسماء سفراء ومسئولين في دول ومنظمات أجنبية، فلا يمر يوم إلا وتجد تصريحاً متعلقاً بالشأن البحريني وبالخصوص السياسي أو الحقوقي على لسان سفير أو مسئول رفيع في دول أجنبية أو منظمة دولية، وعندما تقرأ الخبر، تكتشف أن الحديث منقولٌ عن طريق نائب في البرلمان البحريني «من الثقاة» يتحدّث على لسان ذلك السفير أو المسئول الأجنبي وبكل ثقة!

انتشرت ظاهرة «النائب الناطق الرسمي» بعد الانتخابات التكميلية لمجلس النواب، ووصول جماعة من النواب الجدد على الساحة السياسية، إذ تحوّل بعضهم إلى متحدثين رسميين بلسان سفراء أجانب في البحرين، لا يمتلكون شركات علاقات عامة، فعيّنوا محلهم نواباً للحديث نيابة عنهم بـ «بلاش».

ومنذ ذلك الوقت كنت أسأل نفسي: هل الدبلوماسي الأجنبي أو المسئول الرفيع في حكومة أو منظمة عالمية عاجز عن التصريح بنفسه عن مواقف دولته تجاه قضية معينة، ليخوّل نائباً جديداً على الساحة السياسية والدبلوماسية بنقل مواقف دولته على لسانه إلى الصحف المحلية؟

تلك الظاهرة، على المستوى الإعلامي تثير «الاشمئزاز» كونها تعرض أية وسيلة إعلامية إلى الانتقاد والتكذيب، في ظلّ عدم تأكدها من صحة المعلومة التي تنشرها، سوى أن مصدرها نائب برلماني مبتدئ يريد أن يبرز سريعاً على الساحة السياسية لتحقيق مكاسب ذاتية.

نواب لا يتعظون! فقد شهدنا حالة من تلك الحالات التي كُذِب فيها النائب أحمد الساعاتي عندما نقل أحاديث على لسان سفير دولة كبرى، وهو السفير الروسي، عندما صرح الساعاتي (12 أغسطس/ آب 2012) بشأن حقيقة الأخبار المتواترة بشأن طرح المندوب الروسي في مجلس الأمن قضية البحرين، ناقلاً نفي السفير الروسي بشكل قاطع لذلك الخبر.

السفير ذاته الذي «صرّح» للساعاتي وبعد يوم واحد فقط، أكّد بحسب بيان وزارة الخارجية البحرينية (13 أغسطس 2012) أن ما ورد على لسان المندوب الروسي الدائم في جلسة مغلقة لمجلس الأمن على مستوى المندوبين؛ لا يعبر إطلاقاًً عن الموقف الروسي الرسمي الذي يدعم مملكة البحرين والخطوات الإصلاحية لجلالة الملك. أي أن السفير الروسي لم ينفِ حديث مندوبهم بل أكّده.

الساعاتي وبعد حملة تغريدات واسعة ضده، خرج ليدافع عمّا قاله، ليكشف عن أنه يملك تسجيلاً صوتياً للسفير، وهو ينفي له و«يسخر» من صحة حديث المندوب الروسي في مجلس الأمن.

فضيحة سياسية من العيار الثقيل في ذلك الوقت، عندما كشف النائب عن تسجيله صوت سفير دولة عظمى، وهو في لقاء ثنائي!

في السياق ذاته، خرج علينا قبل أيام نائب آخر، وهو رئيس وفد الشعبة البرلمانية جمال صالح، بنقل تصريحات جديدة مزيّفة، نقلاً عن لسان سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى المقر الأوروبي لمنظمة الأمم المتحدة في جنيف إيلين دوناهو، أبدت استياءها - بحسب النائب - «من كثرة الحراك غير السلمي المتمثل في حرق الإطارات وتعطيل المصالح العامة، وحثت على استكمال الحوار مع الأطراف التي تشجع على السلم وتنبذ أعمال العنف من أجل تحقيق الاستقرار في مملكة البحرين».

ربما غاب عن النائب أننا في عالمٍ سريعٍ ومتطورٍ جداً، أصبحت فيه سبل التواصل مع أيٍّ كان، وفي أي مكان، في غاية السهولة. ربما غاب عن النائب أن العالم أصبح متابعاً بشكل دقيق لمجريات ما يحدث في البحرين، وأن أي تلفيق أو كذب أو تزييف سيكون واضحاً ومفضوحاً.

السفيرة الأميركية، سارعت إلى نفي وتكذيب ما نشره النائب على لسانها، بل أكّدت أنها كرّرت قلق واشنطن من قرار وزارة العدل الأخير بتقييد اجتماعات الجمعيات السياسية مع الدبلوماسيين والمنظمات الدولية، والتأخير في إعادة جدولة زيارة المقرر الخاص بالتعذيب خوان منديز، ناهيك عن المخاوف من القيود على إصدار التأشيرات إلى المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان التي ترغب في زيارة البحرين.

النائب «ممثل الشعب»، لم ينقل هذا الحديث الصحيح، بل «زوّر» أقوال السفيرة الأميركية، وأجمل ما في الحدث أن من كانت معه في الوفد عضو مجلس الشورى هالة رمزي كذبت هي الأخرى ما نقل عن السفيرة، وذلك بحسب تغريدات جمعية مراقبة حقوق الإنسان نيابةً عن رمزي عضو الجمعية.

حتى السلطة هربت من الواقع، خوفاً من اتهامها بـ«الكذب» فتبرأت من الحادثة وغرّدت وزارة شئون حقوق الإنسان، وكذلك تحدّث وزيرها صلاح علي بأنه لا علاقة لهما بما قيل أو نُشر.

رغم تلك الفضيحة المدوية، خرج النائب من جديد ليؤكد أن «وفده البرلماني التقى بالعديد من المسئولين الرسميين وممثلي المنظمات الأهلية الدولية، ونقل لهم الحقائق المتمثلة في معاناة المواطنين مع أعمال العنف والإرهاب»، ولكنه لم ينقل للشعب البحريني حقيقة ما حدث في لقاءاته، بل «زيّف» و«زوّر» التصريحات، بشهادة مسئولين أجانب، وحتى وزارة شئون حقوق الإنسان التي تبرأت ممّا قاله.

إنها فضائح مضحكة يوقع نوابٌ مبتدئون أنفسهم فيها، لعدم إلمامهم بأن هناك دولاً ومسئولين سياسيين دقيقين في تصريحاتهم وتحركاتهم ومواقفهم، لأنهم مسئولون ومساءَلون عنها، ولا يخجلون أو يتوانون في تكذيب ما ينسب إليهم ما لم يقولوه.

نصيحة سياسية نيابية وإنسانية، لبعض النواب المبتدئين: إن أردتم الكذب... فليس على الروس أو الأميركان!
2013-09-16