ارشيف من :أخبار لبنانية

وثيقة الشرف

وثيقة الشرف
ياسين مجيد - صحيفة البيان العراقية

يشعر العراقيون من شتى انتماءاتهم واتجاهاتهم بالارتياح حين يشاهدون عبر شاشات التلفزيون كبار المسؤولين في الدولة وهم يجتمعون في قاعة واحدة لمناقشة الاوضاع العامة في البلاد، حتى وان كان الاجتماع شكلياً او لمجرد التقاط صور تذكارية او لرفع العتب.

وتصل الآمال ذروتها، حين يلاحظ المواطنون ان المسؤولين يوقعون على (وثيقة شرف) حتى وان كانت غير ملزمة لهم، وهذه مفارقة غريبة ، حيث تبارى الموقعون على الوثيقة بالقول انها ليست ملزمة ولا تصل الى اعتبارها بديلاً عن الدستور، وكأن الدستور لم يُضرب عرض الحائط مرات ومرات وقد تحول الى مجرد (قميص عثمان) يرتديه كل من وجد في نفسه حاجة اليه.

والأكثر من ذلك ، إن أحد الموقعين البارزين يهدد شركاءه اثناء الاجتماع بالقول إن وثيقة الشرف ستكون الفرصة الأخيرة للعملية السياسية وبعدها سيأتي الطوفان، وقد فاته ان هذا التهديد يحمله مسؤولية تاريخية وإخلاقية قبل الآخرين عن أية إنتكاسة في الوضع العام في البلاد سواء كانت هذه الانتكاسة سياسية أم امنية أم اجتماعية ، وبعبارة اخرى ، فإن البعض يريد إيصال رسالة الى من يهمه الأمر في الداخل والخارج ، بأن وثيقة الشرف اما ان تكون (وصفة سحرية) لحل جميع المشاكل والازمات او ان تكون الفرصة الاخيرة دون أدنى شعور بالمسؤولية بالحاجة الى القيام بجهد وطني جماعي لتنفيذ ما تضمنته و(ثيقة الشرف).

أما الذين رفضوا المشاركة في الإجتماع لأسباب شتى، فقد وجهوا رسالة مشتركة لجميع العراقيين مفادها إنهم ليسوا معنيين بأية مبادرة لحل المشاكل التي تعاني منها البلاد ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء تقديم بديل عن وثيقة الشرف التي ربما يعتقد البعض منهم ان (الشرف) ليس له مكان من الإعراب في لعبة الصراع على السلطة التي لابد ان تطيح فيها الايدي والرؤوس ويُسفك المزيد من الدماء وتزهق الارواح حتى يأتي اليوم الذي يقرر فيه هو وليس غيره التوقيع على (وثيقة شرف) تتناسب مع مقاساته وليس مصالح الشعب والوطن.

فليس غريباً على سبيل المثال أن يرفض السيد اياد علاوي الذي مايزال يحلو له ان يقال انه زعيم القائمة العراقية التوقيع على (وثيقة الشرف)، فالرجل لم يسمع منه العراقيون منذ خروجه من رئاسة الوزراء سوى التهديد بالحرب الأهلية والتبشير بالفوضى وان البلاد قد اصبحت على حافة الانهيار والدعوة المتكررة للتدخل الأجنبي، وربما يشعر ايضاً ، ان توقيعه على (وثيقة الشرف) تتناقض مع ثقافته الثورية والنضالية التي عاشها على مدى العقود الماضية، وإنه من السذاجة ان يوقع السياسيون على (وثيقة شرف) هي في الاساس ليست ملزمة.

ومن غير المستبعد ان تكون عدم مشاركة البعض من القيادات السياسية البارزة في الإجتماع تنطلق من حسابات سياسية، وهي ان المعارضة للتوقيع على (وثيقة الشرف) ستكون اجدى له وانفع لحزبه في المكون الاجتماعي الذي ينتمي اليه، خاصة وانه يعرف ايضاً ان حضوره في حفل التوقيع سيؤدي الى تقوية جهات وشخصيات سياسية منافسة له من ذات مكونه الإجتماعي ، ولذلك ارتـأت هذه (القيادات الوطنية) الدخول في سباق انتخابي مبكر بطريقة مقلوبة ، فالشرف لايمكن حصره في زمان ومكان معين !!!

في مقابل ذلك ، ظهر البعض من الموقعين مفرطاً في التفاؤل على (وثيقة الشرف) ، وكأن مجرد التوقيع عليها سيكون بمثابة عصا سحرية لحل جميع القضايا المختلف بشأنها ، وهذه ظاهرة هي أقل مايُقال عنها انها ليست واقعية وغير موضوعية بإعتبارها لاتقارب الوضع العراقي بطريقة صحيحة في ظل تشابك الاجندات الاقليمية والدولية على الساحة المحلية ، وهو ماظهر واضحاً على الأقل في مشاركة السفراء الاجانب في حفل التوقيع على (وثيقة الشرف) ، وهي رسالة لم تكن مناسبة على الاطلاق ، وربما فات منظمي الاحتفال ان مشاركة السفراء العرب والأجانب في شأن وطني داخلي يمثل اساءة بالغة للشعب والوطن.

وعلى أية حال، فإن الارهابيين كانوا بالمرصاد لـ(وثيقة الشرف) ، فلم يمض على توقيعها أقل من ثمان وأربعين ساعة ، حتى مزقت السيارات المفخخة التي انفجرت في بغداد والمحافظات وثيقة الشرف وقطعتها ارباً، لقد وجه الإرهابيون رسالة الى (المتشائمين والمتفائلين والمشاركين لرفع العتب) في إجتماع يوم الخميس بان المفخخات سوف تتصاعد حتى موعد اجراء الانتخابات ، وهو ماكشفت عنه مواقف الموقعين والمعارضين لوثيقة الشرف قبل ان تنفجر السيارات المفخخة وتقتل الأبرياء الذين كانوا ينظرون بأمل لإجتماع الخميس.
2013-09-24