ارشيف من :أخبار لبنانية

موسكو والقاهرة: إعادة تموضع على هامش «30 يونيو»

موسكو والقاهرة: إعادة تموضع على هامش «30 يونيو»

ريما ميتا - صحيفة "السفير"

في طقس روسيا الذي بدأ يقترب من البرودة، حل وزير الخارجية المصري نبيل فهمي، ضيفاً على موسكو، حيث استقبله نظيره الروسي سيرغي لافروف، واجتمعا لفترة قصيرة من الزمن، قبل أن يعقدا مؤتمراً صحافياً، اتسم بالدفء بين وزيرين يحاول كل منهما استطلاع موقف الآخر من بلاده.
في هذا المؤتمر الصحافي، وردت إعلانات عدة، قلَّ ما دار الحديث فيها عن الأوضاع الراهنة في مصر، بينما كثر الكلام عن الأزمة السورية بشكل عام، ومؤتمر «جنيف 2» بشكل خاص.

أما سائر ما تبقى من الحديث، فكان إشادة ثنائية بالتعاون المتبادل بين البلدين، وبالعلاقات التاريخية، وبتأكيد لافروف ضرورة دعم الاستقرار في مصر، مشيراً إلى أن موسكو، على غرار كافة مواقفها السياسية في الآونة الأخيرة، «تعتبر من الضروري ترك تقرير مصير البلاد للشعب المصري».

لم يعلن في ختام هذا اللقاء عن أي عقود، أو اتفاقيات، حتى مستقبلية، ومع ذلك، فقد كان اللقاء ودياً في أجواء من الشكر والإشادة والتلفظ بعبارات ديبلوماسية بروتوكولية «تعزز» و«تؤيد» و«تدعم».

الأمر الوحيد الحسي الذي يمكن استخلاصه من هذا اللقاء هو الموقف الروسي ــ المصري المشترك من أهمية الحل السياسي في سوريا والتشديد على أن المخرج الوحيد لهذه الأزمة يتمثل في «جنيف 2».

وكان وزير الخارجية المصري في اليومين الأخيرين قد نشط على جبهة الإعلام الروسي، مانحاً مقابلات لوكالات روسية عدة، بدت متماثلة في مضمونها.

وقال فهمي، في هذه المقابلات، إنه طلب «زيارة موسكو» لإيمانه بضرورة تنمية العلاقات بين البلدين، مشيراً إلى أن «المنظور الروسي من الشؤون الدولية مختلف اليوم، وأن المنظور المصري هو أيضا مختلف» ما يسمح بتطور في خط جديد، وإن بدا مدركاً أن العودة إلى الماضي «لن تحدث»، في إشارة إلى العلاقات السوفياتية المصرية.

وتأتي هذه الزيارة في ظل تحوّل في خريطة مصالح دولية في منطقة الشرق الأوسط، وهو تحوّل اختلط فيه الحابل بالنابل، واتسم بإعادة تموضع سريع للقوى العظمى على خانات رقعة الشطرنج تلك بين «مناصر» و«مناهض»، فأتت بعض المواقف مفاجئة وشبه عشوائية.
وفي ظل هذا التحوّل، تراجع الاهتمام بالشأن المصري أمام حدة التوتر الذي اتسمت به الأزمة السورية. ومع ذلك، فإن ما حدث في مصر مؤخراً ربما يعيد الحرارة إلى خط موسكو القاهرة، في ظل المسعى الروسي للبحث عن حلفاء أو متعاونين جدد.

وبالنظر إلى روسيا، وموقعها الباهر في الفترة الأخيرة على صعيد السياسة في الشرق الأوسط، وإذا ما أمكننا دراسة سير العلاقات الروسية السورية على سبيل المثال وفق خط واضح ومستمر، فالعلاقات السوفياتية المصرية لم تكن دائماً بهذه السهولة.
فالاتحاد السوفياتي، دعم مصر خلال خمسينيات القرن الماضي، في كل اشتباكاتها مع الغرب وحروبه مع إسرائيل. وبفضل الاتحاد السوفياتي، تم بناء سد أسوان. كما أن القيادة السوفياتية ساهمت في تأمين تطور الصناعة والزراعة في مصر.

إلا ان هذه العلاقات - التي كان المستفيد منها واقعياً هو الجانب المصري، وسياسياً الاتحاد السوفياتي الذي ثبّت موقعاً له في المنطقة اصيبت بانتكاسة كبيرة بعد العهد الناصري، فكان وصول أنور السادات إلى الحكم في مصر المسمار الأول في نعش التقارب المصري السوفياتي.
وفي عهد حسني مبارك، اتخذ الجانبان الروسي والمصري خطوات بطيئة لتوطيد العلاقات، لكنها اقتصرت هذه المرة على الجانب الاقتصادي (التجاري والسياحي بشكل خاص).

وبعد سقوط مبارك، لم تتوان القيادة الروسية عن التعبير عن قلقها إزاء موجات التظاهر والاشتباكات والتقلبات في مصر، إلا انها من ناحية أخرى لم تتردد في دعم الثورة الشعبية التي نجحت في عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي.
وبعيداً عن المواقف الرسمية القلقة من العنف في مصر، والمرحبة بتحوّل الحكم من أيدي الإخوان المسلمين، تتباين تقديرات الخبراء الذين يرون في هذا التواصل أموراً أخرى.

الكاتب اسرائيل شامير، الذي يُعد أحد المناهضين للصهيونية، كتب في تعليق على الموقف الروسي من التحولات المصرية: «رغم أن روسيا دعت رسمياً إلى ضبط النفس والتسوية، إلا انه في بعض الأجواء المقربة من ساحة سمالينسكايا (مبنى وزارة الخارجية) يتبين أن روسيا غير نادمة على عزل مرسي. ويقول المقربون من هذا الوسط الديبلوماسي إن مرسي خدع روسيا وخدع بوتين، فهو خلال لقائه بالرئيس الروسي في سوتشي عرض مخططه للوساطة بين طرفي النزاع السوري، وأفهم بوتين أنه يرفض الإملاء الأميركي. وبوتين وثق بكلمات مرسي إلى ان تبين أن الرئيس المصري المعزول كان متقلباً في مواقفه وتحول إلى قطر للحصول على قرض بقيمة 5 مليارات دولار».

بدورها، قالت الخبيرة الروسية في الشؤون الشرق أوسطية مارينا سابرونوفا لـ«السفير» إن «مرسي لم يكن موضع ثقة منذ البداية. وأمام مصر طريق طويل من عدم الاستقرار بدون حرب أهلية، فمصر ليست لا ليبيا ولا سوريا». ومن هذا المنطلق أكدت سابرونوفا أن «ما عاشته مصر في الآونة الأخيرة لن يؤثر في العلاقات الروسية المصرية».

ولكن هل تحاول روسيا كسب مكانتها السابقة في المنطقة عبر البحث عن مكان تحت شمس «ثورة 30 يونيو»؟
واعتبرت سابرونوفا أن «روسيا الآن تعيد تسيير توجهاتها بشكل خاص على الشق الأوراسي... ولذلك فالشرق الأوسط، حتى في مفهوم السياسة الخارجية الروسية ينطوي على الهوامش».

وأضافت إن «عدداً كبيراً من الخبراء يعتبر أن روسيا في موقفها هذا المحايد رابحة، وهذا ما سيسمح لها بتوجيه مسار عدد من الشؤون الدولية، ومنها جنيف 2».

السياحة.. والنفط

مصر تحتاج إلى السائح الروسي الذي ملأ شواطئها بالمصطافين وخزنتها بالمال لسنوات طويلة.

لم تغب هذه الملاحظة عن فهمي أثناء زيارته موسكو عندما قال: «من المفرح للقلب أن ترى اللافتات باللغتين العربية والروسية في منتجعاتنا». إلا أن المسألة أبعد من التحليل السياسي البسيط، بحسب محللين اقتصاديين يرون في التقلبات في مصر دافعاً وراء ارتفاع سعر النفط «البرنت».
يقول فاليري نيستيروف، المحلل في مجال النفط والغاز في شركة «سي أي بي» سبيربانك إن «عدم الاستقرار الموقت في الشرق الأوسط يعتبر مؤشراً جيداً لارتفاع أسعار النفط... وإذا ما رافق هذه الزعزعة في المنطقة ضعف في قيمة الدولار، فهذا يعتبر عنصراً أساسياً للحفاظ على سعر النفط عالياً وأعلى من مئة دولار».

ويعتبر نيستيروف، إلى جانب عدد من المحللين، أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة، وإن كان لا ضلوع لروسيا بها، فهي تصب في مصلحة سوق النفط الروسي. ويرى أن «استمرار الأزمة السورية وتصاعد التوتر في مصر - أو العكس سيكونان من بين العناصر الكافية لتحديد سعر النفط».

فهل يمكن اختصار دور روسيا بأرقام نفطية وحسابات البرنت والعملة؟
ترى جملة من المحللين السياسيين أن العنصر الاقتصادي هو نتيجة الوضع وليس المحرك الأساسي بالنسبة إلى السياسة الروسية. ويعتبر هؤلاء أن روسيا تخرج من كواليس «الربيع العربي» إلى الواجهة بعدما راحت جملة تكهناتها تتحقق على ملأ من المراقبين.
ويبدو أن الحكومة المصرية تحتاج إلى روسيا المستثمرة، وروسيا السائحة، وروسيا بائعة القمح، في حين ان الشعب المصري ينظر إلى روسيا كحليف عسكري وسياسي، وقد تبين ذلك عندما رفعت شعارات مناصرة لمصر إلى جانب صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جمعة تفويض الجيش محاربة الإرهاب (26 تموز الماضي).

وعن هذه الظاهرة، قال فهمي في مقابلة مع «نوفوستي»: «لقد سرت شائعات منذ فترة عن زيارة سيقوم بها الرئيس الروسي لمصر، وأنه سيظهر في ميدان التحرير، حتى أنني نفسي صدقت هذه الشائعات، وسألت لافروف عنها ممازحاً، وعندما كان جواب لافروف: من قال هذا؟، أكدت أن الشائعة إن سرت على هذا المستوى فهي دليل على الاهتمام الشعبي بالدور الروسي».
2013-09-18