ارشيف من :أخبار لبنانية

استراتيجية الصمت ورشّاش المقاوم


استراتيجية الصمت ورشّاش المقاوم
   
جورج كرم - صحيفة "البناء"

حرب جديدة عشنا وقائعها خلال الأسابيع القليلة المنصرمة ابتدأت بالكلام والتهديدات الغربية للشام بضربة صاروخية أميركية جزم المحلّلون الأصدقاء قبل المعادين بأنها حتمية. حرب اقتصرت دورة رحاها على الكلام فحسب عبر القنوات الإخبارية العالمية ومن خلال القنوات الديبلوماسية في مبارزة بدت متكافئة بين تهديدات صواريخ «توماهوك» التي أضحت نحيلة هزيلة نتيجة سنوات الجوع والانهزام الأميركي والقدرات الصاعدة للدفاع الاستراتيجي في الشام وحليفتها إيران فيما الدب الروسي تمختر «مبورداً» في أيلول روسيا المنعش بين سياسة ليّ الذراع الغربية حينا والدهاء الديبلوماسي أحياناً. ولو قارنّا المبارزة بين أوباما من جهة وسورية وحلفائها من جهة أخرى بمبارزات أفلام رعاة البقر الأميركية التقليدية لرأينا «الكاوبوي الأفريقي» أوباما يرمش بعينيه في اللحظة التي رأى فيها سقوف مخازن الصواريخ الإيرانية الأوتوماتيكية تنفتح إيذاناً بالإستعداد الأقصى لإطلاق صواريخ على «جمهوية الفلافل» الجديدة «إسرائيل» في حال حصول الضربة الأميركية على الشام والذي يرمش بعينيه في مبارزة مصيرية كهذه في علامة خوف أو تردد يموت وهكذا كان فاستشهد أوباما سياسياً وأضحى أول رئيس أميركي تنعاه «جبهة النصرة» وترسل إليه سبعين حورية إلى البيت الأبيض.

أما جون كيري الملتوي شكلاً ومضموناً فهو مولود ميت سياسياً على كرسي وزارة الخارجية إذ ترشح ضد الرئيس بوش لمنصب رئيس الجمهورية قبل بضع سنين خلت وحاول استعمال مختلف أساليب الاحتيال الإنتخابي محاولاً زيادة شعبيته آنذاك لدى ناخبي الغرب الأوسط من الرجال المنتمين إلى «جمعية البندقية الوطنية» الفخورين بالسلاح واقتنائه واستعماله للدفاع عن النفس والصيد حينا وتهديد المهاجرين الجدد الآتين من الحدود الجنوبية أحياناً. خرج كيري عامذاك في ما حاول ان يوهم الرأي العام بأنه رحلة صيد لإثبات رجولته الملطخة بالكاتشاب والخردل من آثار الشركة العالمية المشهورة التي تملكها زوجته المنتجة لهذه السلع بعدما حدودب ظهره من كثرة التنقل في طائرة زوجته الخاصة المنخفضة السقف وعرُض قفاه تحت تأثير الكرسي الجلدية الفخمة على الطائرة نفسها ومن جراء تناول كافيار المزارع الأميركية بالجملة وغيره من أطايب الطائرات الخاصة. خرج كيري في رحلة الصيد تلك لالتقاط الصور الانتخابية وزيادة شعبيته فكانت النتيجة صورة له ينتفض متأهباً لمطاردة طير مسكين حاملاً بندقية الصيد من رأسها كمهرّج كوميديّ لا يدري من أيّ جهة في البندقية ينطلق الخردق القاتل فخسر من أصوات «قبضايات» السلاح في الغرب الأوسط الأميركي أكثر مما ربح من جراء رحلة صيده المهزل. والآن بعدما تركت هيلاري كلينتون صديقة آل رابين الحميمة منصب وزير الخارجية اشتاق أوباما إلى طويل مثله يؤنسه في البيت البيض فأتى بكيري بعدما سوّى اعوجاجه السياسي في عملية «حدادة وبويا» تعويمية في الكونغرس وألبسه منصب الخارجية لكن هذه المرة أناط أوباما بكيري مهمة «صيد» اكثر صعوبة محفوفة بالأخطار العسكرية والسياسة وهي اصطياد الشعب السوري بالصواريخ البعيدة المدى الشعب السوري الذي أبى أن يموت وأن يهزم رغم هجمة العالم عليه لأكثر من سنتين بغية إركاعه وتدفق مال النفط والغاز من جيوب افريقي آخر على رأس جهاز استخبارات خليجي دعماً لهذه الهجمة وكيف لكيري أن ينجح في مهمة «صيد» كهذه بعدما فشل فشلاً ذريعاً في التصدي لحمامة «إستشهادية» نصف مخدرة مبتورة الجناحين حطت على رأس بندقيته جاهزة للموت لأجل حملته الإنتخابية فأدار كيري البندقية رأساً على عقب و»سحب البساط» من تحت رجلي الحمامة وأجبرها على الهرب ففضلت الحمامة في النهاية الانتحار على الموت على يد هذا «المبعوج». ويبدو أن كيري على غرار سيّده أوباما «استشهد» سياسياً من جراء حملة «التوماهوك» الفاشلة وما نشهده اليوم من مفاوضات بين كيري ولافروف ليس إلا اللقطات الأخيرة في الفصل الختامي من مسيرة كيري السياسية والتي تجرى على طراز مبارزات المصارعة الرومانية التي ستنتهي بسحل كيري سياسياً في ساحات جنيف على عربة يقودها داهية الديبلوماسية العالمية وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

في خضم هذه الحرب الدائرة على كل موجات الأثير كان محللو بلادنا في عالم آخر تماماً «يلعبون في أقصى يسار الملعب» بحسب التعبير الأميركي وعلى أعصاب القراء في مقاربتهم الحوادث الأخيرة التي عشنا وقائعها. ويقع اللوم في هذه الحال على الصحف الزميلة التي تؤوي أولئك المحللين غير الكفوئين وتفتح لهم المنابر المكتظة بالقراء لبث سمومهم وبلههم السياسي ولا أتكلم هنا عن ميشيل كيلو وعزمي بشارة وأمثالهم ممن أجمع العالم على أنهم باتوا على جدول الرواتب الخليجية بل أشير إلى المحلل «الصديق» الذي لم يتوان للحظة عن التأكيد على صفحات الجرائد والشاشات الفضائيات أن الهجمة الأميركية حاصلة وحتمية والخلاف البسيط هو على التوقيت هو وزميله الآخر في الصحيفة نفسها وصلا إلى نقطة اللاعودة في تأكيد حصول هذه الضربة مع الاختلاف في «تقدير حجمها وأهدافها» وهذا الأخير هو الصحافي نفسه الذي نشر تحليلاً مباشرة بعد انتصار تموز تحت عنوان «صواريخ حزب الله عرضة للصدأ» مستبشراً خيراً بقوات الأمم المتحدة الآتية إلينا والتي تبين لاحقا أنها أتت للتجسس لمصلحة العدو والعمل ككشافة له وصواريخ حزب الله التي تكلم عنها يوما صحافي إذاعة مونتي كارلو السابق هذا وتنبأ لها بالصدأ باتت اليوم أكثر لمعانا وأطول مدى وأشد جهوزية وها هي الآن تغير المعادلات الكونية وتصنع للعالم أقطاباً جديدة فلا يُغرّن احد بالدعم الروسي لنا. روسيا تدافع عن مصالحها وفي وقوفها إلى جانبنا تعلم أن سقوط سورية يعني انتهاء الدور العالمي لروسيا وزوال آخر قواعدها في المياه الدافئة ويعني دخول «جبهة النصرة» ومثيلتها من المعتوهين إلى روسيا نفسها ومنبع أولئك الإرهابيين ليس سوى الشيشان السوفياتية سابقاً والروس ما كانوا ليتمكنوا من البروز كقوة سياسية عالمية لولا جهوزية المقاومة في لبنان وقوتها واستعداد عمقها الاستراتيجي في سورية وإيران للردّ على أيّ هجوم أميركيّ محتمل. هل شارك هؤلاء المحللون «الأصدقاء» في هذه الحرب النفسية علينا من على صفحات الجرائد عن سوء نية أو عن بله سياسي؟ أم أن المصادر التي يعتبرونها موثوقة ويتباهون بها لم تكن في الحقيقة سوى مصادر عميلة للاستخبارات الغربية تبث إليهم المعلومة التي تراها مناسبة لكي ينقلوها بدورهم إلى قرائهم في سياق حرب نفسية عالمية شعواء علينا؟

حرب جديدة بدأت بالكلام وجرت حوادثها بالكلام وللمرة الأولى انتهت بالكلام وكانت نتائجها مدوية وأكثر أهمية من الحروب الفعلية التي عشناها حرب جديدة أكدت زوال الأحادية الأميركية وأبرزت القطب الروسي كقطب فاعل ومقرّر ووازن على الساحة الدولية حرب انتهت بتراجع أميركا من على أسوار سورية مذعورة شاء المحللون أم ابوا. ولم يكن مجلس الشيوخ ومجلس النواب الأميركي ليترددا في إعطاء الموافقة لأوباما الهارب من مسؤولية الهزيمة ملتجئا إلى الكونغرس للمرة الأولى في تاريخ بلاده لولا صواريخ المقاومة الموجهة إلى الوريد «الإسرائيلي» والتي أخرت «التعليمة» الصهيونية للشيوخ والنواب الأميركيين بالتصويت لمصلحة الضربة وأعطت أوباما ذريعة التراجع. الصامت الأكبر حزب الله كان العامل الأقوى والفاعل الأكبر في التراجع الأميركي «الإسرائيلي» الذي حصل من دون حاجة الحزب إلى التصريح بشيء ولا بد من الإشارة إلى أن الحرب الأخيرة بدأت برشاش مقاوم من جنوب لبنان. ألم يخرج المتظاهرون من المساجد في أول جمعة لـ»الثورة السورية» البائسة وهم يردّدون هتافات ضد حزب الله و إيران بدلاً من هتافات «ثورية»؟ شغلت هذه الحرب العالم كله وأدت إلى أكبر هزيمة سياسية لأميركا في هذا القرن وإلى نهاية احتكارها لمهمة شرطي الكرة الارضية إلى الأبد رشاش مقاوم هزم أميركا مراراً لكن لم يتسنّ له أن يزعرد فرحاً بعد ولو قليلاً في خضم استراتيجية الصمت الطويل الأمد من قبل المقاومة ومحورها وفي انتظار تحرير فلسطين كلها من البحر إلى النهر.
2013-09-21