ارشيف من :أخبار لبنانية

مبادرة برّي: لبننة المرحلة في انتظار التسويات

مبادرة برّي: لبننة المرحلة في انتظار التسويات
غسان جواد-"الجمهورية"

لماذا هذا التعاطي السلبي مع مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه برّي؟ لماذا المسارعة الى رفضها وانتقادها والتقليل من قيمتها؟ وهل لدى من ينتقدها بدائل من شأنها اخراج البلاد من أزمتها العميقة؟ 


فور انتهاء رئيس المجلس النيابي من كلمته في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر في 31 آب الفائت. بدأ اطلاق النار على "المبادرة الحوارية" التي اعلنها. وقد تولى نواب من تيار "المستقبل" مهمة التشكيك بها وببنودها، واعتبارها "إعتداءً على صلاحيات رئيسَي الجمهورية والحكومة".

لم ينتظر البعض ليستكمل قراءة "النص" والبنود الواردة في المبادرة. كأنّ صاحب المبادرة رئيس مجلس النواب في دولة أخرى ويتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية!! او كأنه شخص آخر غير "نبيه برّي" الذي يميّزونه في خطاباتهم غالباً، ويعتبرونه جسراً للحوار بين جميع الافرقاء، ويلجأون اليه لإيجاد المخارج في الازمات.

في ظروف طبيعية في وسع البعض الاتكاء على "الترف الدستوري" لمناقشة هذا الطرح او ذاك. مع العلم أنّ هنالك مواداً خلافية كثيرة في الدستور الحالي وصلاحيات في حاجة الى توضيح واعادة تعريف. اما في ظروف استثنائية كالتي يعيشها لبنان والمنطقة لا يمكن فهم جملة التصريحات والمواقف المعترضة على مبادرة برّي سوى من باب المناكفة ورفض الحوار وانتظار "كلمة السر" من الخارج.

هذا امر قد يراه البعض بديهياً، ويعكس التوازنات الاقليمية والدولية الراعية للوضع اللبناني، وهذا صحيح نسبياً. لكنّ تعارض هذه التوازنات مع المصلحة اللبنانية يجعلها واقعة في "باب الضرر" على الجميع بمن فيهم من ينتظرون "كلمة السر"، وامام مصلحة البلد القصوى ينبغي أن تتضاءل تلك الحسابات.

لقد مهّد بري للمبادرة بكلام استباقي عن ضرورة التلاقي الايراني ـ السعودي على تحييد لبنان وتجنيبه الانعكاسات المتوقّعة للأزمة السورية، وهو في ذلك يعرف الهامش الذي يستطيع مختلف الاطراف أن يلعبوا ضمنه ويفاوضوا عليه.

والبنود التي جاءت في المبادرة، وطريقة تسلسلها، تعكس رغبة في أن يستفيد لبنان من حالة الانشغال الدولي والاقليمي والتقارب الجاري في الملف السوري، لكي يجلس الافرقاء اللبنانيون الى طاولة حوار "مكثفة" تقرّب وجهات النظر، وتواكب مناخات "التسوية" التي يجري بناؤها حول سوريا والمنطقة بطبيعة الحال.

لم يكن اللبنانيون يوماً قادرين على صناعة قرارهم الداخلي بمفردهم. ولم يكن الخارج يوماً قادراً على صناعة القرار من دون مشاركة اللبنانيين، وهنالك امثلة كثيرة في التجربة اللبنانية. وعليه تُطرح اسئلة كثيرة، لماذا يرفض البعض أن يشارك اللبنانيون في إدارة المرحلة الحالية؟ وهل اصبحت الدعوة الى الحوار لتسهيل تأليف الحكومة ومناقشة الملفات الخلافية كُفراً بيّناً وأمراً ضد مصلحة البلد؟

يحاول برّي تزخيم المبادرة وشرحها مع العلم انها لا تحتاج الشرح كثيراً. هذا الجهد يبدو الآن في مكانه الصحيح. فما بين إطلاقها منذ نحو اسبوعين حتى الآن، حصلت تحوّلات كبيرة وكثيرة على مستوى المنطقة والعالم. الاتفاق الروسي ـ الاميركي حول السلاح الكيماوي السوري يحمل ملامح "تسوية كبرى" يجري اعدادها في موسكو بهدوء.

وفي وسع لبنان الاستفادة من هذه المناخات، ومبادرة رئيس المجلس النيابي لا تزال صالحة كقاعدة ومنطلق للحوار برعاية رئيس الجمهورية. رفض الحوار الآن يعني ترك البلاد عرضة لرسائل "الاعتراض الاقليمي" على التوافق الروسي ـ الاميركي.

وقد تكون هذه الرسائل سياسية من النوع الرافض لمبادرة برّي، وقد تكون امنيّة بإستئناف التخريب والتفجير واستخدام لبنان ساحة لتحسين شروط بعض اللاعبين الاقليميين المهزومين حتى الآن في دمشق والمنطقة.

إذا اراد المراقب تعريف المبادرة التي قدمها برّي بجملتين، في وسعه على الأرجح أن يقول الآتي: هي محاولة سياسية لجمع الاطراف و"لبننة" المرحلة وانتظار أوان التسويات الكبرى برهانات عقلانية.
 
2013-09-19