ارشيف من :أخبار لبنانية

في المصيطبة من لا يزال يريد سلام رئيساً للحكومة

في المصيطبة من لا يزال يريد سلام رئيساً للحكومة
ميسم رزق-"الأخبار"

أخر تشكيل حكومة تمام سلام طويلاً. يكاد الرجل يصرف رصيد تسميته بعدما عاكسته الظروف المحلية والإقليمية. قصر المصيطبة، اليوم، أكثر هدوءاً، لكن حماسة زوّار نهاية الأسبوع لم تخفت بعد، وهو ما يمدّ «البيك» بجرعات تفاؤلية، إذ إن هناك من لا يزال يريده رئيساً للحكومة.
 
تحجب زهور «الفتنة» وبضع شجرات دارة الرئيس تمّام سلام، في المصيطبة، غابة الاسمنت التي تعلو ما كانت يوماً واحدة من تلال بيروت القديمة. ينهمك عمّال قليلون في الاعتناء بما تبقّى من خضرة في حديقة «البيت الأبيض»، وربما في كل محيطه. أمّا الأمن، فلا حاجة لأن يتولّاه أحد إلا بالحد الأدنى. هكذا أراد صاحب الدار. الشوارع المحيطة لم تقفل بحواجز حديديّة وتتحوّل إلى مربع أمنيّ، على ما باتت عليه العادة لدى رؤساء حكومات ما بعد الطائف، ولا حرّاس حوله في بزات رسمية يتوارون خلف نظارات شمسية.

عمال «سوكلين» يكنسون الشارع، كما أي شارع آخر في بيروت، والمحالّ التجارية حوله لا يشكو أصحابها من مضايقات تنفّر زبائنهم. تفتيش الزوّار إجراء غير معتمد. قاصد قصر سلام لا يحتاج إلى إبراز بطاقة هوية. يكفي أن يذكر اسمه عند الباب، قبل أن يؤذن له بالدخول. رغم ذلك، تفتقر مقاعد الطبقة الأرضية الى من توافدوا إليها بكثافة فور تكليف «تمّام بيك» تشكيل الحكومة. تبقى المقاعد شبه فارغة معظم أيام الأسبوع، لكنها تعوّض فراغها هذا، يوم الأحد، حين تعود الحركة إلى الدار التاريخية. وفود شعبية تستغل الفترة المخصّصة للزيارة بين الحادية عشرة صباحاً والواحدة بعد الظهر. تلتفّ حول «البيك» في طابور يكاد لا ينتهي، فتثير في نفسه حماسة كادت تخمدها الشروط والشروط المضادة المعرقلة لتشكيل حكومته.

المنبر الإعلامي الزجاجي الذي جيء به الى الدار بعد تكليف سيدها تشكيل الحكومة يفتقد، هو الآخر، «عجقة» التصريحات. رجال الأمن التابعون لرئاسة الحكومة يبدون في حال من الاسترخاء. فريق العمل الصغير، الموزّع أفراده في مكاتب الطبقة الأرضية، «خليّة نحل» هادئة لا تشبه «الخلايا» الموجودة في بيوت السياسيين الآخرين. من وراء مكاتبهم، لا يملكون سوى الاسترسال في الحديث عن «وطنية سلام»، وفي التعبير عن الخيبة من تأخر التأليف.

الجميع في قصر المصيطبة ينتظرون نهاية الأسبوع، يوم العمل لا العطلة. يوم الأحد، تنبعث الحياة في القصر، وتعود زحمة السيارات الى الشارع. استقبال أهالي بيروت والاستماع إلى مطالبهم «عادة» لم تتوقف منذ أيام الرئيس صائب سلام. إعادة فتح هذا البيت، من باب تسمية «تمّام بيك» للرئاسة الثالثة، أعادت اليه أيام العزّ. صحيح أن هذه الفورة هدأت إلى حدّ ما في فترة «المراوحة»، لكن الزيارات الشعبية الى الدار، ولا سيما أيام الآحاد، لا تزال على حماستها، حتّى إن البعض لا يزال يواظب على شراء باقات الورود كما في اليوم الأول للتكليف. تعجّ الطبقة الأرضية بالوفود وبمخاتير سابقين وحاليين، إضافة إلى شخصيات رسمية. في الحادية عشرة صباحاً، ينزل سلام للقاء الزوّار، والاستماع إلى مواقفهم الداعمة وبعض من مطالبهم. يتوجّه نحوهم فرداً فرداً. عند رؤيتهم، يبدو وجه الرئيس المكلف أكثر ارتياحاً، وابتسامته أكثر اتساعاً، كمن يشعر بأن هناك من لا يزال يريده رئيساً للحكومة.

يصعب الخروج من الدار بأكثر مما يصرّح به الرئيس المكلّف، عقب كل زيارة الى قصر بعبدا، عن الصّعاب التي تواجه خروج حكومته الى ضوء التشكيل. يؤكّد المقربون من الرئيس المكلف أن المرحلة التي تلت تسميته «لم تكُن ربيعيّة». يعدّدون التطورات السياسية والأمنية «التي كبّلته»، وأخّرت ولادة حكومته في انتظار الظروف المناسبة، بدءاً بأحداث عبرا والتمديد للمجلس النيابي ومعركة التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، مروراً بالتفجيرات في الضاحية الجنوبية وطرابلس، وانتهاء بحملة التهديد الغربي بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، «الأمر الذي أفقد الجميع قدرتهم على التحرك في انتظار الضربة وتداعياتها».

ورغم أن الحكومة وشروط تأليفها هي الخبز اليومي لتصريحات السياسيين والمسؤولين، لم يُسجّل في جدول مواعيد الرئيس المكلّف، طيلة الأسبوع الماضي، اسم أي من النواب، سواء من فريق الثامن من آذار أو من فريق الرابع عشر منه، وهو ما ينطلق منه البعض للتكهن بأن «المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة سلام، ولا الزمن سيكون زمنه».

لكن المداومة في المكتب الإعلامي التابع للرئيس تظهر بوضوح أن هذا الانقطاع عن زيارة دارة المصيطبة لا يعني أن العشب نبت على أبوابها. فـ«المقاطعة» المحلية، في انتظار نضوج الظروف الإقليمية، تعوّضها حركة زيارات لمسؤولين وسفراء، عرب وأجانب، يستقبلهم سلام في مكتبه في الطبقة الثانية. وأكثر ما يريح تمّام سلام، بحسب مطّلعين، أن المطالبين بالإسراع في عملية التشكيل من الخارج، يأتون على ذكر اسمه شخصياً. كلام يستعين به للرد على من يتحدثون عن تكليف شخصية سنّية أخرى لتأليف الحكومة، ويستعيض به عن السحب الجاري من الرصيد الذي جمعه فور تسميته.

حكومة الأمر الواقع ... مجدداً؟

ممنوعات عدّة تُحكم إغلاق الباب في وجه تشكيل الرئيس تمام سلام حكومته العتيدة. هذا هو الجوّ الذي يسود كل زاوية من زوايا منزله. لذا يتكهن كل الذين يقصدونه هنا بمدى فعالية ما يقوم به؟

نقلت مصادر مطلعة أن محادثات الساعات الأخيرة التي سبقت سفر الرئيس ميشال سليمان لنيويورك تشير الى أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف تمام سلام «عازمان على وضع كل ثقلهما، بعد عودة سليمان إلى بيروت من الزيارة التي تستغرق أسبوعاً، لتشكيل الحكومة العتيدة، حتى ولو أخفقت في نيل الثقة في مجلس النواب لتتحول الى حكومة تصريف أعمال على غرار الحكومة الحالية المستقيلة». موقف الرئيسين «بديهي» بالنسبة إلى أوساطهما، فيما يعزوه متابعون الى «إشارات خارجية، وتحديداً سعودية أتت على لسان سفير المملكةA في لبنان علي عواض العسيري». وهذه الإشارات، بحسب هؤلاء، «دعت إلى تسهيل عملية التشكيل»، بشكل دفع كلاً من سليمان وسلام إلى إعلان موقفهما بكل ثقة، وكأن «الجرعة الإقليمية المطلوبة جاءت في وقتها».

ولكن هل يمكن السير في تأليف حكومة لا إجماع عليها؟ يرفض سلام حالياً الإدلاء بأي تصريح يحمّله موقفاً سياسياً وطائفياً لا يعنيه في الأساس.
كثيراً ما أجبر على الردّ في بيانات صادرة عن مكتبه الإعلامي على كل التصريحات التي تناولته أخيراً. إلا أن أوساطه تؤكّد أن «إصراره على تأليف الحكومة في وقت قريب، يعود إلى عدد من الظروف، أهمها حاجة البلد إلى وجود مجلس وزراء»، وإن «كانت المعطيات الخارجية التي لا شك أن لها تأثيراً علينا مهمّة، تبقى الضرورات الداخلية هي الأساس». وتشير هذه الأوساط إلى «اقتناع الرئيس سلام بوجود رغبة دولية بدعم لبنان، وأكبر دليل على ذلك المؤتمر الذي سيعقد في الخامس والعشرين من أيلول الجاري، ويعكس رسالة واضحة تصبّ في هذا الاتجاه». ونفت المصادر «صحّة كل الصيغ الحكومية التي تناولتها وسائل الإعلام» ، لافتة إلى أن «الرئيس لا يتحدى أحداً، ولا يهدف إلى استفزاز أحد».
2013-09-25