ارشيف من :أخبار لبنانية
’الدورة العادية’ امتحان لـ’المجلس’ وللحكومة المستقيلة
سركيس نعوم - صحيفة "النهار"
ظن بعض الذين لا يكنّون "ودّاً" سياسياً لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن بدء الدورة العادية لمجلس النواب الشهر المقبل، أي للمجلس "الجديد"، سيوفر المناسبة لتصفية حسابات كثيرة معه، أهمها على الاطلاق عدم "تجديد" ولايته سواء بتأمين غالبية نيابية لمُنافس له، أو بتعطيل نصاب الجلسة. والأمران مؤذيان على الصعيد الداخلي في نظر عدد من المحللين المحايدين، ذلك أن انتخاب آخر لرئاسة المجلس سيعتبره "الشعب" الشيعي خرقاً للميثاق الوطني باعتبار أنه لا يحظى بتأييد غالبيته الساحقة. ولا بد أن تكون له مضاعفات وانعكاسات سلبية على الوضع الأمني غير المستقر أساساً. فضلاً عن أن منع انتخاب رئيس للسلطة التشريعية يقضي على القليل الباقي من مؤسسات دولة لبنان. اذ يعطلها على نحو تام ولا يعود في وسعها العمل، تماماً مثل السلطة التنفيذية المعطّلة عن العمل منذ أكثر من خمسة أشهر بسبب استقالة رئيسها نجيب ميقاتي. علماً أن هناك فارقاً وحيداً بين المؤسستين هو أن الثانية تستطيع تصريف الأعمال ريثما تؤلف حكومة جديدة، في حين أن مجلس النواب لا يستطيع التعاطي مع التشريع ومع مراقبة أعمال الحكومة، وهما أبرز مهماته، بطريقة تصريف الأعمال. وتعطيل المؤسستين يعني شل السلطة الأولى أي رئاسة الجمهورية كون صلاحياتها قليلة أساساً، علماً أن السلطة التنفيذية ليست جزءاً منها كما كانت الحال في دستور ما قبل "اتفاق الطائف".
لكن الظن المفصَّل أعلاه مرّ كغيمة صيف، ذلك أن الضليعين في القوانين أسقطوه من اي حساب لأن نص القانون الذي مدَّد به النواب ولاية مجلسهم يشمل رئيس مجلسهم ونائبه. ويعني ذلك أن اجتماعه الشهر المقبل في بداية دورته العادية سيكون لانتخاب اللجان النيابية وما تبقى من أعضاء هيئة مكتبه.
هل يعني ذلك أن رئيس المجلس نبيه بري سينجح في الدورة العادية في دعوة الهيئة العامة الى عقد جلسات للبحث في جدول أعمال الجلسات السابقة التي لم تنعقد لأسباب سياسية غُطّيت بأسباب قانونية واجتهادات؟ وهل يعني أيضاً أن الحكومة المستقيلة ستتمثل في الجلسات؟ وهل تفقد الجلسات شرعيتها اذا انعقدت في غياب الحكومة أو أي تمثيل لها؟ وألا يتأذى موقع رئاسة الحكومة، وتحديداً "الشعب" السنّي الذي يحتل سياسي منه الموقع المذكور، في حال انطلاق مجلس النواب في القيام بواجباته المنصوص عليها في الدستور في غيابها؟ وهل يكون حضور الحكومة المستقيلة الجلسات نوعاً من "التعويم" لها في ظل استمرار تعذر تأليف واحدة جديدة، وهو استمرار سيستمر طويلاً على ما يبدو؟
قد تكون هناك أجوبة سهلة عن بعض هذه الأسئلة. وقد تكون الأجوبة عن بعضها الآخر صعبة. لكن ذلك لا يمنع شعور رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي بالاحراج وخصوصاً في ما يتعلق بحضور حكومته أو تمثيلها في جلسات المجلس. فهو امتنع عن ذلك يوم تذرع الذين عطّلوا النصاب بأن الرئيس بري لا يستطيع الدعوة الى جلسة خارج اطار الدورة العادية، وبأنه يمس صلاحيات رئاسة الوزراء. وعندما يُطرح هذا الأمر الشهر المقبل سيعالجه بطريقته، وربما يعتمد على فقدان النصاب للتخلص من هذا الأمر.
لماذا لا تتصدى الحكومة رسمياً وعلى رغم استقالتها للقضايا الجوهرية كما يطالب البعض؟ بل لماذا لا "تُعَوَّم" كما يرى بعض آخر؟ والجواب عن ذلك هو أن الرئيس ميقاتي يرفض التعويم، ورفض "جلسات القضايا الجوهرية" منعاً لتكوِّن سابقة هي استمرار العمل الحكومي على رغم الاستقالة، ومنعاً لسابقة أكثر خطورة هي قيام أي حكومة تشكَّل ولا تحظى بثقة مجلس النواب، أي بعد تحوُّلها حكومة تصريف أعمال، ببتِّ "القضايا الجوهرية" ولمدة طويلة. وهذا أمر يرفضه في هذه المرحلة أحد فريقي الصراع في لبنان أي 8 آذار، وخصوصاً اذا تغلَّب الرئيس المكلّف ورئيس الجمهورية على ترددهما، والبعض يقول على خوفهما، و"شكّلا" حكومة يرفضها (حكومة واقع أو أمر واقع أو جامعة أو حيادية). وهو سيترجم رفضه أولاً بذرائع قانونية منها ان حكومة كالمذكورة لم تنل ثقة مجلس النواب. واذا لم يُصْغِ أحد اليه فإنه سيلجأ الى وسائل أخرى تعطّل العمل المؤسساتي كله وتأخذ البلاد في اتجاهات خطيرة. ولمواجهة حال كهذه اقترح ميقاتي على المطالبين بجلسات حكومية للقضايا الجوهرية إجراء تعديل دستوري في مجلس النواب يحدِّد هذه القضايا. علماً أن ذلك قد يفتح ذلك الباب أمام مطالبات بتعديلات دستورية أخرى، فيكون لبنان في وضع ويصبح في آخر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018