ارشيف من :أخبار لبنانية
لبنان عالق في شباك التسوية حول سوريا
هيام القصيفي - صحيفة الاخبار
استمرار المفاوضات حول سوريا وملفها الكيميائي يطرح السؤال عن موقع لبنان من التسوية، وعن موقف الدول العربية الرافضة لها، وسط مخاوف متزايدة وتحذيرات غربية من تحويل لبنان ساحة أمنية لتمرير الرسائل المتفجرة.
كلما انكشفت تفاصيل المفاوضات الاميركية الروسية ــ الايرانية ــ حول سوريا، بدءاً من لقاء الرئيسين باراك اوباما وفلاديمير بوتين، وصولا الى تفاهم وزيري الخارجية سيرغي لافروف وجون كيري، شعر مسؤولون لبنانيون بارتفاع مستوى الخطر في لبنان.
فالمنطق الامني، بحسب احد المسؤولين، يقول ان التفجيرات او الخربطة الامنية لا تحدث زمن الحرب بل في زمن التسويات الاقليمية التي تتم عادة على حساب طرف ما، وفي زمن التهدئة الظرفية حيث يتم تبادل الرسائل. واليوم، يقف لبنان وسط المعمعة الاقليمية التي تتحدث عن تسوية دولية، تحمل خسائر لافرقاء تورّطوا في سوريا، ويمكن ان يجدوا في لبنان ساحة لترجمة اعتراضهم عليها. وهو امر يتلاقى مع رسائل غربية تنبيهية الى احتمال ان يفرض اي طرف منحى امنياً خطراً على الساحة الداخلية.
ينقسم الحديث في لبنان عن التسوية بين قائلين بتسجيل النظام السوري فوزاً على خصومه، وبين معترفين بالخسارة المطلقة لمعارضي النظام في سوريا ولبنان معاً. وخطأ الفريق الثاني انه استعجل الانتصار على النظام السوري فظهر وكأنه الخاسر الاكبر، فيما استفاد الاول من عدم الضربة فربح نصف انتصار.
لكن ابعد من الانقسام بين الطرفين، ثمة محاولات لفهم طبيعة التسوية وانعكاساتها، انطلاقاً من نقطة اساسية: ان الفريقين في لبنان ومن وراءهما يعرفان تماما ان القرار العسكري الاميركي بالضربة التأديبية كان متخذاً، وتبلّغه لبنان كما غيره من الدول المعنية، وقد تصرّف حزب الله ميدانياً، عسكرياً وأمنياً، استناداً اليه.
بعد التهديد بالضربة والانتشار العسكري الاميركي الذي ترافق مع حركة موفدين عسكريين وسياسيين في الشرق الاوسط، جاءت المفاوضات الروسية ــ الايرانية مع واشنطن، لتسحب التهديد بالضربة وتترجم في المقابل مجموعة تفاهمات علنية وضمنية تحت عنوان معالجة الملف الكيميائي السوري.
ربحت واشنطن في التسوية معالجة السلاح الكيميائي الذي لم يكن النظام السوري يسلم به، محققة نصراً يتقاطع مع مصلحتها العليا ومصلحة بعض دول المنطقة وفي مقدمها اسرائيل. وربحت عدم تورطها في حرب كان الرئيس الاميركي يتفاداها، وهو امر خلق بلبلة داخل فريقه وعكسته الصحف الاميركية المؤثرة وكذلك مراكز دراسات متخصصة، ساءها تصرف اوباما و«مفاوضاته السرية» وادارته للأزمة، وتوقعت ارتدادات سيئة بنتيجتها على ولايته. في المقابل حيّدت التسوية الاميركية ــ الروسية اي حديث أميركي عن مطالبة واشنطن الرئيس السوري بشار الاسد بالتنحي. وكان هذا الامر، ولا يزال، مثار نقاش اميركي داخلي، لان ادارة اوباما كانت تكتفي فقط بدعوته الى التنحي، لكنها لم تذهب يوما الى فرض تنحّيه كما فعلت مع حليفها الرئيس المصري حسني مبارك. في وقت حافظت واشنطن على موقفها المتشدد من بيع اسلحة للمعارضة السورية التي تحظى بدعم قطري وسعودي.
على الخط الروسي، حافظ الروس على موقفهم الداعم للنظام السوري وحصلوا على شبه تعهد بعدم صدور قرار عن مجلس الامن، وثبّتوا علاقتهم بايران على المستويين الديبلوماسي والعسكري.
لكن اين لبنان من ترجمة التسوية؟
من المبالغة القول ان واشنطن سلمت لبنان ولزّمته لايران، كما سلّمته اعواما طويلة لسوريا، ولعل هنا جوهر التسرع الذي اظهره بعض قيادات 14 آذار في قراءة مرحلة التفاهم الروسي ــ الاميركي، لأن ثمة خلاصات لا تزال مبهمة، وتحتاج إلى وقت لبلورتها. لكن الاكيد ان التسوية، بمعناها الحالي، فرضت ايقاعاً مختلفاً سيضطر جميع الافرقاء اللبنانيين الى التعامل معه بروية، في ظل مجموعة من العناوين:
اولاً، أثبتت ايران انها ليست نظاماً انتحارياً، وهي وإن رفعت مستوى تأهبها في سوريا، الا انها قادت عبر روسيا، ومباشرة، محادثات مع واشنطن افضت الى الاتفاق على سحب فتيل الضربة. لكن في المقابل تدرك طهران ان هذا الاتفاق قد يكون في نظر الادارة الاميركية باباً لمعالجة مماثلة في ملفها النووي. وهنا سيكون امامها اختبار من نوع آخر كون المعركة ستنتقل الى عقر دارها، مع بروز اشارات قوية عن تطبيقها الواقعية ذاتها في معالجتها هذا الملف.
وحتى الآن، بدا بالنسبة الى اوساط لبنانية مطلعة ان طهران تعاملت بواقعية مع الازمة الكيميائية، رافضة استخدام النظام السوري لها. وثمة اشارات ديبلوماسية الى ان وقوفها الى جانب النظام السوري الرسمي من دون تردد، ولا سيما بعد انقسام المجتمع والفرز المناطقي والطائفي، قد يجد بالاتفاق مع موسكو ترجمة واقعية بتزكية خليفة للرئيس السوري من ضمن تسوية تأخذ في الاعتبار مصالح المجموعات السورية، رغم انه من المبكر استخلاص اي نتائج مبكرة من هذا النوع بعد تفاهم كيري ــ لافروف.
ثانيا، ان معالجة الترسانة الكيميائية طويلة الامد، والمواعيد التي اعطيت في نهاية السنة المقبلة، اولية بحسب التجارب السابقة، وهي متشعبة، وستكون سوريا عرضة خلالها لاختبارات دولية تترافق مع تدخل يومي في تفاصيلها، كالمخازن والاسلحة المستخدمة وحتى كمصدر المنشأ، موضع معاينة يومية، ما يمكن ان يشكل ملفا شائكا ومفتوحا وتتداخل فيه عوامل مختلفة سورياً واقليمياً. ومن هذه العوامل الموعد الدستوري المحدد للاستحقاق الرئاسي السوري، وهنا يكمن التقاطع مع لبنان الذي يشهد العام المقبل ايضاً انتخابات رئاسية، مع ما يمكن ان يخلق ذلك من ثقل في الحركة الدولية تجاه البلدين، وما ينتج من ارتدادات عنها.
ثالثا، ان التسوية الكيميائية لم تغير من واقع الحرب الدائرة حاليا في سوريا. لا بل ان النظام سيحاول ان يستفيد الى الحد الاقصى من توجيه الانظار نحو الجبهات الاصولية المتشددة واعمالها كما حصل في معلولا في وقت كانت المفاوضات الدولية على اشدها. وكذلك فإنه سيحاول ان يجمع الى جانبه انظمة عربية حليفة، تعاني من تطور الحالة الاسلامية كما هي حال مصر. وقد كشفت معلومات ان وفداً استخباراتياً مصرياً زار دمشق عبر لبنان اخيرا، والتقى مسؤولين رفيعي المستوى بهدف التنسيق الامني في ما يتعلق بعمل الجبهات المعارضة ومنها حماس والتدريبات التي تقوم بها في سوريا ومصر.
وفي المقابل، فإن ما خسرته الانظمة الداعمة للمعارضة من جراء التسوية، قد ينعكس تطورا في مدها بالسلاح، ما ينبئ ان حرب سوريا قد تشهد نوعية جديدة من الجولات العسكرية. في المقابل قد يكون من مصلحة النظام اليوم شد الخناق اكثر في حلب ودرعا، وقد تكون له مصلحة اكثر في الانفتاح على الاكراد، وفي تعزيز المناطق التي يسيطر عليها، الامر الذي سيساهم اكثر في خلق مناطق وغيتوات تساهم في فرض امر واقع اكثر تأثيرا على مجرى الحدث الاقليمي.
رابعاً، ان طهران ابعدت مرحليا الكأس المرة عنها وعن حزب الله، لكن هذا لا يعني ان الاسترخاء سيحكم طبيعة عملهما في لبنان والمنطقة، وخصوصاً ان التسوية الروسية الاميركية ثبتت العداء الذي قادته بعض الانظمة العربية ضد الطرفين. والسؤال: هل يمكن للطرف الاقليمي السني الغائب عن التسوية ان يغض الطرف ويتجاهل معنى ارتداد التسوية سلباً على المعارضة السورية، وايجاباً على حزب الله وطهران؟
قد يكون الجواب العملي، لبنانياً، هو المقال الذي عبر فيه الرئيس سعد الحريري عن هواجس ومخاوف فريق من اللبنانيين، بل وطائفة، ازاء ما حصل، وقد يكون مفتاحاً من اجل العودة بواقعية الى حلول لبنانية تحيّد لبنان عن الصراع السوري. وقد يكون مؤشراً عن جو عربي لم يجد حرجا في اظهار موقف متشدد من التسوية على حساب المعارضة السورية. وهنا سر التزامن مع الاجراءات التي تريد دول الخليج اتخاذها ضد مناصري حزب الله، وقد يكون ايضاً سبباً في المخاوف من دخول الجبهات المتشددة على الخط من خلال تحويل لبنان ساحة متفجرة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018