ارشيف من :أخبار لبنانية

روحاني دخل دائرة الإختبار مع واشنطن

روحاني دخل دائرة الإختبار مع واشنطن

جوني منيّر - صحيفة "الجمهورية"

طالما إنّ المنطقة تستعدّ للّقاء الأميركي - الإيراني في نيويورك، ومن بعده للّقاء الإيراني - السعودي، فلا بدّ للبنان أن ينتظر ولو بترقّب وحذر على المستوى الأمني خصوصاً، وعلى المستوى السياسي أيضاً لجهة الملف الحكومي.

صحيح أنّ أيّ تأكيد لم يصدر بعد لجهة حصول اللقاء بين الرئيس الأميركي باراك اوباما، الذي يحمل ملفاً كاملاً لتصوّره حول تسوية سياسية في الشرق الأوسط، والرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني صاحب النهج الانفتاحي والإصلاحي، إلّا أنّ الأجواء الناشطة على المستوى الدولي والمواقف المواكبة تنبئ بحصول اللقاء على هامش أعمال الأمم المتحدة.

وصحيح انّ التوقيت يأتي من خلال أزمة الكيماوي في سوريا، إلّا أنّ الكواليس الديبلوماسية كانت تضج منذ اعادة انتخاب اوباما لولاية ثانية بأنّ خطوط التواصل الخلفية مع إيران (سويسرا ثم بريطانيا) ستفتح بقوة أكبر تحضيراً للبدء بمفاوضات مباشرة حول الملف النووي الايراني، ومن خلاله حول اعادة ترتيب الشرق الأوسط، ولكن بعد تحقيق تقدم على مستوى المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية.

وفيما اعلن البيت الأبيض أسماء الفريق الذي سيعاون اوباما في إدارته للبلاد، والذي غلبت عليه صفات التفاوض، وعلى رأسهم وزير الخارجية جون كيري، كان مرشد الثورة الاسلامية علي خامنئي يدفع في اتجاه ايصال الرمز الإصلاحي، روحاني، من خلال تكتيك بارع انتهَجه.

وجاءت أزمة الكيماوي لتشكّل مدخلاً ممتازاً للشروع في هذه المفاوضات وفق توقيت يحمل الكثير من الالتباس وربما من الأسرار. في هذه الأزمة خاض الطرفان اختباراً قاسياً: واشنطن التي حاولت الامساك بمزيد من أوراق القوة، لكنها لم تنجح بالكامل، وايران التي حاولت الإيحاء بأنّ الحصار الاقتصادي المفروض عليها لم يستنزف كامل طاقتها، وبالتالي لا يمنعها من الذهاب بعيداً اذا ما دعت الحاجة.

واشنطن حاولت استعمال الأزمة في سوريا لكبح جماح ايران والتوغل سريعاً في عمق الملف النووي الايراني، فيما أرادت طهران توجيه رسائل مبكرة بأنّها بكامل اجنحتها تؤمن بالحفاظ على مصالحها انطلاقاً من الهلال الشيعي الذي يصل الى جنوب لبنان.

ولأنّ مصالح فرنسا تضرّرت كثيراً في الشرق الاوسط، خصوصاً بسبب حرب سوريا، كان لا بدّ من لقاء بين الرئيسين الفرنسي فرنسوا هولاند وروحاني، يسبق القمّة الاميركية - الايرانية.

ففرنسا احتضنت ايضاً خلال المراحل الماضية لقاءات غير رسمية بين رجال أعمال إيرانيين واميركيين، تربطهم علاقات سياسية قوية، وذلك في فندق "ماريوت" في باريس، الى جانب لقاءات أخرى في سويسرا.المهم أنّ لقاءات نيويورك قد تشكّل بداية جيّدة ولو أنّ المراقبين يعتقدون أنّ طابع جَسّ النبض واستكشاف النيّات سيكون سِمة اللقاء.

في أيّ حال، ثمّة ملفّ داهم لا بدّ من معالجته سريعاً وهو ما يتطلب تعاون ايران وحلفائها. فعدا ملفّ الكيماوي الذي ستتولّاه روسيا، وملف النووي الذي طالب روحاني فيه بمساعدة روسيا الفعّالة، والذي مهّد له السيّد خامنئي بالإعلان عن أنّ السلاح النووي غير أخلاقي، ما يعني التزاماً ضمنياً بعدم تطويره، هناك ملف التيارات الإسلامية المتشدّدة التي اصبحت سيّدة الميدان وصاحبة القرار على مستوى المعارضة السورية.

فالعواصم الغربية التي تؤمن بأنّ الحرب في سوريا ستطول كثيراً، تبدي قلقها من تحوّل نصف سوريا إلى افغانستان جديدة. أرض مباحة للمجموعات التكفيرية قرب إسرائيل، والأهمّ على الحدود مع تركيا التي تعاني أمراضاً اجتماعية وسياسية خطيرة ظهرت بوضوح خلال المرحلة الماضية.

لا بل اكثر، فإنّ دوائر الاستخبارات الاوروبية أحصت اكثر من ألف "جهادي" قدِموا من اوروبا والدول الغربية للمشاركة في القتال في سوريا. وهذا رقم كبير يؤشّر الى وجود بيئات حاضنة داخل المجتمعات الغربية، ويرفع من خطورة نقل الخبرات والاسلحة الفتّاكة مثل الكيماوي إلى الداخل الاوروبي مع عودة هؤلاء أو البعض منهم.

وبعد الاتفاق الاميركي - الروسي على حساب "الجهاديين"، أجرى هؤلاء اختباراً ميدانياً سريعاً في أعزاز وريف حلب، حيث أثبتوا تفوّقهم الميداني وهشاشة القدرة العسكرية للجيش السوري الحر. وهذا ما أعاد الاعتبار الى رأي الدوائر العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا حيال أهمّية الحفاظ على تركيبة النظام والاستعانة بقوّته القادرة وحدها على دحر التكفيريين من دون الاستعانة ببدائل قد تخلق تعقيدات إقليمية كثيرة.
وهذه النقطة بالذات التي تشكّل نقطة تلاقٍ مع إيران، تشكّل في الوقت نفسه نقطة خلاف كبيرة مع السعودية.

فالرياض متمسّكة بأولوية إزاحة بشّار الأسد وفريقه في أيّ حلّ مطلوب. وعلى رغم ذلك، يتحضّر روحاني جيّداً لزيارته الأولى إلى السعودية. وهو في الاساس أعطى إشارات بليغة عن أولوية التواصل مع السعودية والتخفيف من التشنّج معها. لذلك عيّن الكثير من مساعديه من الذين يتمتّعون بعلاقات مع مسؤولين سعوديّين مثل رئيس الأمن القومي الجنرال شمخاني.

لكنّ المشاكل مع السعودية متشعّبة وكثيرة وتطاول المصالح والأيديولوجيا والعقيدة الدينية، والأهمّ النقاط الثمينة التي حقّقتها طهران في العراق وسوريا ولبنان على طريق تكريس الهلال الشيعي، في مقابل حساسية إيرانية كبيرة على بعض المسؤولين السعوديين الكبار.

إلّا أنّ المتضرّرين من هذه الصورة هم كُثر، وفي طليعتهم الجماعات المتطرّفة، حيث يُروى أنّ "القاعدة"، فرع اليمن، قد اتّحذ مع فرع السعودية من جهة، تأميناً للتمويل، ومن جهة أخرى لتنفيذ برنامج بدأ في اليمن، وبالتالي فإنّ الخلايا المتطرّفة في لبنان باتت تحت الإمرة الكاملة للمجموعات السوريّة، ما يؤشّر إلى أنّ عملية "إثبات القوّة" في أعزاز ستكون لها عملية أمنية تلاقيها انطلاقاً من الساحة اللبنانية.
2013-09-23