ارشيف من :أخبار لبنانية

«جردة» بالخسائر السعوديّة تشرح أسباب «الحقد» الدفين على حزب الله؟

«جردة» بالخسائر السعوديّة تشرح أسباب «الحقد» الدفين على حزب الله؟
ابراهيم ناصرالدين-"الديار"
 
هناك حملة تضليل واضحة يخوضها المعسكر المناهض لمحور المقاومة في المنطقة عبر تسخيف «ادعاء» هذا المحور الانتصار لمجرد تفادي الضربة الاميركية على سوريا، ولكن هذه الحملة لن تلغي مفاعيل «النكسة» الجديدة التي تعرضت لها هذه القوى من خلال رهانها على الضربة العسكرية لازاحة النظام السوري، ومن يدعي عكس هذا الامر من قوى اقليمية او لبنانية، يمارس الكذب والنفاق، ومن خلال سرد تاريخي لبعض المحطات الفاصلة من هذا الصراع، يمكن لاي مراقب محايد ان يصدق محور ايران سوريا حزب الله عندما يتحدثون عن «صمود» اذا لم يكن انتصار، ولن يتوانى عن الاستنتاج أن الطرف الاخر قد تعرض لهزيمة.

 ويمكن ايضا من خلال هذا العرض الحصول على أجابة بديهية حول «الاسباب الموجبة» لهذا الحقد الدفين في السعودية تجاه حزب الله؟ فأذا كان لبنان قد خرج عمليا من دائرة النفوذ الغربي منذ العام 1984مع بداية ظهور القوة الفعلية لحزب الله، واذا تجاوزنا انتصار العام 2000 وخروج اسرائيل من الاراضي اللبنانية دون اي قيد اوشرط، واذا تجاوزنا ايضا نجاح الثورة الايرانية في تجاوز «فخ» صدام حسين الذي خاض لثماني سنوات حربا بالوكالة عن دول الخليج والغرب لوأد الثورة الوليدة، وبدأنا تأريخ الصراع بين هذا المحور وخصومه الاقليميين والدوليين منذ العام 2005 يتبين بشكل واضح ان الفريق المناهض لمحور المقاومة يخوض حربا هجومية لم تنجح حتى الان في هزيمة الطرف الاخر بالضربة القاضية، والفريق الاخر يخوض حربا دفاعية مكنته حتى يومنا هذا من التفوق بالنقاط، سواء حقق هذا الامر عن سابق تصور وتصميم او ساعدته الظروف والعوامل على تحقيق ذلك. ففي هذا العام ، تقول اوساط سياسية رفيعة عاصرت هذه الحقبة، بدأ يتكون حلف غربي وعربي لاخراج سوريا من لبنان ومحاصرة المقاومة، والهدف كان واضحا اضعاف النفوذ السوري في الساحة اللبنانية بعد ان دخل الاميركيون الى العراق، وكانت محاصرة سوريا تقتضي نزع «رئتها» اللبنانية باعتبارها احدى اوراق النظام القوية في المنطقة.

لكن حدثا مدويا لم يغير مسار الاحداث فقط، بل فرغه من مضمونه، وجعل من ثمن تحقيق هذا الهدف غاليا جدا بالنسبة الى المملكة العربية السعودية، التي فجعتها خسارة الرئيس رفيق الحريري الذي كان يمثل حجر الزاوية لاستراتيجيتها في لبنان والمنطقة. وبغض النظر عمن ارتكب تلك الجريمة «المروعة»، فالخسارة وقعت، والمستفيدون كثر، ودماء الحريري «ضاعت» والعدالة لم ولن تتحقق، وسط «لعبة» دولية واقليمية تلاعبت بالمحكمة الدولية، وفي ظل لاعبين لا يكترثون بالخسائر الجانبية اذا ما كان الهدف استراتيجي بحجم اضعاف النظام السوري، لكن بالنسبة للرياض كان الحريري خسارة لن تعوض، وهذا ما اثبتته الاحداث لاحقا بعد فشل نجله سعد في سد هذا الفراغ الهائل. لكن ورغم هذه الخسارة، تقول الاوساط لم يتحقق من الخطة الا انسحاب الجيش السوري لوجستيا من لبنان، وجاءت المفاجأة غير المحسوبة من الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي نجح بقيادته الحكيمة للحزب في الحفاظ على «نفوذ» هذا المحور في لبنان، واستطاع سد الفراغ الهائل الذي تركه الانسحاب السوري، وهذه المرة بقوة شرعية لبنانية لديها كل مقومات الحق في الشراكة بالحكم وفرض الشروط وادارة الدولة، وهنا خسرت القوى الاخرى مرتين، رفيق الحريري، وورقة «الاحتلال» السوري التي كانت تمثل نقطة ضعف لمحور المقاومة.

 والنتيجة كانت لصالح حزب الله الذي تحرر من «عبء» الوجود السوري في لبنان وحالة الفساد التي كانت تدار من خلال المنظومة التي كانت تدير هذا الملف، واصبح هو اللاعب الاقوى متحررا من ضغوط «حلفاء» سوريا المحليين، لكنه حافظ على المعادلة الاستراتيجية للمحور وافشل خطة أضعافه. وتشير تلك الاوساط الى ان هؤلاء لم ينسوا نجاح الحزب في قلب «الطاولة»، واعتقدوا في صبيحة 12 تموز 2006 ان السيد حسن نصرالله قد ارتكب «الخطيئة» المميتة على الحدود، فتم تغطية العدوان الاسرائيلي على لبنان، وكان الاعتقاد السائد ان الحرب ستنتهي بالقضاء على الحزب، لكن المقاومة مرة جديدة فاجأت الجميع «وانقلب السحرعلى الساحر»، فخرجت اقوى داخليا واعطت دفعا كبيرا لدول الحلف وكرستهم ضمن المعادلة الاقليمية والدولية. وخرج حينها الرئيس الاسد بخطاب «انصاف الرجال» الذي زاد من الحقد الشخصي تجاهه من قبل زعماء عرب تعنيهم كثيرا الرجولة. طبعا لم تتوقف الحرب باشكال اخرى ضد الحزب، تضيف الاوساط فجّيرت له الاتهامات بقتل الرئيس الحريري في سوريا، وغطت السعودية محاولة الحكومة اللبنانية نزع «سلاح الاشارة» عام 2008 وكان الامل يومها في تقليم «اظافر» الحزب، لكن النتائج مرة جديدة جاءت عكسية وكان السابع من ايار، وما تبعه من انهيار للمنظومة المخابراتية الغربية والعربية في لبنان، وما سمي حينها «بالهروب الكبير» من بيروت، فأضطروا للذهاب الى الدوحة، وتمكنوا من العودة المشروطة الى الحكم نتيجة تواضع حزب الله، لكن هذه التجربة فشلت ولم يستفد حلفاء الرياض من الفرصة فكان «الانقلاب الابيض» الذي اطاح بالحريري من السلطة خلال وجوده في البيت الابيض.

ولم تقف الخسائر عند هذه الحدود فتعرضت السعودية ومعها الغرب لنكسة امنية جديدة، تمثلت في اغتيال «عقلها» الامني في لبنان والمنطقة اللواء وسام الحسن، طبعا لم تعرف هوية القتلة ولا اهدافهم ولا يمكن المجازفة في اتهام احد في ظل صراع امني مفتوح في المنطقة، لكن التنيجة كانت المزيد من الخسائر للرياض وحلفائها في المنطقة ولبنان. في هذا الوقت تقول الاوساط كانت المملكة العربية السعودية قد خسرت العراق أثر تنصل الاميركيين من الاتفاق معهم على اياد علاوي، والتوافق مع ايران على تشكيل حكومة برئاسة نوري المالكي، وقيل يومها ان السيد نصرالله ساهم في اقناع الرئيس الاسد بهذا الخيار بعد ان «عجز» الايرانيين على اقناعه بالخروج من التفاهم مع السعودية على علاوي.فكانت نكسة جديدة للملكة. وليس بعيدا عن العراق، جاء دور ايران مجددا، فحركت «ماكينات» الضخ الاعلامية والمالية وعملت اجهزة الاستخبارات العربية والغربية لاضعاف النظام الايراني في العام 2009 من خلال دعم ما سمي يومها «بالثورة الخضراء»، لكن الخطة فشلت، وخرجت ايران اقوى.كما فشلت محاولة جديدة قبل اشهر لاعادة السيناريو نفسه لكن الايرانيين حضّروا المسرح جيدا لنجاح الشيخ حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية، ونجحت ايران «المحاصرة» اقتصاديا، في سد جميع منافذ الدخول الى ساحتها الداخلية.

ولم يبق امام هذا الحلف الا سوريا، وكان يمني النفس بسقوط المشروع المقاوم من بوابة دمشق، وهكذا بدأت تغذية الصراع الداخلي على امل اسقاط النظام خلال اسبوعين او ثلاثة على الاكثر، لكن ها نحن على ابواب العام الثالث للحرب تقول الاوساط والنظام انتقل من الدفاع الى الهجوم، حزب الله الذي فشلت محاولات تقزيمه وضربه، انفلش واصبح لاعبا اقليميا بامتياز، نجح في قلب المعادلة في دمشق وفي وسط سوريا، نجح في تغيير المعادلات المرسومة على الارض. ايران «تبنّت» الشعب السوري والنظام، وتتعامل مع 23 مليون سوري كانهم جزء من الشعب الايراني، روسيا ازداد تصلبها وباتت دمشق بوابتها الى النفوذ في العالم، وبعد ان صدق عدد لا بأس به من الرأي العام العربي والغربي ان ما يحصل في سوريا ثورة يقمعها النظام، انقلبت الصورة مع مرور الوقت ولم يعد بالامكان اخفاء الطابع «الاجرامي» للمقاتلين الاجانب والمحليين، والدلائل على ذلك كثيرة، منها تصويت البرلمان البريطاني ضد الحرب، استطلاعات الرأي الاميركية، المزاج الشعبي المصري، القتال بين المعارضات المتشرذمة، خلاف السعودية مع حلفائها حول مصر والاخوان، وجاءت الطامة الكبرى «بغدر» الولايات المتحدة وعدم ذهابها الى تنفيذ ضربة تطيح بالاسد.

هذا غيض من فيض «قصة» المواجهة المفتوحة على محور المقاومة في المنطقة، لماذا لا ينتقل هذا المحور للهجوم؟ لأنه بكل بساطة يعتبر نفسه انه يربح، وما دفعه من اثمان باهظة نتيجة الفوضى والدمار في سوريا، وخسارة «نعمة» الامن في مناطق نفوذ حزب الله في لبنان، يضعها في خانة الضريبة المفروضة عليه في حربه الدفاعية التي تكبد فيها اعداؤه خسائر لا تحصى، وسيتكبدون اكثر اذا لم يراجعوا حساباتهم، وثمة من يقول ان محور المقاومة اشترى «الوقت» ببيع الاسلحة الكيميائية السورية، وحرم خصومه من حرب ارادوا خوضها وفقا لتوقيتهم، فاستعاد زمام المبادرة لخوض حرب حتمية لكن في توقيت يناسبه. فهل يجوز بعد العرض التساؤل عن حسابات الربح والخسارة؟ أو لماذا «يكرهون» حزب الله؟
      
       
2013-09-20